الرئيسة الايرلندية السابقة ومفوضة الامم المتحدة لحقوق الانسان اطلقت على ازمة كوسوفو اوصاف كثيرة, منها انها حرب عرقية, كارثة انسانية , آخر بقعة لطخها الدم في تاريخ منطقة البلقان, وهي فوق كل ذلك ازمة كبيرة تشكل انتهاكا صارخا لحقوق الانسان بات يتحدى بشكل فعلي فهمنا للدور الذي تلعبه منظمات حقوق الانسان في العالم. وتطرح ازمة كوسوفو اسئلة بالغة الاهمية, تحتاج الى الاجابات عليها: ما جدوى كل اتفاقياتنا ومعاهداتنا اذا صار من الممكن ان يداس على اهم حقوق الانسان كما حدث بتلك الوحشية التي شهدها الوضع في ذلك الاقليم؟ وما هي قيمة تعهدات الحكومات اذا اقترفت بعدها اعمال عنف وحشية بهذا الشكل؟ انني ادرك بعمق ان هذه التساؤلات يجب ان تطرح ايضا وبشكل عادل حول مستقبل بعض الصراعات التي تشهدها مناطق اخرى في العالم, وهي صراعات لا تلقى للاسف اهتماما مماثلا, لنكن صادقين ولنعترف بأن ردود الافعال السياسية والانسانية والمتعلقة منها بحقوق الانسان تفتقر الى النظرة العادلة فيما يتعلق بهذه الازمات الخطيرة, مما يثير اسئلة مشروعة ومنطقية حول التمييز في الاهتمام بين الازمات بالاضافة الى ان الحكومات المانحة للاعانات المالية هي نفسها تقدم امورا على ا خرى ولها اولويات تريد تنفيذها. ولذا فإن جزءا من استراتيجيتي هو التأكد من ان السبل والاساليب المتبعة في التعامل مع ازمة كوسوفو, والتي تم بموجبها توفير الموارد المادية اللازمة, سوف تطبق بشأن الصراعات الراهنة سواء كانت في افريقيا او اي مكان آخر. ان الاهتمام الكبير الذي وجه الى كوسوفو اظهر بكل ما في الكلمة من معنى الفجوة ما بين النظرية والتطبيق الواقعي المتعلقين بمبدأ حقوق الانسان وتلك الفجوة بدت واضحة بشكل مؤلم عندما زرت المنطقة مؤخرا, حيث توجهت الى هناك رأسا بعد مغادرتي للاجتماع السنوي الذي تعقدها المفوضية حول حقوق الانسان في جنيف وهي الهيئة المختصة باتخاذ التدابير اللازمة المتعلقة بحقوق الانسان حيث كان الخلاف الذي اثاره الجدل الدائر بين اعضاء الوفود والحجج التي كانوا يطرحونها وهم غالبا ما يكونون قد اتبعوا قوانين واجراءات صارمة وقعوا عليها قبل الدخول في تلك المناقشات ومشهد المكان الذي عاينته بعد ايام كان في غاية الغرابة. و كما فعل الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان في زيارته الاخيرة للمنطقة قابلت المئات من البان كوسوفو ممن كانوا يروون حكايات عن اسر ابيدت بكاملها اما قتلا بالرصاص او بالضرب او في اطار عمليات القتل الجماعي, وقد اكدت حواراتي مع اللاجئين ما كان يكتبه مساعدي من تقارير خلال الشهرين الاخيرين, وفي مطلع شهر ابريل قمت بنشر فريقي في المنطقة لجمع الادلة والتأكد من صحة المعلومات الواردة حول ما يطرح عن حدوث اعمال عنف جماعية استهدفت الاقلية العرقية من البان كوسوفو, وتؤكد المعلومات التي حصلوا عليها والتي قمت بتقديمها لمفوضية حقوق الانسان ان القوات الصربية وقوات الشرطة وبعض الوحدات شبه النظامية قد نفذت بتصميم قوي برنامجا محكم التخطيط من اجل طرد الاقلية العرقية الالبانية من الاقليم بالقوة. والواقع ان احداث التطهير العرقي في كوسوفو لا يمكن انكارها وهي في تصاعد مستمر, وبالتالي فان الأعمال التي ترتكب الآن هناك ليست بالأمر المستغرب, لان ما يحدث من انتهاك لحقوق الانسان في كوسوفو هو قصة مفجعة لفرص قد اهدرت وتحذيرات تم تجاهلها (ودروس قد نسيت) . ولعدة سنوات كان المراقبون العاملون لدى منظمة حقوق الانسان في مقرها في جمهورية يوغسلافيا الاتحادية وغيرها يبعثون بتقارير يطالبون فيها بضرورة اتخاذ اجراءات تجاه الأوضاع المتردية في كوسوفو وبالتالي فنحن نشكر هؤلاء الذين كانوا يراقبون ويرسلون هذه التقارير من أجل تفادي اعمال العنف الوحشية التي نراها الآن, ولكن الارادة السياسية لم تتحرك, وهذه المشكلات الراهنة هي في حقيقة الأمر تجسيد لما يسمى بادارة الصراعات بينما تمثل كل الجهود البشرية والمادية الكبيرة التي تنفق من أجلها أفضل وسيلة للاستثمار من أجل الحيلولة دون حدوث صراعات. وبالطبع, فإن الحديث عن الحيلولة دون حدوث صراع متأخر جداً بالنسبة لضحايا الصراع في كوسوفو. والمجتمع الدولي مطالب بأن يجعل من حقوق الانسان موضوعا رئيسيا لحل أية أزمة, وهذا يعني ضمان حق العائلات التي أجليت عن منازلها وافساح المجال أمام مختلف الجماعات لاعادة بناء نفسها. كما يجب ان تسهل التسوية السلمية محاكمة المسؤولين عن جرائم الحرب التي ارتكبوها ضد الانسانية ويجب ان تكون الأزمة في كوسوفو هي الاولى التي تطرح على المحكمة الدولية لجرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة ويمارس فيها حق اقرار العدل, وتكون ايضا هي الأزمة الاولى التي تعمل على اثارة الرأي العام العالمي وتعبئته بشكل سريع. ويعمل مكتبي بالتعاون الوثيق مع هذه المحكمة للتعرف على من يمكن أن يكونوا شهودا محتملين على أعمال العنف والذين يستطيعون الادلاء بشهاداتهم, وحالما تنتهي الحرب ستكون لدينا الأدلة والمشتبه فيهم, فهل سنتمكن من القيام بمهمتنا وهي عقاب المذنبين وردع من يفكرون في ارتكاب جرائم التطهير العرقي مستقبلا؟ أم ان المصالح السياسية ستكون قادرة على إلغاء دور العدالة؟ كما يجب أن تحصل محكمة جرائم الحرب على التمويل والمساعدة اللازمين, كما انه لا ينبغي أن نكرر احداث البوسنة حيث ينعم مجرمو الحرب بالحرية ان اتهام الرئيس سلوبودان ميلوسيفيتش وآخرين بالتورط في جرائم حرب في كوسوفو قد أصبح الآن اختبارا حقيقيا لمدى القدرة الدولية على اتخاذ الاجراءات العملية اللازمة تجاه الفارين من العقاب والعدالة. ومن شأن التوصل لتسوية سلمية أن يعطي اشارة البدء لاعادة بناء كوسوفو, وبالاضافة الى اعادة تعمير البنية الأساسية فانه يجب أن تكون هناك اعادة بناء للثقة في الشرعية وحكم القانون في اطار نوع من خطة مارشال على الصعيدين القانوني والاخلاقي. وتظل هنالك أسئلة مطروحة تنتظر الرد حول شرعية حملة القصف الجوي التي يقوم بها الناتو على يوغسلافيا في ضوء غياب موافقة مجلس الأمن الدولي على ذلك, وعلى المجلس أن يعي مسؤوليته عن عدم القدرة على اتخاذ الاجراء اللازم لحل الأزمة قبل بدء القصف, أما الآن فان على حلف الناتو أن يدافع عن تصرفاته ويثبت انها كانت صحيحة ومتفقة مع القانون الانساني العالمي. لقد آن لنا ألا نختبىء وراء سياسة الأمر الواقع, واذا كانت بعض الدول الغنية والقوية في العالم تستطيع حشد الارادة والمال من أجل تصعيد العمل العسكري في منطقة البلقان, فاننا نستطيع أيضا بناء صرح مجتمع قوي في كوسوفو, ونستطيع أن نقدم المذنبين الى العدالة ونحول دون حدوث فظائع أخرى. ولا يجب أن يقتصر هذا على كوسوفو لان هناك أناسا يعانون من التعرض للأذى في أماكن أخرى بعيدة عن أوروبا وأمريكا الشمالية, واذا لم نكن قادرين على احداث ذلك في البوسنة أو رواندا أو الصومال في هذا العقد الأخير من القرن العشرين, فاننا على الأقل لدينا فرصة انهاء هذا القرن المليء بالأحداث الدامية بلمحة من الأمل, ويجب أن نقتنص هذه الفرصة.