تنظر دول حلف الأطلسي, وبصفة خاصة الولايات المتحدة, الى الوضع السياسي والاستراتيجي في منطقة البلقان نظرة مختلفة عما تعلنه في هذا الشأن , فالهدف الرئيسي المعلن لبدء الحملة الجوية هو (منع توسع القتال والاضرار بالأمن الأوروبي) , خاصة مع سلطات حلف الأطلسي الجديدة بعد المرحلة الاولى من توسيع الحلف, اي منع تفجر حرب اكبر في المنطقة, كما أعلن الرئيس الامريكي بيل كلينتون, وقد نبع من هذا الهدف السياسي العام ثلاثة اهداف فرعية معلنة, هي: وقف اعمال العنف الصربية في اقليم كوسوفو, والحد من قدرة الصرب على شن الحرب, وإضعاف القدرة العسكرية للقوة المسلحة الصربية. ولتنفيذ ذلك حددت ثلاثة أهداف عسكرية هي: اسكات وسائل الدفاع الجوي لتأمين استكمال الضربة الجوية, وشل عناصر القيادة والسيطرة ومراكز المواصلات والاتصالات لاضعاف قدرة القيادة السياسية والعسكرية للصرب في السيطرة على القوات, وتدمير عناصر القوة العسكرية الصربية في كوسوفو, القوات المدرعة أساسا وأي قوات أخرى مخصصة لهذا الغرض. وخصصت للضربة ثلاثة أدوات رئيسية, تختلف مكوناتها طبقا للمرحلة العسكرية في هذا الشأن, وهذه الأدوات هي: الصواريخ الباليستية أرض ــ أرض (كروز ــ توماهوك) وقاذفات القنابل الثقيلة (ب 52 ــ ب 2), اضافة لقوة القاذفات المقاتلة (ف 15 ــ ف 16 ــ ف 17 (الشبح) ) ونظم اخرى للقوة الجوية ظهرت اخيرا في مسرح العمليات (الطائرة أ ــ ,10 الهليوكوبتر أباتشي قانصة الدبابات). هذا هو الجزء الظاهر من جبل الجليد العائم, ولكن يبقى السؤال: هل هذه الدوافع المعلنة هي فعلا الدوافع الأصلية لحلف الأطلسي لبدء حرب على هذا النطاق؟ في هذا الشأن هناك سؤالان اساسيان تعتبر الاجابة عنهما هي الاساس لتفهم دوافع حلف الأطلسي الأساسية في هذا الشأن, هل ما يحدث في منطقة البلقان يماثل ما حدث في منطقة الخليج في بداية التسعينات وما زال مستمرا حتى الآن وهل ما يحدث له علاقة بوضع الولايات المتحدة على قمة النظام العالمي الجديد ورغبتها في تطبيق استراتيجيتها الجديدة التي دفعتها في بداية التسعينات باستمرار تفوقها, وبالتالي لقضايا توسيع حلف الاطلسي قبل الانتقال لمناطق اخرى من العالم لتأمين مصالح الولايات المتحدة بها؟ سنحاول هنا اعطاء اجابة مختصرة لهذين السؤالين قبل الانتقال لتوضيح تصورنا لشكل استمرار العمليات العسكرية في البلقان, وبالتالي الهدف السياسي والاستراتيجي الحقيقي للولايات المتحدة وحلف الأطلسي, حيالها. لا شك ان هناك فروقا اساسية بين ما يحدث الآن في البلقان وما حدث من قبل في الخليج. فيوغسلافيا السابقة (بكل تفريعاتها) تقع على المسرح الاوروبي الذي هو منطقة مصالح حيوية وجوهرية لحلف الأطلسي, بينما يقع مسرح الخليج خارج هذا الاطار المباشر, ومن زاوية اخرى فإن الولايات المتحدة تمكنت بالفعل من تأمين مصالحها الحيوية في الخليج (النفط, كميات انتاجه, تسعيره...الخ) عن طريق تواجدها المباشر بالقوة المسلحة في مناطق انتاج النفط, بينما الامر في البلقان لا يدور في اطار هدف اقتصادي وانما هدف سياسي بالدرجة الاولى, ومن زاوية ثالثة فإن الابقاء على الرئيس العراقي في وضع ضعيف مسيطر عليه هو أمر مطلوب لأهداف استراتيجية وسياسية امريكية عدة في منطقة الخليج, بينما ازاحة الرئىس الصربي (ونظامه السياسي بكل ما يمثله) هو الأمر المطلوب في منطقة البلقان, والمزايدة الاخيرة في هذا الشأن هو ان اشتراك دول حلف الاطلسي في حل مشاكل المسرح الاوروبي يبدو اكثر منطقية (على الاقل نظريا) من اشتراكها المباشر في مسرح عمليات يقع (نظريا وعمليا) خارج نطاق تخطيطها السياسي والاستراتيجي. والخلاصة انه لا يوجد اي ارتباط بين المسرحين على اي وجه من الاوجه, الا ربما شكل العمل العسكري, وليس نتيجته. ففي حرب الخليج استمرت الحملة الجوية ثلاثة وأربعين يوما قبل بدء الحملة البرية التي كانت فيها قوات التحالف كأنها في نزهة بعد الوصول الى درجة معينة من تدمير وإسكات القوات العراقية, وفي حرب البلقان قد تستمر الحملة الجوية لنفس الفترة الزمنية (أو أقل أو أكثر) تمهيدا لاستخدام قوات الأطلسي في الهجوم البري الذي لا شك قادم. وتمثل تطورات حلف الأطلسي وبعد انتهاء الحرب الباردة الركيزة الثانية لهذا التحليل السياسي العسكري. فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وانقسام العالم الى معسكرين, غربي بقيادة الولايات المتحدة وشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي. أنشىء حلف الأطلسي عام 1949, اعقبه انشاء حلف وارسو بعد ذلك ونتيجة لانقسام المانيا الى دولتين, نشأ موقف استراتيجي وعسكري خطير في دفاعات الاطلسي في اوروبا, نتيجة لنشوء نتوء داخل المانيا في المنطقة الوسطى (Centeral Region) طبقا لتسمية الحلف, اشبه بوضع الضفة الغربية قبل يونيو 1967 بالنسبة لاسرائيل, وكان هناك جيبا آخر شديد الخطورة لحلف وارسو, حيث تأخر الاتحاد السوفييتي في تأمين جناحه الجنوبي (الممثل في اليونان وتركيا) حتى اواخر الاربعينات حيث بدأ العمل السري لتدعيم الاتجاهات الموالية له داخل اليونان الامر الذي دفع بحكومتها الى الاستنجاد بالرئيس الامريكي هاري ترومان, الذي وفر ما أطلق عليه في ذلك الوقت (عقيدة ترومان) (Trueman Doctrine) الدعم المادي والمبالغ اللازمة لتأييد اليونان وتركيا, وبدأت تظهر لأول مرة استراتيجية امريكية جديدة اطلقت عليها الولايات المتحدة (الاحتواء) (Containment), كان مهندس الرئيس مع بداية الخمسينات جون فوستر دالاس, وزير الخارجية الامريكية. بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الكتلة الشرقية وتفكك الاتحاد السوفيتي وتربع الولايات المتحدة على قمة التنظيم العالمي, كان هذان الدرسان في بؤرة اهتمام المخطط السياسي والاستراتيجي الامريكي, خلال التخطيط لتحقيق هدف استمرار تفوق الولايات المتحدة لاطول فترة ممكنة, فلتلافي نشوء المنطقة الوسطى كان التخطيط لتوسيع حلف الاطلسي يهدف الوصول الى حدود روسيا لمنع تحولها الى قوة عظمى مرة أخرى, ولتلافي خطأ الاتحاد السوفييتي في عدم تأمين جناحه الجنوبي كانت حرب البلقان الحالية. وقد درست الولايات المتحدة, وبالتالي حلف الاطلسي بعناية شديدة الطلبات المقدمة لها من دول اوروبا الشرقية للانضمام للحلف تطبيقا لمبدأ توسيعه, وبعناية شديدة ايضا اختيرت ثلاث دول للانضمام لحلف الاطلسي في المرحلة الاولى لتوسيعه, هما.. بولندا, التشكيك, المجر, والتي تقع يوغسلافيا جنوبها مباشرة. وبوضع الدرس السوفييتي في الاعتبار كان من الضروري تأمين الجناح الجنوبي لحلف الاطلسي (ممثلا في الاوضاع السياسية في يوغسلافيا), قبل المضي قدما اتجاه المرحلة الثانية من توسيع الحلف. وهو أمر سياسي يقع في الخلفية الذهنية للمخطط الامريكي, خلال تغيير اوضاع وطبيعة ومهام حلف الاطلسي استعدادا للتأمين الكامل للمسرح الاوروبي مثل نقل الجهود السياسية والاقتصادية والاستراتيجية للولايات المتحدة وحلف الاطلسي الى صرح آخر, هو في الاغلب الاعم المسرح الآسيوي الذي تقع فيه المصالح الامريكية والغربية عموما في المستقبل, اضافة للمسرح البكر في افريقيا. في اطار ذلك كله الاهداف الحقيقية للولايات المتحدة. قبل استكمال توسيع الحلف في اتجاه الحدود الروسية, تسعى لتأمين الجناح الجنوبي في يوغسلافيا, وتم تحقيق هذا الهدف سياسا واستراتيجيا من الناحية السياسية بدأ الحلف عمله مباشرة دون الحصول على تفويض من مجلس الامن الدولي, اضافة لضمان تحييد الموقف الروسي للعلاقات الاقتصادية الحالية مع روسيا, ودفع صندوق النقد الدولي للتوقيع على اتفاق جزئي معها. ومن الناحية الاستراتيجية, قامت القوات الجوية لحلف الاطلسي بتحقيق هدف عسكري هام هو (عزل مسرح العمليات لتحقيق الهدف الحقيقي غير المعلن للولايات المتحدة بتغيير الاوضاع السياسية في الجناح الجنوبي للحلف, والهدف المعلن من قبل وهو منع توسع القتال لعدم الاضرار بالامن الاوروبي. في اطار ذلك كله فان السيناريو الامريكي لادارة العمليات كان واضحا, ومنذ البداية اولا, تدمير الدفاعات الجوية ومراكز القيادة والسيطرة والمواصلات لفتح المسرح لعمل القوات الجوية, ثانيا الحد من قدرة الصرب على شن الحرب واضعاف القوة المسلحة الصربية. ثالثا, بعد الوصول الى نسبة تدمير واسكات معينه يبدأ دفع القوات البرية للحلف لحسم الموقف الاستراتيجي والسياسي. وفي اطار ذلك تم تدمير البنية التحتية للصرب, وكذا تدمير العديد من الاهداف الاستراتيجية التي تعرقل تحقيق اهداف الحلف. والسؤال الهام هنا هو: واين حقوق الانسان في كوسوفو, وماذا عن التطهير العرقي هناك؟ والاجابة المباشرة لذلك ان هذا الامر لا يخص الاطراف المتحاربة من بعيد أو قريب, فالاهداف السياسية فوق حقوق الانسان والديمقراطية ودعم المجتمع المدني التي تنادي بها الولايات المتحدة كأسس لنظامها العالمي الجديد, والتي تبين في نهاية الامر انها ادوات تحقيق السيادة الامريكية في العالم, والا أبدت الولايات المتحدة الاهتمام فيما يحدث من انتهاك لحقوق الانسان في رواندا وبوروندي والكونجو الديمقراطية, وغير ذلك من دول العالم الثالث.