النظرية الشائعة في مجال عمل المخابرات تقول بأن اجهزة المخابرات هي التي تحكم حقيقة بلدانها. والافتراضات المضمنة في تلك النظرية ليست صريحة كمنطوق النظرية العام اذا انها لا تعني تماما ان عناصر المخابرات القوية في القطر هي بالضرورة التي تحكمه , وانما التي تؤثر اكبر التأثير على عملية صنع القرار, والقرار الاستراتيجي بالذات, لانه من نوع القرارات التي لا يمكن ان تصنع اعتباطا, وانما عقب ترو طويل, وتأمل عميق في المعلومات والظروف والقدرات والبدائل وهذه كلها لا تهيئها إلا اجهزة معلومات استخبارية متخصصة, وذات كفاءة عالية. ومن الافتراضات المتضمنة في تلك النظرية ايضا ان عناصر المخابرات الاعلى والاقوى, تنزع دائما الى مضاعفة نصيبها في القوة وتسعى الى مزيد من التمكن, اما بابتزاز الحكام, او بالتآمر عليهم, وانتظار الفرص السانحة للاحلال محلهم, وقد برزت نماذج كثيرة بهذا الشأن اعلت من شأن ذلك الافتراض. وقد جاءت ابرز تلك الامثلة من بعض الدول الشمولية وفي طليعتها الاتحاد السوفييتي البائد, حيث اعتلى السلطة مباشرة بعد موت بريجنيف اثنان من قادة جهاز المخابرات السوفييتية KGB وكاد ثالثهما هو حيدر علييف رئيس KGB الاسبق ان ينازع جورباتشوف ويحتل مقام الرئاسة قبله, لولا ان لعب العامل القومي دوره, فأقصاه, اذ انه من اصول اسلامية أذرية, ولم يكن منتظرا لمن هو بمثل تلك الخلفية ان يجتاز مقررات التاريخ والثقافة القومية الروسية العريقة حتى ولو جاء من قمة هرم KGB. شابت ذلك الافتراض بعض المبالغات التي افزعت كثيرا من الحكام بشأن عناصر مخابراتهم, ودعتهم في كثير من الاحيان الى نصب مخابرات على المخابرات, اذ ان المخابرات نفسها قد غدت هاجسا خطرا, لا يقل عن الخطر الذي كلفوا بتقصيه واقصائه, ووقاية الحكومات منه. المخابرات وصناعة القوة ومبالغة النظرة في هذا الشأن كانت بالتأكيد على حساب النظرية ذات المعقولية الاكبر, وهي القائلة بأن اداء المخابرات الرئيسي, في مجال السياسة بوجه عام والسياسة العالمية والاقليمية بوجه ادق, هو الاداء المتصل بإعلاء مقام الدولة في مجال سياق القوى نحو الهيمنة والتحكم في السياسات العالمية والاقليمية. فالدولة ذات الافق المستقبلي المتصل بإمكانات حيازة القوة بعناصرها المختلفة, هي التي تسلط اجهزة استخباراتها بهدف جمع اسرار صناعة التسليح واسرار التجارة العليا, اما الدول المنكمشة فهي التي تسلط عناصر مخابراتها على افراد شعبها, لكتم انفاسهم او احصائها, ووضع تقارير كاملة عنها في السجلات. هذا النوع الثاني من المخابرات قديم قدم قيام الدول والممالك, وبخاصة ما كان ضعيفا منها ومحاطا بالمنازعات والمؤامرات, وتحكي كتب التاريخ قصصا كثيرة عجيبة في هذا الشأن, لعل اطرفها واغربها قصة ذلك الجهاز الاستخباري الضخم الذي اقامه الامبراطور (اكبر) الحاكم المغولي للهند, وهو الجهاز الذي تكون في ذلك الزمان الغابر من اكثر من اربعة آلاف جاسوس يوصلون كما هائلا من المعلومات الاستخبارية للامبراطور يعجز عن قراءته والاستفادة منه, أما النوع الاول من الاجهزة الاستخبارية فهي تلك المعنية بتحصيل امكانات القوة الاستراتيجية واقدم تلك الاجهزة على الاطلاق هو جهاز الاستخبارات البريطانية, الذي نشأ في 1909 ولم يسلط ذلك الجهاز على الشعب البريطاني, وانما على اقطار المعمورة الاخرى بقصد اختراق اجهزة اسرارها, واستلابها جميعا, وامتصاص كافة العلوم والخبرات والاسرار الصناعية والعسكرية والتجارية لتلك الاقطار. وسرعان ما انتبهت المانيا الى جدوى تلك الخطة الانجليزية فانشأت جهازها الاستخباري الحديث بنفس النمط في 1913 وتبعتها روسيا في 1917 ثم فرنسا في 1935 ثم الولايات المتحدة حديثا جدا في 1947 وقد تضخمت اجهزة استخبارات تلك الدول كلما ازداد بروزها, على المسرح العالمي وهنا يصوغ العالم السياسي الامريكي (باركنسون) قانونه المعروف للامن والذي يحمل اسمه وهو القانون القائل بأن شعور الدولة بعدم الامن يزداد كلما ازدادت قوتها فكلما اصبحت الدولة اضخم واقوى نفوذا كلما ازداد قلق زعمائها, وجماعات الصفوة فيها, وحتى سكانها على امنها القومي... ذلك لان انغماس تلك الدول في شؤون العالم وتدخلها في السياسة الخارجية لبعض الدول الصغيرة والوسيطة ـ يصبح امرا لازما واحيانا تبدو امثال تلك التدخلات ظالمة بنظر مواطني الدول الاخرى, الامر الذي قد يقود الى مجابهات امنية تتعرض لها مصالح الدول الكبرى, وتقودها بالتالي الى الاحساس المستمر بعدم الامن. اما الدول الصغرى والمحايدة كسويسرا والنمسا الخ.. فهي اكثر الدول تمتعا بمفهوم الامن الدائم, واكتفاء بالدور السياسي العالمي المحدود ان لم نقل المعدوم. تضخم اجهزة الاستخبارات وطبقا لذلك المفهوم اصبحت اجهزة المخابرات تتضخم بتضخم طموحات الدول على الصعيد العالمي, وتتضخم بالتالي اوجه الصرف على اجهزة المخابرات بحيث غدت صناعة الاستخبارات احد اضخم الصناعات العالمية, وأربحها في نفس الوقت, فارباحها لا تقاس بحدود, ولذا لا تبخل الحكومات على اجهزة الاستخبارات في ميزانيتها واكثر الدول المعروفة بالتدقيق في الميزانيات, وعدم التردد في ارسال من يتجاوزونها الى السجن الطويل, وهي الولايات المتحدة, لا حد يدري على وجه الدقة حدود ميزانية الـ C. I. A أو اجهزة استخباراتها الاخرى, ولا اساليب الصرف, المتبعة فيها ولكن يقدر بعض الخبراء ان ميزانية اجهزة الاستخبارات الامريكية ربما تجاوزت مائة مليار دولار, اما الـ KGB فإن الخبراء يقدرون ميزانيتها بمليار دولار, وفي بريطانيا تقول التقارير ان الصرف على اجهزة المخابرات لا يتجاوز مائة مليون جنيه استرليني فقط, ولكن يقدر بعض الخبراء ان المبلغ ربما يصل الى حدود ستمائة مليون جنيه استرليني. هذا ولم تؤد نهاية الحرب الباردة, ولم يكن منتظرا ان تؤدي الى تخفيض ميزانيات تلك الاجهزة الاستخبارية لان الحاجة اليها دائمة سواء في اجواء الحرب الباردة, او الصراع المستتر الساكن في ظلال ما يسمى بالنظام العالمي الجديد, ولعل خير ما يعبر عن هذا المعنى ما كان ذكره احد مديري الـ CIA للروس من ان افضل وسيلة لاستمرار السلم هي ان نعرف كل شيء عنكم, وتعرفوا كل شيء عنا. ولكي تتمكن الدولة من معرفة كل اسرار الخصم, فإن اجهزة الاستخبارات الرسمية مهما تضخمت لا يمكن ان تؤدي ذلك الغرض, ومن هنا اخذت اجهزة الاستخبارات العالمية والامريكية خاصة بتوسيع نطاق اعمالها لتشمل وكالات وادارات ومراكز اخرى تؤدي مهامها بالنيابة عنها, ومن هنا يمكن ان يفسر اتجاه الـ CIA للارتباط بكثير من الجامعات ومراكز البحوث في الولايات المتحدة, وفي اقطار اخرى كثيرة وتكليف تلك المراكز باجراء دراسات وعقد مؤتمرات وتوفير معلومات تحت مظلات وشعارات تبدو برىئة ويصعب المجادلة في اتجاه نثر الشبهات والاتهامات حولها, ولكنها في النهاية, كما يكتشف امرها لبعض الاسباب, تؤدي خدمات جلى لاجهزة الاستخبارات.. ويؤكد بعض اولى الشأن ان أكثر من ثمانين بالمائة من معلومات CIA تجمع بذلك الطريق, الذي لا يدري اغلب المتورطين فيه, انه ينتهي ليصب في اوعية اجهزة المخابرات. رجال الاستخبارات كأبطال قوميين. تنتهي تلك الضخامة الهائلة في عمل الاستخبارات الى ايد قليلة, هي التي تجمع كل الخيوط وتصوغ منها النسيج المعلوماتي المطلوب, وفي كتابه (جاسوس القرن) ينقل لنا الكاتب كوكريدج نصا عميقا من احد المذكرات الادارية التوجيهية لآلان دالاس المدير الاسبق لـ CIA حيث يقول (من اجل ان تصنع وكالة مخابرات خلاقة لابد ان تضع على مناصبها القيادية رجالا متخصصين بعمل المخابرات, يكرسون له عمرهم كله, باعتباره رسالة حياتهم, ومتعتها الكبرى ولا يطلبون مكافأة لعملهم اكثر من ذلك, ولذلك فإن العمل مهما طال في اجهزة الاستخبارات ينبغي ألا ينظر اليه على انه شهادة تقدير تنقل صاحبها الى مناصب عليا في الجيش او الادارة السياسية, انه النخبة القليلة التي تختارها لمناصب الاستخبارات القيادية, يجب ان تأتي من ذوي الحس الوطني المتقد, ومن عشاق القوة ومن غير عشاق الظهور, ومن هنا كان حرص الدول الكبرى لا يحد على جواسيسها الكبار او على نخبة رجال الامن فيها, فهم الذين يصنعون القوة حقيقة لمجتمعاتهم وينسقون مختلف المعلومات والاختراعات, وانواع التقنية, ويوجهون كل مفردة منها الى الاتجاه الصحيح. بهذا المفهوم يصبح رجال المخابرات ابطالا قوميين, لا اشباحا تزعج القادة السياسيين وتقض مضاجعهم, وما ذكره آلان دالاس من توجيه مبدئي لادارة المخابرات يحرص الكونجرس الامريكي على تطبيقه حرصا تاما فإدارة الـ CI A وان كانت تتبع لمجلس الامن القومي, كما ينص قانونها إلا ان الجهاز التشريعي يقوم بمراقبتها وضبطها وتوجيهها واستجوابها بصورة دائمة بحيث لا تتحول الى قوة مستقلة, او الى اضافة نوعية للجهاز التنفيذي في مقابل الجهاز التشريعي فتفسد بذلك مبدأ توازن السلطات, وهو مبدأ دستوري وعرف سياسي وامني عريق. السياق الاسرائيلي وقد ورثت اسرائيل, وهي تتطلع الى اداء دور الدولة الاعظم التي تسيطر على الدول العظمى, منطق تقديس الجواسيس واعتبارهم ابطالا قوميين, واذا كان الكثيرون قد حاولوا تفسير اصرار اسرائيل على تخليص عميلها امريكي الجنسية, يهودي الديانة, جوناثان بولارد واستقدامه الى اسرائيل على انه مجرد محاولة لرد الجميل الى شخصية في مقابل ما اسداه اليهم من خدمات, أو اظهار هيبة اسرائيل, واستعراض لعضلاتها, وتأكيد قدراتها النافذة في اوصال الكيان الامريكي, وبعث الاطمئنان في نفوس بقية جواسيسها, بأن مصيرهم لن يكون مظلما اذا تم اكتشافهم وزجهم بالسجن.. اذا كانت التفسيرات قد انتهت الى هذا الحد, فإنها لم تجاوز إلا الجزء السطحي من الحقيقة, القائلة بأن جوناثان بالذات كان جاسوسا لا يضاهى وانه كان بما اوصل من معلومات وبما يكتنز من معلومات بذاكرته الحديدية جاسوس اسرائيل الامثل على الاطلاق, فهو الجاسوس الذي كان مرجوا ـ ولا يزال ـ لان يسلم الى اسرائيل ادق اسرار الصناعات والمعلومات والشفرات الاستخبارية الامريكية, التي ستمكن اسرائيل من حيازة كل اسرار الجيش الامريكي, وخططه المستقبلية ولا تأتي مطالبة اسرائيل المستمرة باطلاق سراح جوناثان وتسليمه اياها إلا في سياق سعيها لاستلاب المعلومات العسكرية الامريكية, التي لا تزال ذاكرته تختزنها.. كما انه يصلح بالتأكيد لان يكون افضل مستشار للمخابرات الاسرائيلية في شؤون المخابرات الامريكية.