تحولت دفة اتهامات تقرير (كوكس) الصادر عن الكونجرس الامريكي للصين بسرقة الاسرار النووية طيلة العشرين عاما الماضية, الى الداخل الامريكي, واثارت عاصفة من الاتهامات المتبادلة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي . وتطايرت الشكوك حول المبالغة في تقدير قيمة القدرات النووية العسكرية الصينية, واطلق نواب وسياسيون تحذيرات من مخاطر فك الارتباط وتدمير علاقات الشراكة الامريكية الصينية, على اساس تلك المزاعم, حسبما اعلن هنري كيسنجر رائد الوفاق الامريكي الصيني في شهادته امام الكونجرس. وابدت شركات الكمبيوتر والتكنولوجيا الامريكية المتقدمة مخاوفها من خسارة الاسواق الصينية بتأثير هذه الاتهامات, والمحت الى مخاطر تقييد صادراتها الى الصين وتهديدها للاستثمارات الامريكية في التكنولوجيا المتقدمة. في حين اوضحت مصادر وجهات امريكية محايدة ان اطلاق هذه الاتهامات مجرد قنابل دخان وستار لتبرير زيادة الانفاق العسكري الضخم وعودة لاجواء الحرب الباردة بعد ان ولى زمانها. فلقد قلل خبراء عسكريون امريكيون من خطورة التجسس الصيني على الولايات المتحدة الامريكية, واعتبروا ان الاسرار العسكرية التي حصلت عليها الصين حسبما ذكر تقرير كوكس ــ اصبحت متاحة ولم تعد ضمن قائمة الاسرار العسكرية. ورأى هؤلاء الخبراء انه طبقا للمفهوم الاستراتيجي النووي العالمي فان اي تحسين في قدرات الصين النووية يضيف المزيد للاستقرار النووي العالمي. واستندت رؤيتهم الى ان الصين عندما تصل الى حد الثقة في قدراتها النووية, فلن تلجأ بدافع الخوف الى خيار الضربة الاولى. من جانبه تحفظ كيسنجر على المبالغة في تصوير التجسس الصيني بطريقة تهدد مستقبل الشراكة والعلاقات بين البلدين. وقال كيسنجر خلال جلسة استماع للكونجرس انه حتى لو سرقت الصين الاسرار النووية الامريكية فلن يكون بمقدورها انتاج وتطوير اسلحتها الا بعد خمسة عشر عاما. واضاف كيسنجر امام لجنة العلاقات الخارجية ان هذه الاتهامات تضاعف مخاوفه وقلقه على تشويه علاقات واشنطن مع بكين . ورد السيناتور الجمهوري كريستوفر كوكس بان لجنته لم تجنح نحو التحزب او اصدار الاحكام بل ركزت على جمع الوقائع. واشار الى ان لجنة خاصة شكلتها وكالة المخابرات المركزية الامريكية (السي اي ايه) حذرت من احتمالات قيام الصين بتزويد دول مثل ايران وباكستان بمعلومات وتكنولوجيا نووية. من جانبها ابلغت المباحث الفيدرالية الامريكية (إف بي آي) الكونجرس انها لم تجد دليلا على سرقة الاسرار النووية عبر برامج الكمبيوتر المصدرة للخارج ووسط حالة من الصراع الحزبي داخل الكونجرس دعا ريتشارد ارمي زعيم الجمهوريين في مجلس النواب مستشار الامن القومي صامويل برجر الى الاستقالة من منصبه كما دعا اعضاء جمهوريون آخرون الى استقالة المذيعة العامة جانيت دينو بسبب ما وصفوه بتقاعس الاثنين عن التعاون مع تحقيقات اللجنة. وتباشر تسع لجان مختلفة في الكونجرس الامريكي العمل في التحقيق في الجوانب المختلفة للتقرير الواقع في سبعمائة صفحة. واستبعدت الادارة الامريكية معظم نتائج التقرير وان وافقت على توصياته الثمانية والثلاثين بتشديد اجراءات الامن في المعامل والمنشآت النووية الامريكية. وقال وزير الطاقة الامريكي بيل ريتشاردسون الذي تشرف وزارته على هذه المعاملة انه تم بالفعل تطبيق 85 في المائة من هذه التوصيات ومنها مراجعة خلفية كل العلماء المتقدمين للعمل في برامج حساسة بصورة ادق بما يشمل استعمال اجهزة كشف الكذب عليهم ومراقبة اوضاعهم المالية بانتظام لاكتشاف اي تراكم تغيرات غير طبيعية في ثرواتهم. وكانت وزارة الطاقة قد اعلنت انها زادت الانفاق على ادارات مكافحة التجسس فيها من 2.6 مليون دولار في عام 1996 الى قرابة اربعين مليون دولار للعام المقبل. وحذر اصحاب شركات التكنولوجيا المتقدمة والمدافعون عن حرية التجارة من مخاطر التقرير وحده من القدرة الامريكية على المنافسة مع الشركات الاجنبية. واعتبر العديد من منتجي برامج الكمبيوتر ان تقييد بيع اجهزة الكمبيوتر وبرامجها الى الصين سيهدد صناعتهم. من جهة اخرى حصلت مجموعة خاصة في واشنطن على وثيقة سرية من اربع صفحات مؤرخة في عام 1984 وصادرة من المخابرات العسكرية الامريكية حول التجسس الصيني. ــ الوكالات