منذ انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفييتي السابق وسقوط نظام القطبية الثنائية القائم على توازن الرعب بين العملاقين الأمريكي والسوفييتي , بدأت حالة دولية جديدة تتسم بهيمنة الولايات المتحدة كقطب عالمي منفرد ومستند للقوة العسكرية والاقتصادية في محاولته للابقاء على هيمنته العالمية التي تثير حفيظة بعض القوى الكبرى حتى وإن لم تصل حتى الآن إلى حد الرفض الصريح والفعال والهيمنة التي تثير من ناحية أخرى رفضا وتحفظا في الدول النامية, وبالذات لدى الدول النامية الطامحة للقيام بدور دولي واقليمي قيادي والمتمسكة باستقلالية قرارها السياسي. ورغم أن حالة الهيمنة الأمريكية عالميا, لا ترقى إلى مسمى نظام دولي لأن مثل هذا النظام يفترض وجود مقبولية عالمية له ويفترض استقراره في الواقع العملي وتكوينه لأسس واضحة يستند إليها, إلا أن الولايات المتحدة التي أنهت الحرب الباردة بنصر سياسي كاسح على الاتحاد السوفييتي السابق, قد أنهت حالة التوازن والندية في العلاقات بين واشنطن وموسكو, وفتحت الباب أمام تطوير الولايات المتحدة لاستراتيجية جديدة ذات طابع هجومي إزاء روسيا التي تعتبر وريثة الاتحاد السوفييتي السابق, تقوم على استيعاب بعض حلفاء موسكو السابقين في المنظومة السياسية والعسكرية الغربية, وبالذات في حلف الاطلسي (بولندا, المجر, تشيكيا), وتقوم على شل الدور الدولي لروسيا, واظهارها بمظهر العاجز والذي لا دور له في أي قضية دولية إلا بإرادة واشنطن وفي الحدود التي تسمح بها, ومحاصرة الدور الروسي في صادرات السلاح الدولية وفي التعاون مع الدول النامية في المجالات الاستراتيجية عامة وبالذات في المجال النووي. وتتخطى الاستراتيجية الأمريكية ذلك إلى محاولة احتواء القوة النووية الروسية ومحاولة تفتيت المؤسسة النووية الروسية والسيطرة على العقول الروسية الفاعلة في المجال النووي. كما تقوم الاستراتيجية الأمريكية على الضغط الاقتصادي على روسيا لابقاء الاقتصاد الروسي الذي يعاني من اختلالات متنوعة يدور في دوامة الأزمة الطاحنة, وفي احتياج مستمر للمساندة المالية من الخارج بما يقترن بها من شروط سياسية واقتصادية تفرضها في النهاية الولايات المتحدة الأمريكية سواء لأنها في وضع مهيمن في المؤسسات المالية الدولية (صندوق النقد والبنك الدوليين) أو لأنها هي نفسها تشارك في تقديم بعض الدعم المالي المشروط لموسكو. الاستبعاد السياسي والتهميش العسكري يشكل الاستبعاد السياسي والتهميش العسكري لدور موسكو على الصعيد الدولي آلية رئيسية من آليات الاحتواء الأمريكي لروسيا مابعد الحرب البادرة, وهو مايجد تجسداته الواقعية في كل الملفات السياسية والعسكرية الدولية التي كانت موسكو لها دور فاعل فيها ثم تم تهميشه منذ انتهاء الحرب الباردة. وفي مقدمة هذه الملفات يأتي ملف الشرق الأوسط الرئيسي أي الصراع العربي الإسرائيلي الذي بدأت محاولات تسويته تحت رعاية أمريكية- سوفييتيه في مدريد قبل تفكك الاتحاد السوفييتي السابق, وسرعان ماتم استبعاد موسكو تماما على الصعيد العملي من التسوية السياسية بين العرب واسرائيل, وانفردت الولايات المتحدة بها تماما. وهذه التسوية تعبر بعمق حتى الآن عن الحالة الدولية مابعد الحرب البادرة, أي عن حالة الانفراد الأمريكي بالهيمنة عالميا. حيث تتم هذه التسوية بالشروط الأمريكية- الاسرائيلية على المسارين الأردني والفلسطيني, في حين أنها تجمدت على المسار السوري لأن سورية لم تقبل حتى الآن بتسوية قائمة على الاستجابة الكاملة للشروط الأمريكية - الاسرائيلية. وفي الشرق الأوسط أيضا مازالت الولايات المتحدة منفردة بادارة الملف العراقي بصورة تتسم بعدوانية مفرطة إزاء شعب العراق ودولته الموحدة, وهي تتجاهل المواقف الروسية من هذا الملف بصورة مهينة لموسكو التي لها موقف مختلف كثيرا عن واشنطن من العراق. وقد وصل الأمر خلال العدوان العسكري الأمريكي-البريطاني على العراق في ديسمبر الماضي, إلى تحول غضب موسكو من تجاهل واشنطن لها, إلى مواقف أزعجت واشنطن وساهمت في إنهاء عملياتها ضد العراق وتحولها من هجمات مكثفة أقرب ماتكون لحرب جوية, إلى عمليات الاستنزاف المتقطعة الراهنة, مع استمرار محاولة واشنطن لاحتواء موسكو ,الضغط عليها للاقرار بنمط الادارة الأمريكي المتعسف للملف العراقي. وفي أوروبا تجسد الاستراتيجية الأمريكية إزاء روسيا أقصى ضغوطها عليها بعد استيعاب عدد من دول شرق أوروبا ــ التي كانت ضمن الدول الأعضاء في حلف وارسو قبل انهياره ــ في حلف الأطلسي مع استبعاد روسيا من هذا الأمر ليس لخلافات سياسية بين النظامين في واشنطن وموسكو, ولكن نظرا لأن القوة الجبارة التي تملكها موسكو مازالت تخيف واشنطن من أن تتحول إلى قوة مهيمنة أو حامية لأوروبا كبديل للولايات المتحدة إن تم السماح لموسكو بدخول الأطلسي. وقد وصل الأمر إلى محاولة استيعاب بعض جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق داخل حلف الأطلسي وبالتحديد دول البلطيق الثلاث (ليتوانيا, لاتفيا, استونيا), مما أثار حفيظة موسكو التي وضعت خطا أحمر يتمثل في حدود الاتحاد السوفييتي السابق بحيث لا يتجاوز حلف الأطلسي هذا الخط وإلا وضع علاقاته مع موسكو على منحى عدائي. كذلك فإن الانفراد الأمريكي والغربي بادارة الملف اليوغسلافي في محاولة لعزل موسكو حتى عن اشقائها السلاف, قد أثار روسيا ,جعلها تقف بشكل قوي إلى جانب يوغسلافيا لتظهر لواشنطن ان المنطقة السلافية تدخل ضمن المنطقة المحظور تجاهل موسكو بشأنها. وعلى صعيد آخر تقوم واشنطن بمساع قوية لافشال الصفقات العسكرية الروسية مع الدول الأخرى لمحاصرة الصناعات العسكرية الروسية ودفعها نحو هاوية الإفلاس وتقويض نفوذها في سوق السلاح الدولي باعتبار أن هذه الصناعات شكلت دائما منافسا لنظيرتها الأمريكية, وساهمت بدور فعال في خلق الروابط بين الاتحاد السوفييتي في السابق وروسيا حاليا مع الدول الأخرى المتلقية للأسلحة الروسية. وقد ساهمت الضغوط الأمريكية المباشرة وغير المباشرة في إفشال صفقات لتصدير طائرات ميج 29 إلى عدد من دول جنوب شرق آسيا كما ساهمت في افشال صفقة صواريخ اس 300 المضادة للصواريخ والطائرات إلى قبرص. كما تقوم واشنطن بضغوط قوية على موسكو لمنعها من تصدير هذه الصواريخ المتطورة إلى سوريا. الملف النووي.. عاصفة الضغوط المستمرة يشكل الملف النووي الموضوع الرئيسي للاستراتيجية الأمريكية لاحتواء موسكو واضعاف دورها العالمي, فالولايات المتحدة تعتبر أن المكانة العالمية لروسيا تستند بالأساس إلى قدراتها النووية الهائلة التي تعادل تقريبا القدرات النووية الأمريكية. وترتيبا على ذلك فإن احتواء أو تهميش دور موسكو عالميا, لا بد وأن يبدأ بتقليص قدراتها النووية واحتواء قدراتها في هذا الشأن. وقد عمدت الولايات المتحدة والغرب عموما على إثارة الفزع بشأن ضعف قدرة روسيا المأزومة ماليا على حماية وتأمين ترسانتها النووية, خاصة في ظل ضعف الضبط الأمني فيها وانتشار العصابات المنظمة هائلة القوة فيها منذ انهيار النظام السوفييتي القديم, يعتمد الضغط الغربي علي روسيا في هذا الصدد, على إثارة المخاوف العالمية من تسرب الأسلحة النووية الروسية إلى الخارج بما يعني عمليا أن الترسانة الروسية بحاجة لمراقبة دولية. كما أن الدول الغربية والجهاز الاعلامي الغربي القوي والمؤثر عالميا, عمدا إلى التركيز دوما على أن التكنولوجيا النووية الروسية تتسرب للخارج أما بعلم الدولة ذاتها من خلال تعاونها مع دول أخرى مثل ايران أو من خلال عمليات التسريب غير المشروعة, التي تقوم بها بعض الشركات الروسية أو العصابات المنظمة. وعلى صعيد آخر تعتمد الولايات المتحدة والغرب في تقويض الأساس القوي للقدرات النووية الروسية, على اغراء العلماء الروس بالهجرة إلى الولايات المتحدة والغرب عموما خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تعيشها روسيا وتؤدي إلى وضع علمائها في وضع معيشي مزري لا يتلائم اطلاقا مع مكانتهم واحتياجاتهم الضرورية لمواصلة عطائهم العلمي. وتبقى الأزمة الاقتصادية الروسية هي ( كعب أخيل) أو نقطة الضعف الكبرى لروسيا التي تضغط الولايات المتحدة من خلالها لتحقيق استراتيجيتها لاحتواء موسكو وتحجيم دورها العالمي والاقليمي. الضغوط الاقتصادية لابقاء روسيا في دوامة الأزمة يعتبر الاقتصاد الروسي المأزوم هو نقطة الضعف الرئيسية لروسيا إلى جانب الحالة المزرية لنظامها السياسي المفكك والموزع الانتماءات سياسيا وايديولوجيا. وقد استخدمت الولايات المتحدة الوضع الاقتصادي الروسي المأزوم للضغط على موسكو من ناحية ولإطالة أمد الأزمة الاقتصادية الروسية من ناحية أخرى. وإذا كانت روسيا قد استمرت منذ تفكك الاتحاد السوفييتي في تحقيق نمو سلبي في ناتجها المحلي الاجمالي بنسب وصلت إلى 5.4% , 19.4%, 10.4%, 11.6% , 4.8%, 5% في أعوام ,1991 ,1992 ,1993 ,1994 ,1995 1996 فإنها ماكادت تبدأ في الخروج من دوامة الركود العميق وتحقق نموا ايجابيا طفيفا لناتجها المحلي الاجمالي بنسبة 0.9% عام ,1997 حتى بدأت هجمة من المضاربين الأجانب مما أدى إلى عودة الاقتصاد الروسي إلى دوامة الركود العميق ليحقق نموا سلبيا بنسبة 6 % عام 1998. وكانت المضاربة ضد العملة الروسية قد بدأت إثر مطالبة المضارب الأمريكي اليهودي ذي الأصل المجري جورج سورس بضروة خفض سعر الروبل الروسي مقابل الدولار الأمريكي والعملات الحرة الرئيسية الأخرى, وهو الطلب الذي دعمته الولايات المتحدة والمؤسسات المالية الدولية, ورفضته موسكو. وعلى إثر الرفض الروسي لهذا الطلب بدأت موجات المضاربة الأجنبية ضد الروبل بمشاركة فعالة من المافيا الروسية التي تحول العملة المحلية التي بحوزتها إلى عملات حرة لتهريبها للخارج. وقد انهار الروبل الروسي بعد أن استنزفت الحكومة الروسية احتياطياتها في محاولة دعمه الفاشلة. وحتى الآن فقد الروبل الروسي قرابة 74% من قيمته مقابل الدولار خلال مايقل عن عشرة أشهر من انفجار الأزمة في روسيا. كما فقدت الأسهم الروسية قرابة 94% من قيمتها مقدرة بالدولار خلال عام 1998. وخلال أزمتها الاقتصادية لم تتلق روسيا مساندة فعالة من الغرب أو من المؤسسات المالية الدولية, بل على العكس تلقت تحذيرات من العودة إلى النظام الاقتصادي القديم القائم على تحكم الدولة والتخطيط المركزي. كما استمر تيار تهريب الأموال من روسيا إلى الخارج وبالتحديد إلى الغرب بمباركة غربية وتغاض كامل عن أصول تلك الأموال, لأن خروج هذه الأموال يساعد على اضعاف الاقتصاد الروسي وعلى ابقائه في دوامة الأزمة وتسهيل تحقيق أهداف الاستراتيجية الأمريكية في اضعاف روسيا وتهميش دورها الدولي لتأكيد مكانة الولايات المتحدة كقطب عالمي وحيد. وتجدر الاشارة إلى أن الأموال التي خرجت من روسيا بالتهريب خلال الفترة من عام 1994 إلى عام 1997 بلغت نحو 66 مليار دولار وهو مايتجاوز كل ماتلقته روسيا خلال الفترة المذكورة من قروض خارجية بلغت نحو 58 مليار دولار. وإذا كان اضعاف روسيا اقتصاديا واضعاف قدراتها النووية واستبعادها سياسيا وعسكريا على المسرح الدولي, نشكل آليات رئيسية لتحقيق أهداف الاستراتيجية الأمريكية لاحتواء روسيا, وتهميش دورها الدولي, فإن ذلك لا يضع صورة نهائية للصراع على القوة والاستحواذ والتفوق النووي والفاعلية الدولية بين واشنطن وموسكو, لأن موسكو مقبلة على تغييرات سياسية في الانتخابات الرئاسية المقبلة التي من المؤكد تقريبا أن تشهد غياب يلتسين بولائه الشديد للغرب, وهي تغييرات يمكن أن تؤثر كثيرا على الصراع أو المباراة الأمريكية - الروسية, وتؤثر أيضا على صورة النظام الدولي بأسره.