هل تستمر السيطرة الامريكية على النظام الدولي؟ وكيف تضمن امريكا استمرار هذه السيطرة؟ وما الدور الذي تلعبه السياسة الخارجية الامريكية في ضمان الاستمرار ؟ السيناريو الآخر هل تنهار الولايات المتحدة عبر تفتت (مصلحتها القومية) وتأكل (هويتها الثقافية) ؟ هذا عن المستقبل.. أما الواقع فيقول ان امريكا مازالت مسيطرة على مقدرات السياسة الدولية فما سر هذه السيطرة؟ وكيف فعلتها امريكا؟ عن الاسئلة الثلاثة.. استمرار السيطرة أو الانهيار وكيف فعلتها امريكا حتى الآن يجيب ثلاثة من الاستراتيجيين الامريكيين زبجنيو بريجنسكي ـ مساعد الرئيس الامريكي الاسبق جيمي كارتر للامن القومي ومستشار مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بجامعة جونز هوبكنز, وصمويل هنتنجتون ـ مدير معهد هارفارد للدراسات الاستراتيجية واحد ابرز اعضاء المؤسسة الفكرية الامريكية وجوزيف جوف عضو معهد هارفارد للدراسات الاستراتيجية في ثلاثة مقالات منفصلة نشرتها مجلة (فورين أفيرز) في عيدها الماسي, وهي مجلة ذات وضع خاص.. ليست مجرد مطبوعة للعلوم السياسية يكتب فيها متخصصون جامعيون, وانما هي ميدان لعرض ومناقشة الافكار المطروحة داخل (المؤسسة الفكرية الامريكية) ويمكن القول انها مرآة لتفكير النخبة الرسمية او المتداخلة مع دوائر السياسة وصنع القرار الامريكي اي ان المجلة تعكس وجهات نظر داخل الادارة الامريكية او تبشر بفكرة تسعى النخبة لتبنيها او تروج لها عالميا من هنا تأتي واهمية القراءة النقدية للافكار المطروحة في المقالات الثلاث, لا تقديمها على علاتها, فالافكار تؤخذ وترد وهي ليست مجرد (محاولات ذهنية) عالقة في الهواء, وانما تعبر بالاساس عن مصالح فئات وشرائح ودول وقوى, منها ما يسعى للسيطرة وترويجها في شكل علمي او فكري أنيق. ولنبدأ بمقال بريجنسكي... في تحديده للخطوط العامة لروشتة تضمن بسط السيطرة الامريكية على العالم مستقبلا يرى بريجنسكي ان تعتمد الاستراتيجية الامريكية على دعم مركزها في اوروبا وآسيا, وهما القارتان اللتان تضمان اكبر 6 قوى عسكرية في العالم بما فيها القوى النووية و75% من سكان الارض و 75% من مصادر الطاقة وتتدرج هذه الاستراتيجية في ثلاث مراحل: الاولى: قصيرة المدى وتعتمد على حفظ توازن القوى القائم في آسيا وأوروبا وبقاء القوات الامريكية فيها كضمان للسلم, ويشمل ايضا دعم الديمقراطية في اوروبا وما وراءها ودعم التفوق الفرنسي ـ الالماني, وتقوية التفاهم الصيني الامريكي, بينما يكمن الخطر في منطقة وسط آسيا حيث ترك غياب الاتحاد السوفييتي فراغا لم يملأه احد بعد, الى جانب منطقة جنوب وسط آسيا التي تنذر بانفجار صراعات عرقية. الثانية: متوسطة المدى (20 عاما مقبلة) وتستهدف منع قيام تحالف مضاد لامريكا والعمل على ظهور وتقوية شركاء الولايات المتحدة والعاملين تحت قيادتها. الثالثة: طويلة المدى وتهدف الى تحويل القارتين آسيا وأوروبا الى (قلب نظام عالمي) قائم على قيم سياسية واقتصادية مشتركة. وهذه الاستراتيجية قابلة للتحقيق بالنظر للقوة الامريكية الهائلة متعددة الابعاد اقتصاديا وعسكريا وتكنولوجيا وثقافيا, فقد عرفت الولايات المتحدة انه لا غنى للعالم عنها, وعليها ان تستثمر هذا التفوق ـ كما يواصل بريجنسكي ـ لخلق عالم موات لمصالحها. وعن مصدر الخطر او عن العدو الذي مازال يعتبره بريجنسكي وغيره من المحللين متمثلا في روسيا ومستقبل هذا العدو يقول ان روسيا موزعة بين اتجاهين الاول يحبذ التوسع والعداء للغرب وهو اتجاه منتشر بين الجيل القديم الذي كان يهيمن على الاتحاد السوفييتي, وهو جيل معظمه من ابناء الفلاحين ومدن الاقاليم. الاتجاه الثاني موال للغرب وهو جيل حديث واكثر كفاءة وهو المسيطر على مقاليد الامور في روسيا الآن, لكن حكمه مهدد دائما بعودة الجيل القديم للسيطرة.. أولاد الفلاحين هؤلاء تدعمهم الكنيسة الروسية وهي كنيسة معادية للمجتمع المدني ولنموه, ولها طموحات توسعية فيما رواء روسيا التي تدعى الولاية على كل المسيحيين الارثوذكس, اي على الامبراطورية السوفييتية القديمة بشكل او بآخر. كما ان قادة الجيش يحقدون على الغرب بصفة عامة وهم يديرون شؤونهم بمعزل عن القيادات السياسية المدنية, ومازال الجيش الروسي يسيطر على كل الجمهوريات السوفييتية السابقة, فيما عدا (دول البلطيق) .. هذه القوى تشترك في رغبة استعادة مكانة (القوة العظمى) وهو ما لا يمكن تحقيقه حاليا عبر المنافسة الاقتصادية او التكنولوجية, وانما بالحرب والحرب فقط وهنا مصدر الخطر فالعقيدة العسكرية الروسية تخلت عن مبدأ الامتناع عن توجيه (الضربة الاولى) (النووية) الذي كان معمولا به منذ حكم بريجينيف, ومن الممكن وفقا للخطط العسكرية الروسية شن حرب نووية في حالة تهديد المصالح الروسية الحيوية. أي ان روسيا تعيش صراعا داخليا حول موقفها من الغرب, ومن المستحيل التنبؤ بمستقبل هذا الصراع نتيجة هشاشة الاوضاع فيها, وبالتالي يقتضي الامر درجة اعلى من الحذر والاحتواء والضغط المتكامل حتى يزول احتمال تحولها الى موقف عدائي كامل, ومن الضرورة ـ في هذا السياق ـ مواصلة محاولات نزع قدراتها النووية تماما(!!) أما عن آسيا فيرصد بريجنسكي حالة توافق آراء فيها تنمو باستمرار منذ عشر سنوات حول علاقتها بأمريكا, ومنظورها للصراعات والنزاعات داخلها (اي في آسيا) ويتمحور هذا التوافق حول ثلاث جزئيات. 1 ـ ضرورة تجميد اوضاع (الجغرافيا السياسية) القائمة. 2 ـ قبول القيود المفروضة على المنطقة واستغلال الفرص المتاحة. 3 ـ الحاجة الى قيام جماعة آسيوية على غرار اوروبا. هذا التوافق يشمل استمرار الوجود العسكري الامريكي في آسيا كما هو, لانه حيوي في استمرار (سلام آسيا) وحتى الصين التي تنتقد الوجود العسكري الامريكي في آسيا طول الوقت تعلم جيدا ان نهايته تعني زعزعة الامن في المنطقة ودفعها في طريق سباق التسلح وربما تحول اليابان للتسلح مرة اخرى, مما سيشكل عبئا على جهود التنمية الاقتصادية... وعلى العكس من ذلك يشجع استمرار السلام نمو العلاقات الاقتصادية بين الشعوب الآسيوية التي تشهد طفرة حاليا الى جانب تكثيف العلاقات السياسية. والامر الذي يغفله التحليل الاستراتيجي لبريجنسكي هو ان القوى والصراع القومي وسيطرة الدولة اصبحت لا تعبر عن عالم يتميز بالسيولة والتفكك وسرعة التغير, والمؤشرات الحالية عن ذلك توحي بدرجة اعلى من كثافة التغير في المستقبل, ولنأخذ مثالا بالتحالفات العابرة للقوميات التي اصبحت اهم من تلك التي تربط حاملي الجنسية الواحدة. ويطرح هذا التحليل ايضا سؤالين في اطار التعقيب عليه ـ هما من هو العدو الذي تستهدف الاستراتيجية الامريكية ـ حسب رؤية بريجنسكي ـ متعددة الدرجات والابعاد؟ هل هو الجيش الصيني ام الفتيات العاملات في مصانع النسيج اللاتي تغزو منتجاتهن الاسواق الامريكية؟ ثانيا: ما هي المصالح الامريكية او بصياغة اخرى: مصالح من في امريكا اذا كان (التوافق في المصالح) بين الفئات والمجموعات الامريكية يتفكك, ويتأكد من وقت الى آخر ان (العدو ليس من الخارج) وانما (العدو داخلي) هو نمط الحياة الامريكية نفسه الذي يخرج بكوارث انسانية بين الحين والآخر على مستوى العنف والجريمة وحرية حمل السلاح بين الافراد. عن السؤال (هل تنهار امريكا؟) يقدم صمويل هنتنجتون تحليلا لما يسميه تفتت وانهيار المصلحة القومية الامريكية باعتبارها تنبع من الهوية القومية, والتي تعتمد على عنصرين الاول هو ثقافة وقيم المستوطنين الاوائل من البريطانيين البروتستانت والمرتبطة بالثقافة الانجليزية وتقديس الحرية الفردية والملكية الخاصة والعلمانية, والثاني هو عقيدة سياسية قائمة على الحرية والمساواة والدستور والليبرالية.. هذه الهوية اهتزت نتيجة التغيرات الاجتماعية والسكانية خاصة تقلص عدد السكان البيض مقارنة بمهاجري العالم الثالث. يزيد من حدة تآكل الهوية الامريكية تبني الدولة لعقيدة (التنوع الثقافي) التي تشجع الاقليات على الاحتفاظ بثقافتها الخاصة بدلا من اجبارها على الانصهار في الثقافة الامريكية الواحدة مثلما كان الحال في الماضي, واذا استمر هذا الاتجاه ـ ولا توجد شواهد على انه سيتوقف ـ فإن وحدة امريكا معرضة للخطر. ففي غياب هوية قومية واضحة تقوم الوحدة على الاجماع حول عقيدة سياسية, واذا انهار هذا الاجماع تحولت الولايات المتحدة الى فسيفساء متناقضه سرعان ما تنهار في النهاية. في الوقت الذي تهتز الهوية القومية الامريكية اختفى العدو التقليدي الذي يعود اليه (الفضل) جزئيا في توحيد فئات الشعب الامريكي, ومع سقوط الامبرطورية الشيوعية لم يعد لهذا الشعب عدو واضح يجمع على قتاله.. ولم يفلح (صدام حسين ولا الاصولية الاسلامية ولا حتى الصين في الحلول محل هذا العدو, الى الآن على الاقل.. الآن وامريكا سيدة للعالم بلا عدو تبرز تناقضاتها الداخلية بدرجة اكبر ويقوي من تفتت الهوية الامريكية ـ وفق تحليل هنتنجتون ـ الذي يتساءل من يستطيع ان يحدد (المصالح الامريكية) ؟ ويجيب: لا احد حتى لجنة المصلحة القومية الامريكية المشكلة لهذا الغرض والتي قدمت تقريرها عام 1996 فشلت هي ايضا في العثور على ما هو اكثر من مجرد اهداف عامة مبهمة, لا ترصد تهديدا محددا للمصالح الامريكية, وانما تضع اهدافها على النحو التالي: (منع الهجوم على الاراضي الامريكية, منع ظهور قوى مهيمنة معادية في آسيا وأوروبا, منع ظهور نظم معادية على حدود امريكا, حماية النظم العالمية الخاصة بالتجارة والمال والطاقة والبيئة ومساندة حلفاء امريكا) . وفي ظل هذاالغياب لرؤية واضحة للمصلحة القومية الامريكية فإن السياسية الخارجية للولايات المتحدة توجه لخدمة اهداف فئات معينة, وليس لخدمة الشعب الامريكي ككل. وبذلك اصبحت السياسة الخارجية الامريكية مطية لكبار رجال المال والاعمال ذوي المصالح والانشطة العالمية, ولجماعات الضغط العرقية كاليهود الامريكيين والكوبيين الامريكيين والصينيين الامريكيين. وعلى المستوى الدولي تعجز الولايات المتحدة عن فرض ارادتها رغم قوتها الهائلة, واذ تفعل حكومات الدول الاخرى ما تشاء ضد ارادة الحكومية الامريكية او على الاقل تسعى للتمرد عليها وتنجح احيانا. ويصل هنتنجتون من تحليله الى نتيجة مفادها انه يتعين على الولايات المتحدة ان تقلل من تورطها في الشؤون الدولية وليس المقصود (العزلة) بل (الكمون) ويمكن تنشيط دورها اذا ظهرت لها مصلحة في ذلك. تعقيبا على هنتنجتون من الممكن ان نلاحظ ان غياب العدو واهتزاز الهوية القومية وعدم وضوح المصلحة القومية وما ينتج عنه من توجه السياسة الخارجية لخدمة (فئات محدودة) لا يعني بالضرورة الانتقال الى مرحلة الانهيار الكامل, فمن المحتمل ان تظل (جماعات المصالح) واختيارات الاقليات في توجيه السياسة الخارجية الامريكية قادرة على السيطرة على (بقية الشعب الامريكي الى ما لا نهاية) ما دامت وسائلها (الاعلام والمال) قوية بما يكفي للسيطرة على شرائح الطبقة الوسطى وفقراء امريكا, ولكن الخلل الاساسي الناجم عن ذلك التوجيه يستمر في الخارج, في شكل اختيارات سياسية (خرقاء احيانا) ولا تراعي طبيعة الصراعات الدولية وطبيعة الكيانات الانسانية الثقافية والسياسية الاخرى, فتولد في النهاية, بل وتخلق اعداء جددا, ورغبة حقيقية في المواجهة مع السياسات الامريكية, يمكن ان تتبلور على مدى زمني طويل, يتسع له القرن المقبل بلا شك. والملاحظة الثانية على تحليل هانتجيتون ان دعوته (للكمون وليس للعزلة) تمثل في جانب منها انتقادا وربما تهديدا لحلفاء امريكا من خلال تقليص دور الولايات المتحدة والمناطق والقضايا التي لا تمثل مصلحة حيوية مباشرة لها, فالمعروف ان النظام الدولي الحالي يعتمد بالاساس على القوة الامريكية وان المصالح الحيوية لاوروبا واليابان واسرائيل تعتمد على استمرار الوجود العسكري الامريكي وفي الوقت نفسه لا تظهر حكومات هذه الدول تعاونا كافيا من وجهة نظر هنتنجتون وغيره من محللين ومسؤولين امريكيين يرفعون نفس الدعوة فلا تمول الجهود الحربية الامريكية بالقدر الكافي ولا تساند الحكومة الامريكية بشكل كامل, بل ان بعضها مثل فرنسا والمانيا تقيم علاقات تعاون مع ما يعتقد هنتنجتون انهم في مصاف الاعداء مثل ايران وتركيا! من هنا يتخذها هنتنجتون من مسألة الهوية القومية والمصلحة القومية والتحذير من انهيارها تكئة لترويج اقتراحه التهديدي, ولادانة تقلص سيطرة الجنس الابيض الغربي ـ ذي الاصول البروتستانتية ـ على مقاليد الامور في الولايات المتحدة الامريكية, اي ان التحذير من انهيار امريكا بناء على تراجع (فكرة الانصهار) لصالح (التحزب الاثني العرقي) هو دعوة ملتبسة بشحنة عنصرية من (الرجل الابيض الغربي) الخائف على مكانته وقيادته لدولة امريكا, اكثر من كونها خوفا بريئا من مستقبل غامض.. ولكي تكتسب (مسحة اقناعية) تعتمد على مقولة تراثية امريكية اسمها (بوتقة الانصهار) .. وتتأكد هذه الملاحظة اذا ما رجعنا لمقال سابق كتبه هنتنجتون من قبل دعا فيه صراحة لوقف الهجرة من العالم الثالث وادماج الاقليات في الثقافة البيضاء الغربية لامريكا. عن السؤال الثالث.. كيف سيطرت امريكا او كيف فعلتها؟ يخلص جوزيف جوف ـ عضو معهد هارفارد للدراسات الاستراتيجية في تحليله لطبيعة السيطرة الامريكية الى ان هيمنة امريكا على العالم في ازدياد ولا يهددها احد ولا منازع لها. فالولايات المتحدة زادت سيطرتها على النظام الدولي مع سقوط اعدائها بنهاية الحرب الباردة, وعلى الرغم من ان سقوط العدو يؤدي عادة الى تفكك الحلفاء واحيانا للنزاع بينهم, فإن الذي حدث في حالة الولايات المتحدة هو العكس اذا ازداد الطلب عليها وزاد التفاف حلفائها حولها.. كل ما حدث هو بعض الضجة المعادية للهيمنة الامريكية مثل تصريحات الرؤساء الروسي والفرنسي والصيني في عدة مناسبات سابقة حول رفضهم انفراد احدى الدول بقيادة العالم, وهي تصريحات لم يلتفت اليها احد ولم يترتب عليها تغيير في سيطرة امريكا الكاملة ـ حسب تعبير جوزيف جوف الذي يسأل ثم يجيب: ما سر هذه السيطرة؟ انه طبيعة الهيمنة الامريكية نفسها. اولا امريكا لا تغزو بل تسيطر, امريكا لا تحتل اقاليم ولا تشغل نفسها بادارة شؤون السكان الخاضعين للاحتلال والتورط في تبعات مثل هذه الافعال, على العكس.. امريكا تسيطر عن بعد, تربط الناس بشبكة مصالحها وبأفكارها ومؤسساتها وطريقتها في الحياة.. هذه الطريقة اكثر ذكاء فبدلا من ان ترغم الناس على قبول ما تريد, اجعلهم يريدون ما تريد, اجعلهم يتفاعلون بأفكارك ويتناقشون بعقليتك ويحسمون مشاكلهم في مؤسساتك. ثانيا: امريكا مثل بسمارك, تقوم بدور المدير العام لا العدو فهي لا تستعدي احدا بشكل مباشر, وتبقي نفسها مركزا ومحورا تصب فيه النزاعات والخلافات وتحسم, ولا تتدخل إلا في حالات نادرة وحرجة, وعندما تتدخل تمحق عدوها. السبب الثالث: ان امريكا غيرت من قواعد اللعبة الدولية نفسها وجعلت من قواعدها الخاصة قواعد عامة للجميع. في الاقتصاد.. في السياسة في التكنولوجيا.. في الحياة الاجتماعية لقد اعادت امريكا تشكيل العالم على صورتها بحيث اصبحت الطريقة الامريكية معيارا يتبع, ومن ثم اصبحت امريكا قائدا دون ان تحتاج لاستخدام فعلى للقوة, من هنا فإن مفهوم القوة نفسه تغير.. بدلا من السفن والطائرات والقنابل وكافة ادوات (القوة الخشنة) جاءت (القوة الناعمة) الهيمنة في المؤسسات والافكار والمال والموضة والذوق. هنا يضرب جوزيف جوف مثالا.. هو حرب الخليج فيقول ان تدخل امريكا لم يكن يهدف لاحتلال العراق وانما لحماية امن النظام الدولي ككل, تأمين منابع النفط وسريانه وتأمين احترام القواعد المتبعة والبرهنة القاطعة على ان المدير العام قادر على تعبئة قوة هائلة لردع المتحدين.. من ناحية اخرى فإن (المصريين والسعوديين) . هكذا يقول الكاتب جوزيف جوف : كانوا (غاية في التعاون) مع الولايات المتحدة الامريكية, اذ توحدت مصلحتهم مع مصلحة السيطرة الامريكية في هذه الحالة.. لقد نجحت امريكا في ان تجعل امن النظام الدولي وامن حلفائها معتمدا على امنها وان تجعل من مصالحها ومصالح حلفائها وحدة لا يمكن تجزئتها, وبذلك اصبح لحلفائها مصلحة اكيدة في استمرار التحالف معها حتى وان اختفى العدو التقليدي.. وفي النهاية يصل جوزيف جوف الى ان القوة الناعمة لعبة يمكن للجميع ان يكسبوا منها ومن خلال موافقة الجميع وتقبلهم لهذه القواعد يمكن لامريكا ان تسود ابد الدهر. بهذا التحليل لمس جوزيف جوف سمة التميز الامريكي مقارنة بالامبراطورية العالمية السابقة بريطانيا وغيرها من قوى الاستعمار في القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين, وهو تصدير الافكار واحتكار صنع القواعد للنظام الدولي, والتحالف مع (النخب الحاكمة) في العالم الثالث, وهي سمة كانت موجودة لاشك في الامبراطوريات الاستعمارية السابقة, ولكنها تجلت اكثر مع الامبراطورية الامريكية (الاخيرة) .. وساعد على تجليها تطور (آلة الاعلام) وقدرات التأثير على شعوب المتحالفين عبرها. ولكن ذلك لا يعني الموافقة الكاملة على ان القوة الناعمة تعمل وحدها, بل هي تستند لوجود (القوة الخشنة) في محطة الاحتياط او في الظل وهي التي تساعد على نجاح القوة الناعمة ولم ينعدم احتمال استخدامها بل استخدمت وتستخدم عدة مرات بدءا من فيتنام ووصولا الى كوسوفو مع فرق التطور التكنولوجي وخبرات الحروب بينهما. من ناحية اخرى لا يعني استخدام القوة الناعمة ان الجميع يحقق مصالحه في النهاية فلا مفر من كاسب وخاسر, ما دمنا نتحدث عن صراع, الفارق الاساسي ان الضحية او الخاسر في حالة القوة الناعمة لا يدرك بشاعة او حجم الخسارة التي تلحق به في اطار نظام يومىء (للحلفاء) (الخصوم في وقت واحد) .. بالمساواة الشكلية وان كان يقوم على عدم المساواة فعليا.. في حين ان استخدام القوة الخشنة يستفز ويحرض على المقاومة والمواجهة. اما الجانب الآخر في السيطرة الامريكية والذي تزامن وتواءم مع تفوقها هو نكوص الآخرين وتراجعهم عن امساك عناصر قوة منافسة.. ونظرا الى المستقبل يمكن استشراف محاولات اكيدة هادئة تستفيد من طرف القوة الامريكية الفائقة ورغبتها في استمرار سيطرتها وسيادتها العسكرية, بالاستكانة لها, موجهة قدراتها الى تفوق توعى آخر ابرزه الجانب التكنولوجي كما في حالات اليابان والمانيا والصين والذي يبشر في المستقبل بمواجهة, تختلف في طبيعتها عن طبيعة عصرنا كله.. عصر القوة العسكرية والاقتصادية عصر مقبل , هو عصر التفوق العلمي والثقافي الخاص!