أمضيت مؤخرا يومين مع لاجئي كوسوفو, وذهبت لمخيمات اللاجئين في البانيا وجمهورية مقدونيا ووصلت حدود كوسوفو لارى بنفسي عذاباتهم واعبر لهم عن تضامن الامم المتحدة مع ضحايا الوحشية و(التطهير العرقي)ولاخبرهم بان الامم المتحدة لاتقوم بمساعدتهم في محنتهم الحالية فحسب بل انها تستعد بكل السبل لاعادتهم الى ديارهم آمنين مطمئنين . وعلى معبر الحدود الى كوسوفو في بليتش امسكت بيد امرأة عجوز بلغت من العمر 100 عام لتسألني والدموع تملأ عينيها: (كيف يحصل لي ماجرى حتى الآن وانا في هذه السن؟) كما تحدثت لام في ريعان الشباب كانت قد وضعت مولودها قبل ثلاثة اسابيع فقط وهي مختبئة بين الجبال . بينما اخبرتني امرأة اخرى تحمل بين يديها ابنها ذا السنوات الثلاث بان آخر عهدها بزوجها كان حينما رأته معتقلا بين ايدي جنود الصرب وهم يأخذوه عنها بعيدا. وفي معسكر ستانكوفيتش في مقدونيا لرجل طاعن في السن دمرت القوات الصربية قريته بالكامل ليخرج هائما على وجهه وباحثا عن اي ملجأ يأوي اليه, دون ان يجده الى الآن. كما زرت امرأة شابة في مستشفى ميداني اقيم في مخيم كوكيس في البانيا لتعالج من آثار رصاصة اخترقت ساقها وهي تهرب من منزلها وطفلها الرضيع في حضنها. ثم انتقلت للحدود بين البانيا وكوسوفو لازور عائلة صغيرة في خيمتها استقبلتني بلباقة وشجاعة ورحبوا بي وكل ماطلبوه مني هو ان يسمح لهم بالعودة لديارهم. لكن كل ما استطعت ان اقوله لهم هو ان ذلك بالضبط ما نريده كلنا. نعم هذا مايطالب به العالم كله الآن. وبينما كنت اغادر المخيم, اثرت في كثيرا ملامح الكرم والعزم في وجوه ابناء شعب كوسوفو وخصوصا عندما اقترب مني احد عمال الاغاثة ليسلمني مشبكا عليه شعار اليونيسيف قائلا انه هدية من طفلة ابنة 9 سنوات طلبت منه تقديمه هدية لصديقهم القادم من الامم المتحدة. ولكل هؤلاء الكوسوفيين الالبان الذين قابلتهم, لم يكن معي سوى رسالة واحدة اقولها لهم وهي ان اشجعهم على التحلي بالعزيمة والصبر وان اعزيهم بانهم الآن على الاقل قادرين على النوم في هذه المخيمات آمنين دون خوف, وان ابث الامل في قلوبهم بكون العالم كله متعاطف مع كربهم. وما شهدته في مخيمات اللاجئين هذه عزز من شعوري العميق بالغضب والنقمة على ما تعرض له شعب كوسوفو عمدا. وجدد قناعتي الراسخة بضرورة ايجاد حل باسرع ما يكون يضمن عودتهم السريعة والآمنة الى بيوتهم وديارهم مع احترام حقوقهم السياسية والانسانية. ان كل يوم يمر دون ان يشهد السلام لهو يوم آخر من طرد الابرياء ويوم آخر من عذاب المدنيين ويوم آخر من البؤس واليأس. نحن الآن كلنا, المجموعة الدولية باكملها, في سباق مع الزمن وكل مفاوضات تطول او قرارات تؤجل او خطوات للسلام تعرقل, لاتساهم الا في زيادة معاناة الالبان الكوسوفيين. والمجموعة الدولية الآن متوحدة على السعي نحو السلام الذي يمكن الكوسوفيين الالبان من العودة فورا وبالكامل الى ديارهم , عودة كريمة دون خوف, اما كيفية تحقيق هذا السلام فهي الآن محل محادثات مكثفة تشمل الحكومات الغربية وروسيا ( مجموعة الثماني) و الامم المتحدة وكل من يطلب العدل والسلام لشعب كوسوفو. وفي غضون ذلك نقوم نحن في الامم المتحدة بتعزيز مساعداتنا وجهودنا لاغاثة اللاجئين كما نوسع من المجال الذي تغطيه جهود الاغاثة,ونحسن من مستوى التنسيق بين المشاركين في تقديم المساعدات في الوقت الذي نخطط به للاستقرار السياسي واعادة البناء الاقتصادي لكوسوفو ومجمل المنطقة مستقبلا. نحن مصممون الآن على ان نكون باتم الاستعداد وبشكل سريع وشامل للسلام, لاننا نعلم ان الكارثة الانسانية التي نواجهها الآن, هي مأساة لحقوق الانسان في اساسها, كما نعلم باننا نواجه عواقب انسانية لجرائم ضد البشرية. اصبحت مأساة كوسوفو الآن تشكل اختبارا حاسما للمجموعة الدولية. وتبذل في كوسوفو حاليا جهود مكثفة وتسخر موارد هائلة لدرجة لم يعرفها اي صراع سابق. وخصوصا مع مراقبة كل العالم لنا, فقد اصبح التزاما اخلاقيا لامفر منه, بان نساعد شعب كوسوفو الذي اقتلع من جذوره وتعرض لممارسات وحشية وان نعيده لبلاده سريعا وهو مطمئن. هذا هو التحدي الذي نحن بصدده جميعا الآن والامم المتحدة مصممة على القيام بواجبها في مواجهة هذا التحدي وقبل اي شيء آخر, وبحيث يمكن للكوسوفيين الالبان بمن فيهم العجوز ابنة المئة عام التي لن انسى محنتها ابدا, ان يعيشوا مرة اخرى في ديارهم وعلى ارضهم أمنين مطمئنين. خدمة لوس انجلوس تايمز خاص لـ (البيان)