تثير الولايات المتحدة صورا وذكريات مختلفة لدى الانسان العربي فهي لدى البعض رمز للتقدم العلمي والتكنولوجي وهي مركز الاعلام والفن وهي معقل الديمقراطية وحقوق الانسان وهي لدى البعض الاخر رمز للهيمنة وازدواجية المعايير, والتأييد غير المشروط للسيطرة الاسرائيلية في المنطقة وكل فريق يستطيع ان يدعم موقفه بأسانيد ودلائل وربما كانت امريكا هذا وذاك, فأمريكا دولة فتية, لم يتجاوز عمرها قرنين من الزمان, وانفرادها بقيادة العالم اليوم, بعد انهيار الاتحاد السوفييتي يطرح اسئلة كثيرة حول مستقبلها ومستقبل العالم. ولكن من المفيد ان نتذكر ان الامريكيين نظروا الى دولتهم من وقت بعيد على انها قائدة العالم. ففي رسالة كتبها جورج واشنطن في عام 1758 الى الجنرال لافييت الفرنسي الجنسية والذي اشترك في حرب الاستقلال الامريكية ذكر ان امريكا اصبحت من الان وصاعدا القوة العظمى الوحيدة في العالم, وجذور فكرة ان تكون امريكا نموذجا للعالم نجدها في خطابات واحاديث واشنطن مثل قوله: اننا نحن الذين زرعنا بذور الحرية والوحدة, وان تلك البذور سوف تنمو وتنتشر بالتدريج في كل ارجاء المعمورة ونفس المعنى كرره الرئيس وودرو ويلسون بقوله ان هدف الولايات المتحدة من الاشتراك في الحرب العالمية الاولى هو ان يصبح العالم اكثر اقتناعا وثقة بالديمقراطية, ومنذ الحرب العالمية الثانية, قادت امريكا دول المعسكر الغربي, واصبح نموذجا ورمزا لتقدم عالم الرأسمالية والاقتصاد الحر. الى ماذا تستند الولايات المتحدة في ممارسة زعامتها للعالم؟ تستند الى مجموعة مترابطة ومتشابكة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية ــ الاستراتيجية التي تعطيها القدرة على الحسم واتخاذ القرار, فمن الناحية الاقتصادية تعتبر امريكا اكبر اقتصاد واكبر سوق على المستوى العالمي, ويتمتع بقدرة استهلاكية تفوق اي سوق اخر. ومن ثم اعتبرت عملتها ــ الدولار ــ اساسا لكثير من التعاملات الاقتصادية والتجارية, فهو مثلا المعيار الذي يتم على اساسه تسعير النفط, وعندما تم اصدار العملة الاوروبية الموحدة ــ اليورو ــ توقع البعض ان تحتل مساحة اكبر في الساحة المالية العالمية على حساب الدولار وهو ما لم يحدث. تستند قوة الولايات المتحدة ايضا على قاعدة من البحث العلمي, والتقدم التكنولوجي خصوصا في مجالات الفضاء والذكاء الاصطناعي والتحكم عن بعد واذا اخذنا معيار انتشار الحاسبات الآلية بين المواطنين كمؤشر للتأهيل لعالم الغد, فإن الولايات المتحدة تسبق كل دول العالم الاخرى بمسافة كبيرة. او اذا اخذنا مجال ثورة المعلومات فإن الولايات المتحدة لها الاولوية وما يقرب من 70% من حجم المعلومات الموجودة على شبكة الانترنت مصدرها امريكي. اذا تحولنا من الاقتصاد الى الثروة البشرية نجد ان الولايات المتحدة تجدد شبابها سنويا من خلال استقبال المهاجرين مما يعني الحفاظ على نسبة معقولة من الشباب في تركيبها السكاني. هذا في الوقت الذي تعاني فيه اوروبا واليابان من تزايد عدد كبار السن وانخفاض عدد الشباب (بسبب عدم الانجاب) مما يهدد بعض الدول بانخفاض عدد سكانها وعلى سبيل المثال, فإن عدد سكان دول الاتحاد الاوروبي من المتوقع ان ينخفض في نهاية العقد الاول من القرن المقبل بنحو مليوني نسمة في الوقت الذي من المتوقع ان يزيد فيه عدد السكان في امريكا بنحو 29 مليون نسمة. اضف الى ذلك من الناحية السياسية ان امريكا تمثل دولة واحدة لها جيش واحد وسياسة خارجية واحدة خلافا لدول الاتحاد الاوروبي, ثم يظلل ذلك القدرة العسكرية وافاق التقدم العسكري الامريكي الذي يضعها في موقع فريد ومتقدم بالنسبة لكل الاطراف الاخرى ويبقى بعد ذلك ان امريكا ليست قدرة عسكرية واقتصادية وحسب بل تمثل لغتها وبرامج بثها التلفزيوني وافلامها نموذجا له جاذبية لكثير من شعوب العالم. *** ومن هذا العرض لعناصر قوة الولايات المتحدة يتضح بجلاء انها, ولمدة عقد قادم على الاقل, تحتكر القمة في مجالات بحوث الفضاء والمعلومات والقدرة العسكرية والقدرة على التدخل العسكري في مناطق التوتر التي تهدد المصالح الامريكية والغربية. وصحيح ان امريكا سوف تظل في مقعد المقدمة والقيادة, ولكن من الصحيح ايضا ان المسافة التي تفصلها عن الدول التالية لها في المكانة سوف تضيق تدريجيا, فإسهام قوى اقتصادية اخرى مثل الاتحاد الاوروبي واليابان يتجه الى الازدياد مما يجعلها تلعب دورا اكبر فاعلية وتأثيرا على النظام الاقتصادي العالمي. ولكن هل يمكن ان يؤدي ذلك الى عودة شكل من اشكال تعدد الاقطاب على النحو الذي شهده العالم مثلا خلال القرن التاسع عشر, او خلال فترة ما بين الحربين العالميتين في القرن العشرين؟ يدعونا هذا الى ضرورة تحديد مفهوم القطب الدولي) وماهو شكل العلاقة المتصورة بين (الاقطاب) وهل تكون علاقة صراع, أم تنافس, أم تعاون, ولايمكن تحديد مفهوم القطب, أو القوى الكبرى, على اساس سياسي وعسكري وحسب, بل لابد من ادخال الجوانب الاقتصادية وعامل تداخل المصالح الاقتصادية والتشابكات المالية عبر البورصات واسواق المال في العالم. فالاقتصاد الكوني الراهن تخطي الحدود السياسية للدول, والشركات العملاقة دولية النشاط تعمل في عشرات الدول, واسهمها معروضة للبيع والشراء, ويتم تداولها في البورصات, كما ان النسبة التي تمثلها التجارة الخارجية, تصديرا واستيرادا, تزداد مما يعني اهمية تلك التشابكات الدولية في صحة ورفاهية اقتصادات الدول المتقدمة, ومعنى ما تقدم انه خلافا للوضع في القرن التاسع عشر مثلا, عندما كان التنافس الاستعماري يقود الى مواجهات عنيفة, وكان الحاق الضرر بالخصم لا يقود الى نتائج سلبية على الطرف المنتصر, فان الوضع الراهن مختلف, فضعف أو تدهور القوة الشرائية في امريكا يؤثر سلبا على الاقتصاد الياباني, كما ان انخفاض قيمة الين الياباني بدرجة كبيرة يضر الاقتصاد الامريكي, وهكذا فان الترابطات الاقتصادية تضع حدودا على فرص المواجهة على طريقة (كسر العظم) . ولكن ذلك لا يقلل من اختلاف المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للدول, ولا يمنع من وجود تنافسات سياسية, ولا من وجود حروب تجارية كما حدث بين امريكا واوروبا, او بين امريكا واليابان, ولكن المسألة الجديرة بالانتباه ان هذه التنافسات والحروب التجارية تظل دوما في اطار حدود لا تتخطاها, وهذه الحدود هي المصالح المشتركة والتي تتمثل في الاجتماعات السنوية لمجموعة الدول الصناعية المتقدمة. في نهاية القرن التاسع عشر كتب المفكر الفرنسي الكسيس دي توكفيل ان القرن العشرين سوف يشهد بروز قوة كل من روسيا وامريكا, ومنذ سنوات صدر كتاب لمؤلف فرنسي ــ بيير بارن ــ عنوانه (القرن الواحد والعشرون لن يكون امريكيا) . وقد يكون من الصعب ان يصدر الانسان حكما على طول قرن بأكمله من الزمان, ذلك ان حجم المجهول الذي لانعلمه كبير, ودرجة اللايقين في مستقبل العلاقات بين الدول والمجتمعات كبيرة, وآفاق التقدم العلمي والتكنولوجي غير محدودة, واذا ما وجد القارئ ان كاتبا ما يكتب بدرجة كبيرة من اليقين عما سوف يشهده المستقبل, فان من حقه وواجبه, ان يرتاب فيه, فكل ما نستطيعه هو اعمال العقل على ضوء ما تعرفه, مع ادراك ان المستقبل يمكن دائما ان يفاجئنا بالجديد, على نحو ما فاجأ به آخرين من قبلنا.