النائب السابق لمنطقة جزين ادمون رزق كان (اذن الزيارة ) الذي سمح لنا امس الدخول الى المدينة بعد بدء ميليشيات (جيش لبنان الجنوبي) الانسحاب . عند احد المعابر المؤدية اليها لجهة صيدا استوقفنا حاجز لـ (الجنوبي) عنصران بلباس مدني سلاحاهما: مسدس معقود بالوسط وهاتف منقول في اليد. كان واضحا ان حاجز المعبر شهد ليلا عملية اخلاء لكن يقول احد العنصرين الموجودين: الشباب تركوا ونحن نراقب فقط بعيوننا الذين يدخلون الى جزين والتأكد من هوياتهم واسمائهم, حتى لا يتمكن المتضررون من عودة جزين الى احضان الدولة والشرعية والوطن من التسلل اليها والاقدام على اعمال قد تنسف الامل باستكمال (الجنوبي) لانسحابه. ولا يخفي ابتسامة تطمين اننا سنبقى بخير واحياء نرزق (لاتخافوا, لكن الصحافيين لايستطيعون الدخول الى المنطقة الا بإذن من داخلها) . سألناه ويبدو عمره حوالي العشرين سنة او اكثر بقليل, انت شاب, والواضح انك متعلم ومدرك للامور, وعليك ان تساعدنا: كيف يمكن ان نحصل على اذن من داخل المنطقة لندخل اليها, وممنوع علينا الدخول من دونه. طمأنتنا ضحكة الشاب شبه المسلح: (ذكرتموني بحكاية ابريق الزيت) واضاف: لا استطيع ان اخالف اعذروني, وياليت تدرسون طريقة تجدون فيها طريقا للحل. وهذا ما حصل (شهرنا) الهاتف المنقول واتصلنا بالنائب رزق المرابط في جزين وابلغناه الوضع فقال: انتظروا لدقائق فتدخلون, لكن بشرط ان تزوروني اولا في المنزل, ليس (ممازحا) هذا للتهديد بل لانني مشتاق اليكم لانكم ما بخلتم يوما عن متابعة نشاطاتي النيابية والسياسية. وبعد دقائق بالفعل رن هاتف الحارس اعقب ذلك مبادرتنا بلطف (جزين ترحب بكم تفضلوا) في منزل رزق يلغي الشرط الاول لاننا نفذناه لكن لم تنته الشروط, الثاني كان من قبيل تحصيل الحاصل من قبلنا, اذ كان لابد من تقويم سياسي لما تتحرك مجريات الامور في اطاره. يشيد رزق بانسحاب (الجنوبي) معتبرا انه انجاز وطني رائع وتاريخي, وهو يتحقق بفضل المقاومة والموقف الرسمي والوحدة الوطنية. ويرفض رزق طروحات تتردد في المنطقة في مثل تحييد جزين, او تعريض الجيش اللبناني لاي امتحان, لاننا يقول: ملتزمون بأن الانسحاب ان تحقق بدون مفاوضات ولا تنازلات, داعيا اهالي جزين المقيمين (للتشبث بارضهم) ومناشدا الغائبين العودة. وهنا يقول احد الحاضرين في منزل رزق في من ابناء البلدة مشيرا الى وضع المتعاملين : هناك 163 عنصرا من الجنوبي من ابناء منطقة جزين قرروا البقاء وتسليم انفسهم للشرعية اما الذين سيتركون المنطقة وهم من ابنائها فلا يتجاوز عددهم ثلاثين عنصرا وتوجد حالات ارتباك لدى عدد قليل من هؤلاء من الفئتين وهناك اتجاه لتشكيل هيئة تتولى الدفاع عنهم بعد الانسحاب. ويتابع النائب السابق المنبري المخاطبة: لم تطلب جزين ضمانات سوى ضمانة القانون والشرعية والحس بالمسوؤلية الوطنية لانه في خلفية الذاكرة الجزينية حصلت احداث مأساوية في اعقاب الانسحابات الاسرائيلية من الجبل والاقليم وشرق صيدا, لكن الظروف تغيرت في الوقت الحاضر والافرقاء تغيروا, وقيادة المقاومة اعلنت موقفا واضحا بلسان امين عام (حزب الله) اضافة الى وجود السلطة الشرعية التي تتمتع بثقتنا. هكذا بدأ الانسحاب يروي الاهالي وهم بطبيعة الحال شهود عيان ان انسحاب الجنوبي بدأ من جزين عند العاشرة من ليل امس الاول بعد استعدادات ميدانية اذ دخل رتل من الشاحنات العسكرية الثقيلة يضم 6 قاطرات الى جزين في الشريط الحدودي المحتل ولدى وصوله الى قرب كفرحونة تعرض لقصف مدفعي, وواصل طريقه نحو جزين بمواكبة ملالة, لنقل عتاد ودبابات لـ (الجنوبي) وقرابة منتصف الليل خرجت آليات من ثكنة جزين وسلكت طريق المدينة نحو كفرحونة فيما توجهت ثلاث دبابات من الشريط الحدودي الى روم لمواكبة انسحاب قوة (الجنوبي) التي كانت مرابطة في القرية. وتعرضت طريق ضهر الرملة جزين لقصف مدفعي, كما تعرضت المرابض المدفعية لـ (الجنوبي) في عين الثغرة لقصف مماثل. يستغرب الاهالي سرعة البدء في تنفيذ الانسحاب, بحيث بدا وكأنه سيتم وانجازه بين ليلة وضحاها فيما كان قائد (الجنوبي) انطوان لحد اعلن قبل ذلك بساعات في مرجعيون (امس الاول) ان اخلاء جزين لن يكتمل قبل 15 يونيو الجاري. ولوحظ في المنطقة امس ان عناصر الجنوبي واصلت تفكيك المزيد من المنشآت والمواقع والمراكز ونقل العتاد, تمهيدا لتنفيذ الانسحاب المبرمج. وفيما بدت حركة المعابر إلى جزين ومنها شبه طبيعية أمس, خاصة على معبري روم وباثر, لوحظ ان عناصر من الجمارك اللبنانية أقامت حاجزا عند مدخل كفر فالوس, بحثا عن بضائع مهربة من الشريط الحدودي المحتل. مصير (الشباب) بين احياء المنطقة وشوارعها وأزقتها ومنازلها وحوانيتها يكبر سؤال ككرة الثلح من مكان إلى اخر: ما مصير الشباب؟ فأحد مظاهر القلق المربكة الخوف على ما سيؤول إليه مصير العملاء المحليين الذين تعاونوا مع (الجنوبي) وانضموا إلى صفوفه, ومن خلاله بالتالي مع اسرائيل. تتم معالجة هذا الأمر على أحد المستويات السياسية والرسمية, كما على الصعيد الروحي فقد كشف لـ (البيان) رئيس دير سيدة مشموشة الأب بولس الخوند انه اجرى اتصالا بالرئيس العام للرهبانية اللبنانية المارونية أثناسيوس الجلنح واطلعه على الوضع في منطقة جزين وابلغه انه على استعداد لاستقبال الأهالي أو الشباب الذين يتملكهم الخوف والقلق في هذه المرحلة الانتقالية في انتظار تسلم الشرعية زمام الأمور, وتدبر شؤونهم ولا سيما التابعين لجيش لحد, والذين أبدوا استعدادهم لاعلان ولائهم كاملا للشرعية. كذلك أطلع الخوند المراجع الأمنية في الجنوب وجبل لبنان على هذا الموضوع, ونقل مباركة من الدولة لهذه الخطوة. هذا يعني ان الشباب (العملاء) سوف ينتقلون إلى (الشرعية الروحية) قبل تسليمهم لشرعية الدولة ولا يخفي الأب الخوند ان السبب في ذلك محبوك ومدروس: (ونحاول تأمين موافقة رسمية عليه) . حقوقيون للمتابعة أحد أبناء المنطقة المحامي جميل جبران وهو رئيس (رابطة شباب منطقة جزين) لا ينفي بدوره ذلك التوجه, لكنه يدعو في الوقت نفسه, كما يقول : جميع الحقوقيين في جزين والجنوب ومن يشاء من زملائهم في المناطق الأخرى إلى تأليف لجنة تتابع الأوضاع عن كثب وتساهم مباشرة في معالجة القضايا القانونية والقضائية التي قد تطرأ, وتأمين حقوق الدفاع للمواطنين عند الاقتضاء. * نسأله عن تقويم شباب المنطقة, خاصة هؤلاء الذين تعاملوا منهم مع (الجنوبي) واسرائيل مباشرة أومداورة عن المرحلة المقبلة المتعلقة بأوضاعهم من جهة, وحيال ما يتم من تحركات سياسية ورسمية على هذا الصعيد. من جهة أخرى فيجيب المحامي جبران: (هناك عدة نقاط يركز عليها شبابنا, ويمكن ان اختصرها بثلاث هي: ــ أولا: ان الدولة وحدها هي المسؤولة عن فرض سلطتها وسلطة القانون في الأراضي التي سيزول عنها الاحتلال الاسرائيلي, فلا اطمئنان إلا في ظل الشرعية ولا ضمانات إلا في السلطات المسؤولة دستوريا. ــ أما ثانيا: فان الوضع الناشئ عن الاحتلال وعن زوال هذا الاحتلال يستدعي معالجة وطنية شاملة تأخذ جميع الظروف في الاعتبار, وان اقرار قانون العفو يصب في مصلحة التحرر والمصالحة الشاملة. ــ ثالثا: ان نواب منطقة جزين وجميع الفعاليات السياسية والاجتماعية فيها, مدعوون إلى توحيد الجهود والمساهمة الفعلية في تأمين افضل الظروف لعودة منطقة جزين إلى الوطن ومعالجة جميع المشكلات التي سيخلفها الاحتلال, أو تلك التي نجمت عن الاهمال, وان تتضافر جهودهم مع نواب وفعاليات الجنوب,ومع جميع اللبنانيين, فالجنوب بما فيه جزين, هو الهم الوطني الأول. هل تعود الصدامات؟ وعلى هامش ذلك لوحظ ان حلقات نقاش عديدة توزعت أمام المحلات في الشوارع الجزينية, كان محورها الموقف الذي أعلنه رئيس مجلس الوزراء سليم الحص أمس الأول وفيه ان لبنان سيواصل دعم مقاومة الاحتلال الاسرائيلي في الجنوب بعد انسحاب ميلشيات لحد من منطقة جزين ورحب الحص بعودة جزين إلى الحرية واعتبر ارسال الجيش اللبناني إلى المنطقة غير وارد ولا يقبل لبنان, بأن يكون الجيش حاجزا بين المقاومة والعدو, طالما ان هناك شبرا من أرضنا يرزح تحت الاحتلال. ولا يتردد المناقشون ومعظمهم من طلبة المرحلة الثانوية والجامعيين في ابداء التفهم لمواقف الرئيس الحص, يقول أحدهم: (طالما عدنا إلى أحضان الدولة فعلينا ان نلتزم بالتوجهات الرسمية, خاصة إذا صدرت عن رئيس الجمهورية العماد اميل لحود بعمق وطنيته ومناقبيته العسكرية, أوعن الرئيس الحص بعلمه وتجاربه السياسية الطويلة ووطنيته الصادقة. وهنا يعلق زميل له كان في عداد (الجنوبي) فيقول: كلام اي مسؤول لبناني لا نستغربه بقدر ما فوجئنا بما قاله انطوان لحد (أمس الأول) عندما هدد جزين بالقصف وتهجير أهلها, ان تحولت المنطقة ــ حسب تعبيره ــ مقرا أو ممرا أو منطلقا للمقاومة, لأن الجيش الاسرائيلي المتواجد قريبا منها, سيعمد الى قصفها: (فيهجرها أهلها نهائيا, ويضطرون الى بيع أملاكهم فيها, فتحقق عندئذ رغبة فئة معينة معروفة من الجميع) . وفي هذا الاطار تجمع فعاليات جزين ومنطقتها على القول بأن ثمة ارتباطا بين القرار (اللحدي) بالانسحاب من جزين وبين انتخاب ايهود باراك رئيسا لوزراء اسرائيل, اذ ان لحود وصف تعهد باراك بالانسحاب من لبنان في غضون سنة بأنه (مجرد دعاية انتخابية) , كما قال في معرض نفيه اعتزام الاستقالة ان (لبعض الاسرائيليين مصلحة في رحيلي من هنا) . وحذر الدولة اللبنانية من تحول جزين الى (جسر تعبر منه المقاومة لمهاجمة اسرائيل واحتلالها) . ويقول مسؤول في (الجنوبي) من ابناء جزين (ابو انطوان) انه: (من المنتظر ان يترك لحد المنطقة في غضون شهر بعد ان يشكل باراك حكومته ويرسم خطة عمله بالنسبة الى طبيعة المنطقة الحدودية وعلى أساس هذه الخطة سيجتمع لحد باركان جيشه ويقرر, إما الرحيل نهائيا, أو البقاء لأشهر فقط) . ...وهل تعود المقاومة؟ لكن مهما كانت طبيعة التطورات المرتقبة هناك, الا انها لا تخفي السؤال الجزيني المطروح بالحاح: هل ستعود المقاومة الى جزين ومحيطها فتتكرر حوادث مأساوية صدامية سبق ان حصلت بين منطقة جزين والجوار؟ ينقل احد ابناء المنطقة الصحافي فارس خشان عن مرجع سياسي على صلة بالقيادات الجزينية قوله: (ان المقاومة الاسلامية أثبتت عمليا نهجها الايجابي في التعاطي مع المدنيين, فهي الى اصرارها على النفي الدائم لأي عملية استهداف مدنيين في منطقة جزين, لم تعمد الى ملء أي فراغ في أية بقعة سبق لــ (جنوبي) ان اخلاها على مدى السنتين الاخيرتين, كما ان المقاومة دخلت مرات كثيرة الى عمق جزين وقامت بعمليات أمنية ضد قوات لحود من دون ان تتعرض ولو بالكلام للمدنيين, فهذا ما حصل تحديدا عند اقتحام ثكنة جزين, ومن ثم عند اعتقال الرقيب في (الجنوبي) على طريق دير شموشة. كما ان (حزب الله) يهمه ان يكوّن الجزينيون صورة ايجابية عنه, حيث انهم امتداد انتخابي سياسي طبيعي في منطقة الجنوب التي تهم (حزب الله) . الخوف من الجوار لم يكن من الضروري ان نصل الى جزين لنطلع على مثل تلك المخاوف المحلية المعروفة هناك في الجوار, فبمجرد وصولنا الى منتصف الطريق بين بيروت وجزين أي الى مدينة صيدا توقفنا في محطتين سريعتين عند النائبين مصطفى سعد وبهية الحريري اللذين شددا على حسن الجوار ومبادىء العيش المشترك والوفاق والتآخي. تلفت نائبة الجنوب بهية الحريري الى الاجتماع الموسع الذي عقدته الفعاليات الصيداوية على اختلاف انتماءاتها السياسية والروحية, ومواقعها الرسمية والمدنية والعسكرية, فتقول ان المجتمعين تداولوا في موضوع تحرير جزين ومحيطها وكيفية مواجهة المرحلة المقبلة, لمنع اسرائيل من القيام بأية عملية اصطياد في المياه العكرة, أو تعكير المياه الصافية. خطة رسمية للطمأنة في مقابل ذلك, يجمع الأهالي في جزين على الترحيب بمواقف القوى السياسية والشعبية في صيدا حيال طمأنتهم على استمرار نهج العيش المشترك, الا ان الحذر (يبقى دفينا في قلوبنا ورؤوسنا) , كما يقول أحد وجهاء المدينة ميشال رزق (قريب النائب السابق رزق). ويكشف رزق ان الأخير ابلغ الأهالي في المنطقة قبل 24 ساعة من بدء الانسحاب ان (الفراغ الأمني الذي ستخلفه ميليشيا لحد بعد انسحابها سيُملأ وفق خطة أمنية أعدتها الدولة وتقوم على ثابتين اثنين, الأول يقضي بعدم ادخال الجيش الى جزين, والثاني امتناع المقاومة أو أي فصيل حزبي من التواجد السياسي أو الأمني او العسكري بدون ان يعني ذلك محاولة لوقف نشاط المقاومة, على ان تتواجد الدولة اللبنانية بقوة أمنية من الأمن الداخلي (الشرطة) مؤلفة من 150 ضابطا وعنصرا بقيادة المقدم طارق عبدالله, على ان يتدخل الجيش المتواجد في جزين عند الضرورة ووفق ما تقتضيه الظروف الأمنية واحتياجاتها) . وفي اطار ذلك, فإن الدولة وفي مقابل عدم استعدادها لتقديم ترتيبات أمنية ذات أبعاد سياسية لا تسقط من حساباتها مسؤوليتها المباشرة عن أمن أهل جزين. جزين ـ وليد زهر الدين