صبيحة يوم الاربعاء الماضي اعتقد الاطفال الصغار في المدارس بولاية كشمير ان زلزالا عنيفا قد وقع ... علا صراخهم... اندفعوا خارجين من الفصول مندفعين نحو منازلهم وهم يبكون , وجدوا اسرهم تهرع نحو المخابىء واي مكان آمن... ما حدث وقتها لم يكن زلزالا بل قصف مركز من احدث ما تملكه الترسانة الجوية الهندية من طائرات ميج 21 و 27 ميراج ــ مروحيات متطورة. ومع حمم النيران الهندية تضافر عامل الطقس ليزيد من مأساة سكان كشمير... درجة الحرارة في هذا الوقت من العام تصل الى التجمد ليلا... وعندما يتحالف الجوع والاوضاع الاقتصادية المتدنية مع قسوة البرد وعنف النيران يمكن لنا ان نتخيل اي حالة يشعر بها سكان كشمير الذين وجدوا انفسهم يدفعون ثمن الخلافات العرقية والدينية طوال اكثر من 50 عاما. بداية مأساة مواطني كشمير بدأت في عام 1947 وتحديدا في شهر اغسطس عندما نالت كل من الهند وباكستان استقلالهما عن بريطانيا... وهو الانفصال الذي كان اشبه بالولادة القيصرية المتعسرة... خسائر هذا النزيف كانت حوالي مليون قتيل من الجانبين في اعمال العنف الطائفية. وكعادة السياسة الاستعمارية البريطانية في ترك بؤر نزاع مستمرة في كل مستعمراتها السابقة وسياسة (فرق تسد) كان المثال في شبه القارة الهندية نموذجيا... نظريا كانت لندن قد وضعت قاعدة بان الولايات ذات الاغلبية الهندوسية تذهب للهند وذات الاغلبية الاسلامية الى باكستان, لكن ما حدث في كشمير ذات الاغلبية المسلمة ان حاكمها هاري سينج الهندوسي الاصل متواطئاً مع حاكم الهند البريطاني قبيل الاستقلال اللورد مونتابتن لم يوافق على اجراء استفتاء بين سكان الاقليم كي يقرروا الى اي دولة ينضمون... في هذه اللحظة ثارت ثائرة الباكستانيين بقيادة محمد علي جناح ولم يكن امامهم سوى القوة لاستعادة كشمير المسلمة اندفعت القوات الباكستانية بمساندة رجال القبائل الكشميريين صوب الولاية... وهنا بدأت الحرب الهندية الباكستانية الاولى عندما طلب الحاكم الهندوسي تدخل القوات الهندية... ولم يكن امام الامم المتحدة الوليدة وقتها سوى اصدار قرار باجراء استفتاء بين سكان الاقليم كي يقرروا مصيرهم لكن ومثل قرار التقسيم الخاص بفلسطين او حق عودة اللاجئين فقد ظل قرار كشمير بلا فاعلية حتى هذه اللحظة لتستمر معاناة الكشميريين ليس فقط بسبب الصراع ولكن بتفاعل عوامل الطقس والفقر ايضا. كشمير جغرافيا تقع اقصى شمال الهند وسط جبال الهيمالايا تجاورها الصين والتيبت بخلاف الهند وباكستان نيودلهي تسيطر على ثلثي المنطقة وتسميها جامو وكشمير واسلام اباد تسيطر على الثلث وتسميها (ازاد كشمير) اي المحررة, المساحة حوالي 225 الف كيلو متر والسكان حويتر واحون بين 8.5 ملايين نسمة حسب التقدير الهندي وحوالي 12 مليون نسمة حسب تقديرات الجماعة المسلحة التي تخوض القتال ضد نيودلهي... هؤلاء المسلمون هم مقاتلون من اجل الحرية في باكستان وانفصاليون كما تراهم الهند وارهابيون حسب التصنيف الامريكي منذ بضع سنوات ... العاصمة الصيفية هي سرينجار والشتوية هي جامو. واذا كانت الاوضاع الاقتصادية متردية في كل من الهند وباكستان ومستويات الدخول الفردية هي الاسوأ عالميا. الناتج القومي الاجمالي للهند 385 مليار دولار لحوالي مليار نسمة والناتج القومي لباكستان 61 مليار دولار لحوالي 141 مليون نسمة ــ فإن الاوضاع في كشمير اكثر ترديا ويكفي للمراقب ان يتأمل الصور التي تبثها وكالات الانباء والمحطات الفضائية ليس فقط للمواطنين ولكن للمقاتلين ايضا على الجانبين... الجنود في حالة يرثى لها... اجسادهم نحيله خوذاتهم صدئة وملابسهم ممزقة وصفة المقاتل هي اخر شيء يمكن ان يطلق عليهم. والمقاتلون الكشميريون يتحصنون في مناطق جبلية مرتفعة ويسيطرون على حوالي ثمانية مرتفعات في كارجيل الممتدة بطول 180 كيلو متراً عبارة عن جيوب منعزلة بطول 720 كيلو متراً هو طول خط المراقبة الفاصل بين البلدين هؤلاء المقاتلون الذين لا يخلو بيت كشميري من احدهم تعودوا على مدار السنوات الماضية انه بمجرد بدء ذوبان الثلوج فانهم يعبرون خط المراقبة ويبدأون في التسلل الى المواقع الهندية لمهاجمتها مما يجعل القوات الهندية في مواقع منخفضة وبلا حماية. حرب الاستنزاف هذه والتي يخوضها الثوار (عشرات الاحزاب والفصائل مثل (مجلس الجهاد المتحد 14 فصيلا بقيادة سيد صلاح الدين) و(مؤتمر حرية كل الاحزاب) 20 حزبا وجماعة ويقوده سيد على شاه جيلاني ــ هذه الحرب ادت حتى هذه اللحظة الى اسقاط حوالي 25 الف قتيل ومثلت استنزافا مستمرا للهند فحوالي 20% من ميزانيتها العسكرية موجهة الى الصراع في كشمير. ما يفعله ثوار كشمير الباحث بعضهم عن الاستقلال التام وبعضهم الاخر عن الانضمام لباكستان ـ كان روتينيا ويحدث كل مرة طوال السنوات العشر الماضية منذ الانتفاضة الشهيرة التي قام بها الثوار اواخر عام 1989 لكن نمط رد الفعل الهندي تغير كثيرا هذه المرة كما تغير سلوك الثوار ايضا هؤلاء الثوار عبروا الى الجبال حاملين اجهزة واسلحة عسكرية متقدمة, والهنود بدورهم استخدموا احدث مالديهم من اسلحة وطائرات فتاكة والكارثة ان يجد احد الطرفين نفسه مدفوعا الى استخدام الخيار الكارثي الاخير وهو الاسلحة النووية. ولعل احد افضل الاسباب لتفسير هذا التغير النوعي في التعامل مع مشكلة كشمير هو محاولة الهروب من الاخفاقات الداخلية... فحزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي المتطرف الحاكم حاليا ليس لديه ما يخسره فقد سقطت حكومته في اقتراع للثقة وهو يمارس حاليا دور حكومة تصريف الاعمال والطريف ان سبب سقوطه صوت واحد لاحد نواب كشمير... لذلك ربما تريد هذه الحكومة احداث تغير نوعي في المسألة الكشميرية يساعدها في الانتخابات القادمة في سبتمبر المقبل بعد التروي الواضح في صورتها الجماهيرية بفعل صعود نجم حزب المؤتمر وزعيمته الجديدة سونيا غاندي (في المقابل فان الاوضاع في باكستان لا تقل سوءا... بنازير بوتو تمارس حملة اعلامية شرسة ضد الحكومة على خلفية اعتقال زوجها وتتهم نواز شريف بمحاولة القضاء ليس فقط على شخصها وعائلتها بل وحزبها وهناك ايضا قضايا الفساد والتهرب الضريبي وتزايد البطالة. اما الكارثة التي يتخوف منها الجميع فهي الخيار النووي ... التكوينات السياسية في البلدية غاية في الهشاشة كما انهما لم يصلا الى مرحلة يكون فيها العنصر النووي عامل استقرار وبالتالي لم يصلا الى توازن الرعب لكنهما الآن يعيشا ما تسميه باحثة فرنسية (اللحظة الخطرة) ... صحيح ان وزير الاعلام الباكستاني مشاهد حسين قال انه لولا القنبلة النووية لكانت الهند قد احتلت كل كشمير الآن... لكن الصحيح ايضا وفي ضوء التطورات الاخيرة في مسرحي القتال بمنطقتي دراس وكارجيل ان الضغط على الزر النووي قد يحدث في اي لحظة فحسب قول احد زعماء الثوار في كشمير ان الهند الآن بمثابة قوة عمياء ومصابة بغرور القوة لاسباب متعددة اذا نشبت الحرب التقليدية فقد لا تعمد باكستان كثيرا فميزان القوى بين البلدين مختل للغاية ولذلك فقد لا يكون امام اسلام اباد سوى اللجوء الى الزر النووي... من هنا فالتدخل الدولي ــ الذي ترفضه الهند ــ يصبح مطلوبا اكثر من اي وقت مضى ــ خاصة من البلدان العربية وبالاخص دول الخليج ذات العلاقة المتميزة مع طرف النزاع ... نشوب حرب موسعة سيدفع العرب ثمنه الفادح بحكم التدخل والقرب الجغرافي والاسوأ الرياح النووية, خاصة في ظل ما يدور عن تعاون عسكري موسع بين نيودلهي وتل ابيب. وبعيدا عن السيناريوهات العسكرية وواقع الحرب فان المثير للدهشة انه بينما يتحدث العالم كله عن العولمة التي تكتسح في طريقها كل ماله بالعرق والدين والجنس والقومية نجد ان رياح هذه العولمة لم تصل الى هذه المنطقة في كشمير ويبدو انها لن تصل قريبا... المظاهرات التي خرجت في الهند كانت عدوانية بصورة لافتة للنظر... هتافات محمومة ضد باكستان ومطالبة باستخدام السلاح النووي لابادة اسلام اباد وهتافات ضد الصين وامريكا باعتبارهما اقرب للموقف الباكستاني... على الطرف الآخر فإن الروح الثأرية لدى الباكستانيين لا تقل حدة تجاه الهنود فهم لا ينسون ان الهند هزمت بلادهم في حربي ,1947 1949 بسبب كشمير وعام 1971 وهي الاسوأ عندما تسببت نيودلهي في فصل بنجلاديش عن بلادهم التي كانت تسمى باكستان الغربية. وعندما ينتشر الفقر والمرض ويسود التخلف فإن الثأر والغاء الاخر يتحول الى ميكروب لا شفاء منه في هذه التربة. قد يكون للوبي العسكري في كل من نيودلهي واسلام اباد اسبابه وسيناريوهاته لشبه الحرب الدائرة الان لكن من يفكر في سكان كشمير الذي اتجه 50 الفاً منهم الى الملاجىء هؤلاء الذين يتدافع كل 20 منهم الى خيمة واحدة بحثا عن لحظة دفء في الصقيع والتجمد هؤلاء كانوا يذهبون الى اعمالهم نهارا وينامون ليلا لكن المدفعية الهندية وللمرة الاولى منذ 28 عاما تشن هجوما بطول الحدود وهي المرة الاولى للغارات ليلا ايضا. العالم يتحدث عن ثورة مابعد الانترنت وهناك بشر في منطقة النزاع لم يعرفوا الكهرباء حتى الآن... اليست تلك ضربة قاصمة للعولمة وايقاظ اسوأ ما في الانسان من غرائز حيوانية؟!