استضافت هولندا الفي لاجىء كوسوفي وسمحت لهم بالاقامة المؤقتة في الثكنات العسكرية المهجورة بمدينة (رامسدوتكفيير) , وفرضت عليهم توقيع اقرارات تقضي بعودتهم الى بلادهم حال انتهاء الحرب وعودة الاستقرار اليها, وان يكون من حق السلطات الهولندية الترحيل الاجباري لمن يرفض العودة . (البيان) استكملت رحلتها في قلب الثكنات التي تفتقر لوسائل الحياة الحديثة, ولايوجد بها سوى أسرة متراصة, اقرب لعنابر السجون القديمة منها الى الثكنات. في وقت الطعام تنطلق صفارة كصفارة السجون, ليهرول هؤلاء في طوابير مختلطة ومتزاحمة للحصول على انصبتهم من زاد قليل وشراب, وقد حمل كل منهم اناء تسلمه كنوع من العهدة لهذا الغرض, الطعام في الغالب حبات من البطاطا المطهوة في الماء والارز, واحيانا يجاورها قطعة لحم صغيرة, الامهات يحتجزن بعض من طعامهن لصغارهم حتى المساء فمطعم المعسكرات يغلق بعد موعد العشاء المقرر الساعة السادسة مساء. ووسط طوابير اللاجئين تترامى قصص وحكايات عن مآس تركت آثارها حية على وجوه ضحايا العنصرية الصربية. تروى (سمية) قصتها وهي تدفع صغيرها في عربة صغيرة فظهرها المصاب بطعنة غائرة يعجز عن حمل الوليد, وتقول : كان زوجي في عمله خارج المنزل, عندما سمعت صوت طلقات النيران تجوب ارجاء القرية وطرقات عنيفة على باب منزلي, وقبل ان اتمكن من فتحه كانت اقدام ثقيلة قد حطمت الباب واقتحمت البيت لتنزعني من داخله, سألني احد جنودهم عمن يقيم معي فاخبرته بان زوجي فقط وطفلي, وان زوجي في عمله بالخارج, فدفعني للخارج وسلاح بندقيته الحاد في ظهري, والتقطت طفلي بسرعة من فراشه واحتضنته في ذعر, كنت اخشى على طفلي اكثر من خوفي على نفسي او حتى زوجي, وتم تجميعنا في ساحة صنف فيها الرجال معا, والنساء, ثم الفتيات الصغيرات اللاتي تم اقتيادهن لبناية جانبية عرفنا بعد قليل انه يتم اغتصابهن بداخلها لصوت الصرخات الفزعة المستغيثة التي انبعثت من داخلها, وشاهدت فتاة في الخامسة عشرة تلقي بنفسها من نافذة البناية فعاجلها احد الجنود برصاصة اخترقت رأسها وقتلت في الحال, وطلب منها الجنود بعد ان ساقوا الرجال والشباب لمكان مجهول لانعرفه ان نغادر القرية في دقائق, ومن سيجدوه سيقتل في الحال, واطلقت ساقي للريح, غير ان حملى لطفلي جعلني اجرى ابطأ من الآخرين, فاذا باحدهم يطعنني بسلاح بندقيته في ظهري, لم اشعر بالم الطعنة قدر شعوري بان ابني سيقتل, ومنحني الله قوة كالمعجزة فظللت اجرى والدماء تنزف من ظهري حاملة ابني حتى وجدت حافلة مكدسة بالفارين, التقطوني في سرعة وواصلوا فرارهم, وعلى الحدود الالبانية حيث تجمع الالاف منا, تم تضميد جراحي داخل احد المخيمات بصورة عاجلة, غير ان الجرح لم يلتئم حتى الآن واشعر معه بآلام مبرحة .. تتدفق الدموع من عينيها وهي تضيف: لا أعلم هل زوجي لايزال على قيد الحياة ام قتله جنود الصرب؟ وكيف حالته ان كان لايزال حيا؟, هل سيعلم يوما اننا احياء؟ وهل سنلتقي معه ام سيكتب علينا الشتات للابد؟ الطفل سهم, لم يتجاوز عمره سبعة اعوام, عثر على سهم بين انقاض احد المنازل حيث كان مصابا بعدة جروح متفرقة في جسده, ولايعلم هو او احد اين والديه, وشقيقته الرضيعة, هل لا يزالوا احياء ام قتلتهم رصاصات الصرب, يقول سهم: كنت العب في حديقة مجاورة لمنزلنا, عندما وجدت اناسا من جيراننا وقريتنا يهرولون بسرعة ويحاولون الفرار من القرية, قالت لي احدى السيدات وهي تجذبني من ذراعي, اهرب ياولدي لو وجدك الجنود سيقتلونك, قلت لها اريد العودة الى امي وابي واختي, فقالت كل من بالقرية هرب ومن بقى قتل, فلا تجازف بالعودة, وجريت خلفها, لكني شعرت بالتعب فتوقفت واستندت لاختبىء بجدران احد البيوت الصغيرة, سمعت فجأة صوت دوي وانفجار, ولم اشعر بشىء الا عندما افقت لاجدني في معسكر وسط اناس كثيرون داخل احدى الغابات, وظللت ابكي واسأل عن امي وابي واختي الصغيرة 8 سنوات, لكن لا احد يعرف شيئا, كما لم اجد احدا ممن اعرفهم من جيراننا او القرية حولي, وتم نقلي لهولندا, ووعدني اشخاص من هيئة الاغاثة الانسانية بمساعدتي للوصول لاسرتي, ومر الآن اكثر من شهر دون جدوى, ولا اعرف ماذا افعل وكيف سأعيش بدون والدي ... وينهمر في بكاء مرير. آمنة 20 عاما اغتصبت اكثر من سبع مرات خلال يومين فقط, ابعدوها عن امها وابوها, واحتجزوها داخل مستشفى قديم للولادة, وتناوب عدد من الجنود اليوغسلاف على اغتصابها مع عدد لايحصى من الفتيات الصغيرات, تقول في ألم: لقد تخلصت من عاري, تخلصت من الجنين الذي حملته بين احشائي من هؤلاء الاوغاد, لقد اجهضت نفسي بمساعدة امي, كان مستحيلا ان استبقي حمل الخزي والعار والهزيمة, كيف ستكون حياتي وانا احمل ابن المغتصبين فوق يدي وارضعه من لبني, لقد كنت احسن حالا من عشرات الفتيات اللاتي يحاولن الآن التخلص من حملهن بعد عمليات الاغتصاب دون جدوى, فمنهن من لاتجد مساعدة طبية, ومنهن من تخجل وتخشى فضح امرها امام الآخرين, غير ان هناك عشرات آخرين تخلصن من الحمل عبر مراكز الاسعاف والمساعدة الانسانية في الحدود الالبانية لانهن مازلن في اشهر مبكره من الحمل, لانريد ان نكرر مآساة نساء البوسنة ونربي اطفالا من اعدائنا, هؤلاء الذين داسوا على كرامتنا واستحلوا اعراضنا, واهدروا شرف رجالنا, ما حدث لنا لايمكن ان يتصوره انسان لديه مشاعر آدمية, كانوا يستعذبون اغتصاب الابنة امام ذويها والزوجة امام زوجها, بل يطلبون من الزوج ان يساعدهم في الامساك بها, ولو اعترض اطلقوا الرصاص على رأسه ليكملوا ممارسة جريمتهم على دمائه, انها وحشية لايرتكبها وحوش الغابات او الشياطين. احمد كيزانوفيتش 70 سنة, لم ينج من الموت الا هو وحفيده الصغير نوران, فقد ابنه والد نوران وزوجته وابنته الصغرى, كلهم جملة واحدة, رآهم يتساقطون امام عينه لكنه لايزال يؤكد لنفسه انهم احياء, وان الطلقات التي اصابت اجسادهم قد تكون مجرد جروح سطحية وان احدا سينقذهم ويعالجهم منها .. ندعو الله معه ان تكون امنياته حقيقية لامجرد وهم صوره له الأمل المستحيل , يقول احمد: كنت نائما مع افراد اسرتي في منزلنا, فقد كان ابني وزوجته وحفيدي في زيارتنا واستبقيناهم للصباح, عندما حل الوبال فجأة بالحى, ووجدنا الجنود اليوغسلاف كالجراد ينتشرون في كل مكان حولنا ويحيطون بالمنازل والدور, جمعوا الشباب داخل احدى المدارس, وسمعنا ونحن في الخارج آلاف الطلقات النارية والصرخات, لقد قتلوهم كلهم دفعة واحدة, كان بينهم ولدي, في حين تلاصقت انا وابنتي وزوجتي وحفيدي جنبا الى جنب, طلبوا منا الرحيل فورا, فانطلقنا نجري بلا هدف دون توقف, وحانت مني التفاته للوراء وانا امسك بيد حفيدي, فوجدت زوجتي تمسك بابنتي وتحاول تخليصها من يد احد الجنود, والاخير يركلها بوحشية بحذائه الضخم في كل جسدها الواهن العجوز, حاولت الرجوع غير ان احد الفارين منعني وجرني بشدة خلفه بينما انطلقت صرخات حفيدي, قال سيقتلونا ياجدي .. ويتمتم احمد من بين دموعه: انا جبان, ليتني عدت لانقاذهما, ولكني كنت ساقتل انا وحفيدي, لقد استودعتهما الله عسى ان ينقذهما احد, لا اعرف عنهما الآن شيئا لدى شعور بان الله قد انقذهما, واني سأجدهما ونعود معا الى دارنا. لاهاي ــ سعيد السبكي