بالرغم من ان لاءات باراك الاربع قد ألقت (دشاً) بارداً على رؤوس الذين بالغوا في التفاؤل غداة فوزه في الانتخابات الاسرائيلية, الا اننا في الواقع لا ينبغي ان نتوقف عندها ونعتبرها (آخر ما عنده) والا كان يعني هذا ان عملية السلام ستظل تراوح مكانها مجمدة امام السدود الاربعة التي تمثلها هذه اللاءات, ولا معنى اذاً لاي جهد دبلوماسي طالما باراك يقف في نفس الخندق الذي ظل نتانياهو متشبثاً به حتى غرق, واكتسحته الامواج وألقت به في سلة قمامة التاريخ. ولعلنا نذكر كم شهد النزاع في الشرق الاوسط في مختلف مراحله حرباً وسلماً من حالات اللاسلم واللاحرب من لاءات سواء في هذا الجانب او ذاك, ثم ما لبثت هذه اللاءات ان تبخرت واودت بها الرياح ولا نظن مصير لاءات باراك سيكون مختلفاً. وبصرف النظر عن اية ملابسات او تفاصيل فرعية فإن الثابت والمفهوم ان حكومة باراك جاءت لتنهي فترة الجمود القاتل في عملية السلام التي استمرت ثلاث سنوات هي كل عمر حكومة نتانياهو, ولتبدأ من نفس النقطة التي انتهت اليها المفاوضات مع حكومة حزب العمل السابقة. وباراك نفسه لم يكن بعيداً عن تلك المفاوضات وكان الرجل الثاني في مفاوضات رؤساء الاركان على المسار السوري عام 1995 وهي المفاوضات التي قادها من الجانب السوري الفريق حكمت الشهابي ومن الجانب الاسرائيلي الجنرال أمنون شاحاك, ودارت في واشنطن باشتراك وفد امريكي. وبالمناسبة, كانت هناك (لا) خطيرة في بداية تلك المفاوضات تمثلت في عشرات التصريحات من جانب رئيس الوزراء الاسرائيلي حينذاك اسحق رابين ووزير خارجيته شيمون بيريز وخلاصتها انه لن يكون هناك انسحاب (كبير) من مرتفعات الجولان, ولن يتم تفكيك اية مستوطنات ومع ذلك فقد توصل الطرفان في النهاية بوجود باراك كعضو في الوفد الاسرائيلي الى ما يخالف هذه الـ (لا) بل ويتناقض معها.. ولم يعد الانسحاب موضع خلاف, وانما انحسر الخلاف حول ما يسمى بالتدابير الأمنية. وكانت مهمة الوفد الامريكي هي السعي بين الطرفين لتقريب وجهات النظر وابتكار حلول للمشاكل التي يتعذر معها الاتفاق. غير ان المنسق الامريكي دينيس روس اضاف مهمة اخرى, تلك هي ان يقوم في اعقاب كل اجتماع بتسجيل النقاط التي اتفقت فيها آراء الطرفين وتسليم كل منهما مذكرة وافية بها, وقد ساعد ذلك بالفعل على توفير الوقت وتضييق نقاط الخلاف. وعندما انتهت الجلسة الاخيرة في اجتماعات واشنطن كانت هناك 15 نقطة تم الاتفاق بشأنها وبقيت 3 نقاط فقط رؤي تأجيل النظر فيها للاجتماع التالي بعد ثلاثة اشهر. وهو الاجتماع الذي لم ينعقد ابداً بسبب التطورات التي بدأت بأوسلو, وانتهت بالاجراءات العنيفة التي اتخذها بيريز ضد الفلسطينيين واللبنانيين مروراً باغتيال اسحق رابين. أما النقاط التي كانت لا تزال محل بحث, والتي نعتقد الآن انه من الممكن ان تكون بداية تحرك حكومة باراك على المسار السوري فهي: 1ـ مطالبة اسرائيل بالابقاء على المحطة الاسرائيلية للانذار المبكر فوق جبل الشيخ وهو الامر الذي رفضته سوريا وما زالت ترفضه باعتباره استمراراً للاحتلال الاسرائيلي ثم انه لا ضرورة له بالمرة من الناحية الأمنية حيث يمكن للاقمار الصناعية وطائرات الاستطلاع ــ المتاحة لاسرائيل ــ ان تقوم بنفس مهمة الرصد على مدار الـ 24 ساعة والانذار المبكر بدون الحاجة الى محطات ارضية. 2 ــ مطالبة اسرائيل بايجاد مناطق منزوعة السلاح على جانبي خط الحدود وقد وافقت سوريا على هذا المطلب على اساس ان تكون هذه المناطق متساوية على الجانبين ولكن الاسرائيليين تمسكوا بأن تكون هذه المساحات متناسبة مع العمق الجغرافي لكل من البلدين, وهو ما رفضته سوريا ومازالت ترفضه. 3 ــ اما النقطة الثالثة التي كان مفهوما انها محل خلاف وان كان المنسق الامريكي دينيس روس يقول أنها لم تناقش اصلا, اذ اتفق على ارجاء مناقشتها الى مابعد الاتفاق على النقطة الثانية فهي مسألة وجود قوات دولية في المناطق المنزوعة السلاح فقد تمسكت سوريا بأن تكون هذه القوات تابعة للأمم المتحدة بينما كان رأي الاسرائىليين ان تكون قوة امريكية, أو على الأقل تحت قيادة امريكية. وهكذا نرى ان النقاط الثلاث,او العقبات الثلاث ــ على المسار السوري ليست عسيرة على الحل. وحلها هو الطريق الوحيد لتنفيذ وعد رئيس الوزراء الاسرائىلي الجديد باخراج اسرائىل من المستنقع اللبناني قبل نهاية العام. اما عن المسار الفلسطيني فإن الارجح ان يسارع باراك بتنفيذ الالتزامات الاسرائىلية وفقا لاتفاقية واي بلانتيشن بدون معوقات.. والارجح ان يكون قد أدرك مغبة المماطلة واستفاد جيدا من الدرس الذي تلقاه سلفه عندما صور له غروره انه يستطيع ان يراوغ الولايات المتحدة فكانت عاقبة هذا التصور أن خسر الدنيا والآخرة!! ولا نعني بهذا ان الولايات المتحدة الامريكية قد تدخلت بشكل أو آخر في الانتخابات الاسرائىلية لكي تسقط نتانياهو. ولكن كان يكفي ان تمتنع وزيرة الخارجية مادلين اولبرايت عن استقبال آرييل شارون, قطب الليكود وحليف نتانياهو الأول وهو في واشنطن لكي يكون في ذلك اشارة واضحة للناخب الاسرائىلي تنبهه الى ان واشنطن قد بدأت تضيق بحكومة ربيبتها وان لابد من التغيير حتى تعود العلاقات كما كانت دائما سمنا على عسل. ومن المؤكد أن هناك, بين الناخبين الاسرائىليين, كثيرا من الاغبياء, مثل هؤلاء الذين أعطوا اصواتهم لحزب شاس التوراتي المغلق, والذي يقضي زعيمه بضع سنوات من عمره الان في السجن بسبب ادانته بالفساد.. ولكنه واضح ان الاذكياء الذين فهموا اشارة واشنطن كانوا أكثر.. فأسرعوا بنفض ايديهم من (بيبي) ليلقوا به في بئر النسيان. أيا كان الأمر, فان في اسرائىل اليوم حكومة أكثر طاعة لأمريكا, وبالتالي اكثر استعداداً للتقدم في طريق السلام الذي تعتبره الولايات المتحدة حجر الزاوية في استراتيجيتها بالشرق الاوسط لأنه الضمان الوحيد لاستمرار الاستقرار.. والاستقرار هو السبيل الوحيد لتدفق الطاقة. والاستثمارات والتجارة بلا معوقات أو عراقيل. وعلى هذا الاساس يحق لنا ان نتوقع خلال الاسابيع القليلة المقبلة تحركات اسرائىلية, امريكية سريعة في اتجاه تحريك عملية السلام بقوة ربما لم تشهدها من قبل, واستجابة لاتقل سرعة من الجانب العربي. الهول في شبه القارة الهندية فجأة أهتز العالم كله مرعوبا الى الحريق المشتعل في الشمال الشرقي لشبه القارة الهندية حتى كاد ينشغل عن المأساة الموجعة لأكثر من مليون لاجىء ألباني هم تقريبا نصف سكان اقليم كوسوفو الذين لم تسفعهم غارات حلف الناتو بل لعلها زادتهم عذابا وضياعا. وكان من حق العالم ان يفزع فالهند وباكستان ــ طرفا الحريق ــ عملاقان يضمان معا نحو 1150 مليون نسمة أي أكثر من خمس سكان المعمورة. وبين الشعبين ضغائن وتارات قديمة زاد الاستعمار البريطاني من حدتها حتى يكفي عود ثقاب واحد لتفجيرها في أية لحظة. ومنذ استقلال باكستان وانفصالها بولاياتها الاسلامية عن الهند عام 1974 ــ وكان انفصال أشبه بعملية جراحية هائلة راح ضحياها ملايين من الطرفين ــ نشبت الحرب الشاملة بين البلدين ثلاث مرات. وكان النزاع حول ولاية كشمير سببا لحربين من الثلاث. أما سبب النزاع فهو ان ولاية كشمير التي تبلغ مساحتها اكثر من 240 الف كيلو متر مربع اغلبية سكانها مسلمون. ولكنها عند لحظة تقسيم الولايات بين اسلامية تنضم لباكستان, وهندوسية تبقى مع الهند كان يحكمها حينذاك مهراجا هندوكي فاعلن الانضمام الى الهند. وقد حاولت القبائل الاسلامية التمرد على ارادة المهراجا الهندوكي ولكن المهراجا بمساعدة الولايات الهندية المجاورة تمكن من قمع المقاومة الاسلامية في كشمير بقسوة بالغة خلقت بالتالي اسبابا جديدة للضغائن, وان كانت القبائل المقاومة نجحت في الاحتفاظ بالجزء الشمالي الغربي والذي يبلغ ثلث الولاية تقريبا وانضموا به الى باكستان واستمرت الحرب نحو عام وبعض عام, حتى عرض الامر على الامم المتحدة التي اوصت باجراء استفتاء عام ولكن الحكومة الهندية رفضت التوصية. وفي عام 1957 اعلنت الهند من جانب واحد ضم كشمير رسميا فاشتعل القتال مرة اخرى بين البلدين.. ثم توقف بعد تدخل الوسطاء. غير ان المقاومة الاسلامية في ولاية كشمير الهندية لم تتوقف والحكومة الهندية من جانبها لم تتوقف عن استخدام العنف لقمع المقاومة, مع اتهام باكستان باستمرار بانها المصدر الذي يمد (المتمردين) بالسلاح, ويجعل من الاراضي الباكستانية قواعد للعمليات المسلحة. وهكذا ظلت كشمير بؤرة مستمرة للتوتر بين البلدين.. تخمد احيانا وتشتعل احيانا اخرى.. ووسيلة تستخدمها السلطة سواء في نيودلهي او في اسلام اباد للاستهلاك المحلي وابتزاز الرأي العام كلما ساءت الاحوال الاقتصادية واصبحت الحكومة في حاجة إلى شعارات قومية تعزز بها شعبيتها او تستعيدها. ثم دخل النزاع بين الهند وباكستان مرحلة جديدة بدخول البلدين النادى النووي منذ شهور, وبدأ السباق باعلان الهند عن تفجير قنبلتها النووية فتلتها باكستان في الحال, ثم اطلقت الهند صاروخا بعيد المدى فاعقبتها باكستان بصاروخ مماثل. ومع ان اصدقاء الشعبين اشفقوا عليهما من هذا الانفاق الهائل الذي يتطلبه السباق النووي بينما الشعبان يحتاجان الى كل روبية من اجل التنمية الاقتصادية والافلات من براثن الفقر, الا انه ساد لدى الجميع شعور بالارتياح على اساس ان ميزان الرعب النووي كفيل بدفع العلاقات بين البلدين الى الطريق الوحيد البديل الا وهو تسوية خلافاتهما بالوسائل السلمية. ولكن يبدو ان من بيدهم الامر, في البلدين يحسبون الامور بطريقة مختلفة وقد بدأ التطور الاخير حملة جوية برية مكثفة من جانب الحكومة الهندية ضد ما أسمته مواقع المتسللين من باكستان لتعزيز حركة التمرد الكشميرية التي تعمل تحت اسم (تحالف مجلس الجهاد المتحد) . واتهمت الهند الحكومة الباكستانية بمساندة المتردين, وبأن بعض المتسللين جنود نظاميون بالجيش الباكستاني, بينما اسقطت قوات الدفاع الجوي الباكستانية ثلاث طائرات عسكرية هندية ــ منها مقاتلتان من طراز ميج, وثالثة هيلكوبتر اخترقت المجال الجوي الباكستاني اثناء قصف قواعد المتسللين. ومع ان الوضع لم يصل الى حد الحرب المباشرة بين البلدين, وبالرغم من التصريحات المتبادلة بين العاصمتين بانه ليس في نية احدهما تصعيد التوتر, الا ان العالم ظل يضع يده على قلبه وهو يشهد ألسنة اللهب تقترب من الاسلحة النووية لدى البلدين. ولم تهدأ دقات القلوب المفزوعة نوعا ما الا بعد ان جاءت الابناء بوساطة مصرية عاجلة لاحتواء الموقف, وقبول زعماء البلدين للوساطة مع اعلان هندي له مغزاه.. بان عملية القضاء على المتسللين قد اوشكت على نهايتها. ولكن تبقى بؤرة التوتر قائمة الامر الذي يتطلب تدخل المؤتمر الاسلامي ومنطقة شعوب اسيا وافريقيا وحركة عدم الانحياز وكل اصدقاء الشعبين الهندي والباكستاني من اجل تسوية سلمية مقبولة وعادلة حتى لايتعرض العالم لازمة مماثلة مرة اخرى.