يبدو ان رئيس الوزراء الهندي اتال بيهاري فاجبايي اضحى راضيا بالتخلي عن نهر جليد جبل سيجيان, وتحويله إلى أرض غير مأهولة بشرط الا يحتله الباكستانيون , والعائق الذي يقف في طريق ذلك التخلي هو انعدام الثقة, فحادثة كارجيل اخذت ما اخذت من ردود افعال, حيث تعتبر اكبر كارثة لرئيس الوزراء الذي شعر بخيبة الامل, بيد انه ليس الرئيس الوحيد الذي يخيب ظنه فقد سبقه العديدون والذين خاب ظنهم خلال السنوات الماضية. عندما تم تعديل مسمى (خط وقف اطلاق النار) في جامو وكشمير إلى اسم (خط المراقبة) بعد حرب بنجلاديش عام 1972 تم التوقيع على (اتفاقية شيملا) وفي احد بنود الاتفاقية يشير إلى عدم تبديل أو تغيير خط المراقبة من جانب واحد بصرف النظر عن اي خلافات متبادلة, كما تؤكد الاتفاقية على احترام خط المراقبة من قبل الجانبين دون الاخلال بالمواقع المعترف بها بين الطرفين. فاعلان لاهور في فبراير الماضي, نادى باحياء اتفاقية شيملا والتي مضى عليها قرابة الـ 17 سنة منذ توقيعها, واكد اعلان لاهور ضرورة ايجاد تسوية سلمية لأزمة كشمير عن طريق المفاوضات الثنائية. وبالفعل بدأت بعض الخطوات تجاه تلك التسوية, حتى رئيس الوزراء وبعض زعماء الحزب غيروا في لهجتهم تجاه كشمير, حيث كانوا يطلقون عليها لفظ (اناتوت) وهي تعني الجزء المكمل للهند, ولكنهم احجموا عن استخدام هذا اللفظ بعد اعلان لاهور الاخير. رئيس وزراء الهند يعترف بأن كشمير منطقة متنازع عليها ولكن دون ان يصرح بذلك فعليا, وحتى عندما اعلن خلال لقائه المدني في لاهور عزمه لايجاد تسوية للمشكلة. الان اذا قيل ان باكستان احتلت كشمير فيعود ذلك إلى احساس بأنه قد ضلل وخدع, وفوق ذلك فهو حاليا غير محصن ومعرض للهجوم بسبب الانتخابات التي ستبدأ خلال الاشهر الاربعة المقبلة, واذا لم يتحسن الوضع في كارجيل أو في كشمير حتى تاريخ الانتخابات فسيتأثر حزب رئيس الوزراء تأثرا بالغا, بيد ان معظم اعضاء حزبه غير راضين وسعيدين لزيارته للاهور, ولكنهم عادوا إلى ممارسة العابهم, وقد كان بامكانهم العمل ضد فاجبايي في هذا الوقت ولكن باستثناء حقيقة ان العمليات العسكرية لا تعتبر مناسبة لاحراز انتصارات. من الطبيعي ان تطالب اسلام اباد بمحادثات بناءة ومثمرة في قضية كشمير, وهذا ما تركض خلفه وتبحث عنه منذ سنوات, ولكن من الغرابة ان تثير اسلام اباد المشاكل عندما ازاح حزب رئيس الوزراء اللوبي المناهض لباكستان في الهند. وحقيقة فرئيس الوزراء يحاول جاهدا الوصول إلى تسوية, فكيف يكون أو كان شعوره عندما علم بأن اسلام اباد دفعت وفي سرية تامة بمرتزقة وجنود لاشاعة الفوضى داخل كشمير, واثناءها كان فاجبايي يسافر بالحافلة إلى باكستان بحثا عن ذلك السلام. رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف يبدي لرئيس الوزراء الحالي والسابق انطباعا بعدم اطلاعه على تحركات الجيش, وهذا ممكن حدوثه ولكن في حدود معقولة. فرئيس الوزراء راجيف غاندي ايضا لم يكن يعلم في ذلك الوقت ان رئيس اركان الجيش الهندي سوندراجي اجرى تمرينا عسكريا خلال عام 1988 داخل الاراضي الباكستانية, وعندما علم راجيف بذلك اجرى تعديلات داخل الجيش. من المحتمل ان يكون نواز شريف على اطلاع بتحركات الجيش ولكنه ألم يكن يعلم بأن هذا التحرك سيمتد داخل الحدود الهندية والى عمق عشرة كيلومترات ولذلك الحشد الكبير من الافراد متجاهلا لخط المراقبة وعبور القوات الباكستانية له. ولم يتخذ نواز شريف اي اجراءات تعديل بالقوات المسلحة حتى ولو بطريقة اخرى. كانت هذه الصيغة غير صحيحة.. فشريف الذي استبدل رئيس اركان جيشه قبل عدة شهور ليس من نوع الرؤساء الذين يغفلون ما يجري داخل القوات المسلحة وهم الذين يعتمد عليهم وهو يعلم ذلك! فالخطاب الذي ارسله نواز شريف لأمين عام الامم المتحدة والذي يزعم فيه ان (الافعال الهندية المتهورة على خط المراقبة اوجدت وضعا خطيرا بالاقليم) وبكل وضوح فذلك الخطاب لم يقنع اية شخصيات اجنبية باستثناء عنان والذي اقترح ايفاد ممثل شخصي له لزيارة كل من الهند وباكستان متناسيا بأن خط المراقبة انتهك من قبل القوات الباكستانية. فالسؤال الذي ظل بدون اجابة لماذا قررت اسلام اباد اتخاذ ذلك الاجراء وبأنها ترغب في تدويل قضية كشمير وليس بجديد عليها, فقد ظلت ولعدة عقود تحاول ذلك. نواز شريف كان محقا عندما صرح بأن مشكلة كشمير يجب تسويتها بالتفاوض, ولكن تلك التسوية هل تأتي بحمل السلاح في ذات الوقت؟ فالسلام والسلاح لا يجتمعان معا.. فكيف له ان يتوقع من الهند الدخول في مفاوضات عن قضية كشمير, وفي ذات الوقت تثير اسلام اباد القلاقل داخل كشمير ليس بارسال المرتزقة فقط بل ايضا بتهديد منطقة لاداخ ـ كشمير. نواز شريف لا يمكن ان ينادي بضبط النفس دون ان يضبط نفس جيشه الذي كان سببا وراء اشعال فتيل الصراع الدائر حاليا. فاجبايي كان على حق عندما طلب من شريف ان تقوم اسلام اباد بتخفيف حدة التوتر لانها السبب المباشر فيه. فزيارة وزير الخارجية الباكستاني سرتاج عزيز وتحت ضغط البيت الابيض يجب ان يرحب بها في الهند وهذه الزيارة ستساعد في تخفيف حدة التوتر كونها تجمع الجانبين وجها لوجه وليس سلاحا لسلاح. اين ستكون وجهة البلدين من دلهي؟ من اوليات الهند ضرورة طرد المرتزقة وعلى باكستان احتواؤهم. هناك درس لم تعه اسلام اباد جيدا. حتى بعد الحروب الثلاث فهو يتمثل في انها لن تستطيع احتلال كشمير بالقوة من الهند, حيث ان مشكلة كشمير قضية سياسية ويجب ان تحل عبر المفاوضات وليس في ميادين القتال. فاذا حاولت اسلام اباد ان تقوم بعملية تحد فانها بذلك تقود الى تدمير شبه القارة كون البلدين يمتلكان اسلحة نووية. حقيقة.. هذا هو الوقت الذي يجب ان تخرج فيه شعوب البلدين تنادي بوقف المجابهات, فالعلاقات التي نشأت بين الشعبين قديمة جدا.. ويجب تقويتها وتعميقها. لا مفر من الصداقة التي تجمع البلدين. فسياسة الحافلة يجب ان يوفر لها حجم اكبر لتكلل بالنجاح وليس توفير العوائق امامها. كاتب هندي ترجمة: راشد عبدالباقي