عاشت مدينة جزين اللبنانية امس يوم حريتها الاول بعد 14 سنة من الاحتلال الاسرائيلي وعملائه اثر استكمال عناصر ميليشيا انطوان لحد انسحابها منها فجرا مخلفة حطام دبابات واليات دمرتها المقاومة وسط حماية من المقاتلات الاسرائيلية لم تفلح في رد التفكك وبودار التمرد داخل هذه الميليشيا . فعند الرابعة من فجر امس عبرت آخر قوافل الدبابات والآليات المنسحبة على طريق جزين ـ كفر حونة (جنوب) . ومنذ الصباح تجمع اهالي جزين في باحتها العامة وهم يتبادلون التهاني. مواطنون من مختلف الاعمار وفي عدة قرى مجاورة اصطفوا على جانب الطرقات يستقبلون الوافدين الى المدينة واطفال يحملون اعلاما لبنانية وقاموا بتوزيع الحلوى على السيارات والمارة ابتهاجا. فيما اتخذت عناصر من قوى الأمن الداخلي اجراءات أمنية في مختلف أحياء المدينة وشوارعها الرئيسية. وعند العاشرة من قبل الظهر (بالتوقيت المحلي), وصل قائمقام جزين نبيه حمود إلى مبنى البلدية ورفع عليه العلم اللبناني الذي كلل أيضا سطوح المباني والأعمدة والمؤسسات الرسمية. وعلى مقربة من ساحة جزين كان الدخان لا يزال يتصاعد من ثكنتها حيث كان مقر قيادة (الفوج العشرين) , قبل أن تنسحب الميليشيات العميلة وتترك وراءها آليات مدمرة, وموقعا مهجورا. وإلى الشرق من الثكنة كانت النيران تأكل ما تبقى من ذخيرة ومعدات وتحصينات موقع فوج المدفعية في عين ثغرة. وأفيد ان الميليشيات التي انسحبت من منطقة جزين بكاملها وصولا إلى كفر حونة قد توزعت على مواقع: السريرة, عرمتى, وكفر حونة. هربت ... ولم تنسحب يرفض المسؤولون اللبنانيون والقيادات المعنية بالشأن الجنوبي, عامة, ومنطقة جزين خاصة, القول بأن ميليشيات لحد استكملت انسحابها من جزين فجر أمس, مستعملين عبارة (هربت منها) لا انسحبت. فقد عاشت الميليشيات الساعات الأخيرة قبل (هروبها) على ايقاع أمر العمليات التي صدر من اسرائيل والقاضي بضرورة تسريع الانسحاب, وايقاع العمليات العسكرية التي نفذتها المقاومة ضد فلول المنسحبين, والتي أدت قبل ساعات من استكمال الانسحاب إلى تدمير أربع آليات تابعة للميليشيات, وبعد اعترافها بخسارتها, تكتمت مصادرها عن الاعلان عن الخسائر البشرية خوفا على معنويات الجنوبي المفككة والمنهارة, وفق وصف رئيس الميليشيات انطوان لحد نفسه لها. وشكل هاجس قصف المقاومة للطرقات والمعابر التي يسلكها المنسحبون وآلياتهم باتجاه عمق الجنوب في الشريط المحتل, العقبة الأساسية التي اربكت الميليشيات, خصوصا وان القصف استهدف جميع الطرقات المؤدية من جزين إلى النقطة الأخيرة في القضاء جنوبا عند بلدة كفر حونة. لذلك عاشت الميليشيات وسط خناق حاد من الطرقات المقطوعة أمامها, فبدت عاجزة عن اعتماد خيار الحد من الهزيمة, الامر الذي شهدت معه الساعات الأخيرة التي سبقت الانسحاب من جزين اجتماعات مكثفة بينها وبين فريق من الاستخبارات الاسرائيلية, ادت الى شق طريق ترابية جديدة بين جزين وكفر حونة, نفذته الجرافات الاسرائيلية وسط تحليق مكثف للطيران الحربي المعادي. تفكك العملاء ويقول مراقب في جزين في تقرير أعده حول ما حصل في الساعات الأخيرة تلك ان قيادة (الجنوبي) استقدمت اليها عشرات العملاء المنضوين في صفوفها من مناطق أخرى بحيث أمنوا انتشارا عسكريا كثيفا لمراقبة طرقات منطقة جزين وحراسة المفاصل الأساسية من أي عملية تسلل, وبرز لافتا للانتباه ان كل عناصر (الفوج العشرين) في (الجنوبي) وهو الذي كان مسؤولا عما يسمى (أمن جزين) رموا أسلحتهم, وارتدوا الملابس المدنية, وابتعدوا عن مرمى اتخاذ الأوامر والقرارات من قيادة جيشهم. كذلك تعززت الاحتياطات لمزيد من عزل جزين عن محيطها, فأقيمت الحواجز على كافة الطرق المؤدية اليها, وحصر الدخول اليها بأهالي المنطقة, في القرى المجاورة فيما منع من الدخول الاعلاميون والراغبون بزيارتها من خارج أهالي المنطقة. وترافق ذلك مع شائعات محلية تحدثت عن اتجاه قيادة (الجنوبي) لاعادة نشر عناصرها في المناطق التي انسحبت منها, وبصورة مدنية لا تثير الشبهات, بحيث تكون اداة انتقام محلية ضد الاهالي في حال تعرض (الجنوبي) أو المواقع الاسرائيلية لأي قصف أو عمليات انطلاقا من بلداتهم. لكن سقف تلك الشائعات كان ساذجا, خاصة بالنسبة للأهالي المقيمين, الذين لم يتأخروا في اكتشاف هشاشة وضع الميلشيات حتى ان احدهم علق على ذلك بترميز ذات معنى قائلا: (ان الجنوبي ــ لم يخسر المنطقة فحسب, بل هو يظهر عاجزا حتى عن الانسحاب) . ومما ساعد أكثر فأكثر في تبديد المخاوف, وفق ذلك المراقب نفسه, وبالتالي تمويلها الى مجرد اسئلة قلقة هو بدء عودة عناصر من الميليشيات الى بلدات جزينية محررة, بعد ان كانوا قد اختاروا بادئا البقاء في الميليشيات وانسحبوا مع عائلاتهم الى مرجعيون (معقل انطوان لحد وقيادته المتعاملة). زرائب مرجعيون للعملاء ومما اشاع المزيد من الاطمئنان ايضا ان ثمانية عناصر عادوا ليرووا امام اهالي قراهم في المنطقة انهم لم يتصوروا يوما ان يعاملوا بالذل الذي عوملوا فيه في مرجعيون. ويقول احدهم ان الناس هناك (مرجعيون) رفضوا التحدث اليهم, وتنصلوا من تقديم مأوى لهم حتى ان المنازل التي أمنت لسكنهم لا تصلح حتى للحيوانات فكيف لاقامة الانسان. واضاف: (السجن في الدولة يبقى أشرف لنا من زرائب المواشي عند (الجنوبي) في مرجعيون وجوارها. وفي اطار منسجم مع ذلك الواقع, اعلنت (لجنة متابعة شؤون العناصر المستقيلة من جيش لبنان الجنوبي) , وقبيل الانسحاب من جزين موقفا يقول ان زهاء 203 عناصر من (الجنوبي) في منطقة جزين اعلنوا عبر رئيس دير سيدة مشموشة الاب بولس الخوند الذين أصروا ان يكون هو الناطق باسمهم النقاط التالية: ــ تم الانسحاب كليا ونهائيا من (الجنوبي) في 30 - 5- ,1999 ولم يعد لنا بعد هذا التاريخ اي علاقة مع هذا الجيش وقيادته. ــ نضع انفسنا في تصرف القانون اللبناني والشرعية اللبنانية, ولنا ملء الثقة بالدولة اللبنانية وعلى رأسها رئيس الجمهورية العماد اميل لحود. ــ هذا البيان نضعه تحت بركة غبطة ابينا البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صغير الكلي الطوبي وتوجيهه. وعلم ان العنصر في الميليشيا العميلة بيار طنوس (من جزين) سلم نفسه الى حاجز الجيش اللبناني على معبر كفر فالوس, بعد ان تمكن من الفرار من مركز خدمته في ثكنة (الفوج العشرين) داخل جزين وقد توجه مع زوجته واولاده في حافلة (بيك اب) يخصه الى حاجز العملاء عند تمثال (سيدة المعبور عند مدخل جزين, واقنع عناصره بأنه مضطر للتوجه الى ضهر الرملة لقضاء أمر طارئ. وتفيد معلومات من جزين عن تمرد عدد كبير من العناصر اللحدية, وقد امتنع بعضهم عن تسليم بعض الآليات والعتاد والأسلحة التي بحوزتهم الى قيادتهم الا بعد ان قبضوا كامل تعويضات نهاية الخدمة في صفوف الميليشيا, بعد ان سمعوا رفضا من انطوان لحد لدفع تعويضات للعناصر التي ترفض البقاء في ميليشياته المنسحبة. الأوضاع الأمنية التدابير الأمنية الشرعية التي ستتخذها الدولة اللبنانية لحماية أمن المنطقة عامة طغت بالاضافة الى مصير المتعاملين, على اجواء جزين في الساعات الاخيرة ما قبل الانسحاب الكامل. ولوحظ في هذا الاطار ان الجيش الموجود في ثكنة الحمصية يلتزم ثكنته ولا يظهر التزاما بتعليمات قيادته. اما قوة الأمن الداخلي الموعودة (150 ضابطا ورقيبا وعنصرا) فانها تنتظر الجلاء الكامل من بلدة جزين حتى تنتشر. وعلمت (البيان) في هذا المجال ان القيادات الأمنية العليا تعيد النظر في تلك القوة لجهة عددها من جهة وتسمية قائدها من جهة أخرى, مع العلم انه سبق للمقدم طارق عبد الله ان تبلغ انه سيرأسها. أما التدابير المتخذة على المعابر المفتوحة لجهة الجيش اللبناني (كفر فالوس ــ روم, يسري, باثر ــ جزين) فقد ظلت على ما هي عليه, بحيث يمنع على غير الاهالي المنطقة دخولها الا بتصاريخ تصدر عن قيادة الجيش, كما يمنع المرور من خلالها بعد السادسة من مساء كل يوم. بيروت ـ وليد زهر الدين