تثير تقارير المخابرات الامريكية مخاوف من احتمال قيام تعاون اقتصادي وعسكري بين دول منطقة آسيا, يغير موازين القوى الدولية وبالتالي يهدد المصالح الحيوية لامريكا وحلفائها في المنطقة, في ظل تصاعد القوة النووية لكل من الهند وباكستان .. غير ان ما يسعى اليه البلدان اساساً هو الحصول على مكانة دولية لهما في ترتيبات النظام العالمي الجديد.. ومن يدري؟ فقد يتحول خلافهما الى تفاهم وتعاون مستقبلاً, في مواجهة التحديات الامنية واستراتيجية القوى الدولية الكبرى. يتخوف العالم من احتمال تصعيد باكستان والهند مواقفهما من الأزمة الحالية في كشمير, بعد رفض نيودلهي وساطة عرضتها الأمم المتحدة وقرار باكستان تزويد قواتها البحرية بأسلحة نووية, الشيء الذي أحدث (خلخلة) في ميزان القوة الاستراتيجي في المنطقة اذ تحولت باكستان بقرارها المفاجىء الى اول قوة آسيوية تتسلح بهذه الاسلحة بعد الصين, وبعدما فشلت الهند في تزويد غواصاتها النووية بمثل هذه الانواع من الاسلحة الاستراتيجية. وهو المعطى الذي سيعقد النزاع بين القوتين اللتين دخلتا النادي النووي, بعدما تمكنتا من تغيير المعادلة الدولية التي كانت تقول ان السلاح النووي هو في يد القوى العظمى والكبرى الامريكية والاوروبية لا غير, وليس من حق دول العالم الثالث ان تمتلك مثل هذا السلاح, لاعتقادها انها اذا امتلكته ستتمكن من الحصول على الردع النووي, وستطالب بأدوار لها في لعبة التوازنات الدولية, وفي ترتيبات النظام الدولي الجديد الذي يجري الترتيب له بين الولايات المتحدة الامريكية وشركائها الرئيسيين في حلف شمال الاطلسي, بعد اتفاقهم على الادوار التي سيؤديها كل عضو في الحلف في المستقبل, حتى تبقى الغلبة لهم, وليس للقوى الاقليمية النووية الجديدة كالهند و باكستان, اية مكانة في هذا النظام, بل سيتم احتواؤها عسكرياً وسياسياً واقتصادياً لاستنزاف مقدراتها العسكرية من الداخل, مثلما كان الحال عليه مع باكستان عندما اجرت تجاربها النووية الارضية رداً على التفجيرات النووية الهندية. وكان ان طلبت الولايات المتحدة الامريكية ايقاف المساعدات الاقتصادية لباكستان لانها ترغب في دخول النادي النووي والحصول على مكانة لها في ترتيبات النظام الدولي الذي لم تكتمل ملامحه بعد. كسر التوازن والتخوف الذي ابدته الولايات المتحدة الامريكية والدول الاوروبية, والصين واليابان من احتمال التصعيد العسكري على جبهة القتال بين الهند وباكستان لا يجد تفسيره الا في التخوف من اقدام القوتين على تطوير قواتهما النووية لكسر التوازن النووي القائم بينهما ومحاولة كل طرف التفوق على الطرف الآخر حتى يتمكن من انهاء النزاع لصالحه او املاء شروطه السياسية والدبلوماسية, اذا ما قررت القوتان تسوية النزاع بالطرق الدبلوماسية, عندها سيلعب الطرف المتفوق بالورقة النووية, فيتحول التسابق النووي بين البلدين وهما في اوج ازمتهما الى تسابق من اجل احلال السلم بينهما. ولكن هذا التسابق وهو في وقت الازمة غير مرغوب بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها, وهم الذين اتفقوا على ان يديروا النزاعات الدولية بأنفسهم من خلال قواتهم في حلف الشمال الاطلسي. وتدرك الولايات المتحدة كما يدرك شركاؤها النوويون ان السلاح النووي هو ضامن للامن والسلم الدوليين وغير معقول ان تفكر القيادتان الباكستانية و الهندية في وضع البديل النووي في خططهما العسكرية عند ادارة الصراع داخل كشمير, لان خسائره اكثر من مكاسبه عليهما, واكثر من ذلك كله يعد السلاح النووي سلاحاً استراتيجياً لا تكتيكياً, اي سلاح لا يصيب الاهداف العسكرية والنووية المطلوب ضربها فقط, وانما يصيب اهدافاً ومناطق مجاورة للأهداف المرشحة للتدمير, بالاضافة الى مضاعفاته على المنظومة البيئية الدولية وعلى حياة الناس والتي لا يمكن تصور خطورتها مثلما كان الحال عليه عندما تسربت اشعاعات نووية من مفاعل تشيرنوبل في روسيا, وتسرب المبيدات الحشرية من مصنع بوبال في الهند. ومثل هذه المخاطر يحسب لها القادة في باكستان والهند الف حساب, مما يضطرهم الى اسقاط الخيار النووي عند ترتيبهم بدائل الحرب وسيناريوهاتها بمعنى ان النزاع سيظل محصوراً في دائرة النزاع التقليدي الذي تستعمل فيه المدفعية الثقيلة والقوات الجوية ومثل هذه النزاعات التي تدار رحاها على الحدود غالباً ما يجري احتواؤها بالطرق الدبلوماسية, وتعتقد ان قيادتي البلدين تمتلكان من الوعي والقدرة السياسية ما يؤهلها لضبط النفس وحل النزاع سلمياً, وهو ما اقدمت عليه باكستان فعلاً في اشارة منها الى اخماد نار النزاع لمنعه من احتمال تحوله الى حرب شاملة تخسر فيه القوتان الكثير من طاقتهما البشرية والمادية ووضعهما الاقتصادي الراهن الذي لا يسمح لهما بخوض حرب لا تعرف كيف تكون نهايتها. ويمكن القول ان منطقة كشمير تسببت في ثلاث حروب بين الدولتين, ابقت الحرب الباردة والتسابق العسكري النووي في منطقة آسيا, وتحولت المنطقة في العهد الدولي الجديد الى منطقة تعرض تسابقا عسكريا يشبه التسابق الذي كان قائما بين الولايات المتحدة والهند والاتحاد السوفييتي والذي امتد لمدة خمسة عقود. واذا استمرت الهند وباكستان في تنفيذ برامجهما النووية السنوات المقبلة ستتحول منطقة آسيا الى منطقة متوترة جدا وقابلة للانفجار, وستغير مركز الثقل الاستراتيجي العسكري القائم في الشرق الاوسط الى منطقة آسيا التي انتقل اليها ايضا مركز الثقل الاستراتيجي الاقتصادي الذي كان قائما في اوروبا, وتتخوف الولايات المتحدة وشركاؤها الاوروبيون من احتمال قيام تعاون عسكري واقتصادي بين دول منطقة آسيا والذي بدأت تظهر مؤشراته على ارض الواقع حسب تقارير المخابرات الامريكية التي اتهمت الهند وباكستان بمساعدتهما العديد من الدول الآسيوية على صنع اسلحة نووية, كما تتخوف من اقدام اليابان والصين على مساعدة دول آسيوية اقتصاديا وماليا. ومثل هذه المؤشرات برأي المخابرات الامريكية هي التي ستدفع نحو بروز شبكة من الترابطات الاقتصادية والعسكرية تغير الموازين الدولية, وبالتالي تهدد مصالح الولايات المتحدة الامريكية وشركائها, وهذا ما يفسر لماذا اقدمت الولايات المتحدة وشركاؤها على تغيير استراتيجية شمال الاطلسي, بجعلها استراتيجية مرنة تتدخل في اية منطقة متوترة وتراقب القوى العسكرية الجديدة, والمعني بالامر باكستان والهند وقوى عسكرية اخرى. تحذيرات امريكية وكان صاموئيل هنتنجتون قد نبه الولايات المتحدة الى خطورة ظهور قوى عسكرية جديدة في القرن المقبل مركزها منطقة آسيا حيث المصالح الامريكية, وكان اشار الى الهند وباكستان كثقلين استراتيجيين سيكسران قواعد النظام الدولي الراهن الذي تنفرد به الولايات المتحدة الامريكية وسيعملان على تخفيف مطالب العالم الثالث في اقامة نظام دولي مبني على العدالة الدولية, عن طريق مدهم هذه الدول بالتكنولوجيا النووية والعسكرية من اجل الحصول على القوة, وهذا ما يحصل منذ السنوات الاخيرة عندما ساعدت الهند والصين وباكستان العديد من دول العالم الثالث عسكريا. فالهند مثلا تربطها علاقات عسكرية قوية مع دول عدم الانحياز, وباكستان مع دول منظمة المؤتمر الاسلامي, فماذا سيحصل لو ظهرت كتلة اسلامية بوذية متعاونة عسكريا واقتصاديا في منطقة الهادي ذات الحيوية القصوى بالنسبة للولايات المتحدة, ربما تتجاوز اهمية منطقة الشرق الاوسط مستقبلا؟ لاجل ذلك تسعى واشنطن لتضييق الخناق على باكستان والهند بمنع مدهما بالمساعدات المالية والاقتصادية, لانها تعرف ان تلك هي الورقة الرابحة للضغط عليهما من الداخل نتيجة مشكلاتهما الاجتماعية الناجمة عن ارتفاع عدد السكان. وتحاول باكستان والهند الحصول على سيولات مالية من دول اخرى غير الولايات المتحدة, وتجد صعوبة في ذلك لتخوف هذه الدول من احتمال ان توظف هذه الاموال في البرامج العسكرية النووية. ولكن ما تعمل له باكستان والهند هو البحث عن مكانة لهما في النظام الدولي الجديد, تحفظ كرامتهما ومصالحهما, وتعرفان جيدا ان الظفر بهذه المكانة لن يتأتى إلا اذا ضاعفتا من مقدرتهما النووية والعسكرية وساعدهما خلافهما الحدودي في ان تتحولا الى قوى نووية كبرى ومن يدري فقد يتحول خلافهما الى تعاون وتفاهم بينهما مستقبلا يوظفانه في مواجهة التحديات الامنية واستراتيجية حلف شمال الاطلسي الذي يسعى لاحتوائهما مع بقية القوى الدولية الجديدة. بمعنى آخر فإن التنافس الدولي في المستقبل على مراكز القوة, سيتحدد بمدى قدرة كل قوة على مضاعفة قدراتها العسكرية لدفع مكانتها وبصيرتها بين القوى الاخرى, وبالتأكيد تعرف كيف تحافظ وتؤمن مصالحها الداخلية والخارجية, ونعتقد ان باكستان والهند فهمتا اللعبة وتعملان في هذا الاتجاه. كاتب وباحث في العلاقات الدولية