بسرعة شديدة فرض بيزنس الترفيه نفسه على مجال المال والأعمال العربي... وفي سنوات معدودة قفز إلى قمة الاستثمار وبات أكثر المجالات جذبا لرؤوس الأموال الراغبة في الأرباح الخيالية ... فبعد سنوات طويلة من سيطرة العقارات والقرى السياحية والمساكن الفاخرة على مقاليد الأمور في مجال الاستثمار باعتبارها الأكثر ربحا جاءت المشروعات الترفيهية لتقلب الأوضاع وتعتلي القمة بلا منازع, لا سيما بعد اتجاه الحكومات العربية لتشجيع هذه النوعية من الاستثمار وازالة العقبات التي تعترضها بهدف توفير المليارات التي تستنزف سنويا في السياحة الخارجية. وعلى مدار السنوات القليلة الماضية تغيرت ملامح معظم العواصم والمدن العربية الكبيرة بعد أن توارت المطاعم الشعبية والمتاجر التقليدية أمام نظيرتها العالمية المدعومة من الشركات العالمية متعددة الجنسيات التي تحرص على ضخ عشرات المليارات من الدولارات سنويا في شرايين هذه النوعية من المشروعات. وامتلأت الشوارع الرئيسية في القاهرة وجدة ودبي والكويت وبيروت والاسكندرية ودمشق والدار البيضاء بسلسلة من مطاعم الأكلات السريعة ذات الطراز الغربي وعشرات من مدن الملاهي المبهرة التي تحاكي مثيلتها في الدول الغربية, ودور السينما الحديثة ذات الامكانات التكنولوجية المتطورة في مجال العرض السينمائي, وكذا المراكز التجارية الفاخرة التي تضم في جنباتها وأدوارها المتعددة كل شيء... وبات وجود أسماء (كنتاكي فرايد تشيكن) و(ماكدونالدز) و(بيتزاهت) و(ومبي) و(باسكن روبنز) في الاعلانات المضيئة فوق قمم أعلى المباني في الشوارع العربية إحدى سمات عصر العولمة, واقتصاد السوق والانفتاح الاستثماري. الخليج في الصدارة وحسبما يكشف تقرير لاتحاد الغرف التجارية والصناعية العربية, فإن دول مجلس التعاون الخليجي تأتي في صدارة الدول العربية في مجال الاستثمار الترفيهي.. متوقعا ان تتضاعف الاستثمارات الخليجية في هذه النوعية من المشروعات لتوفير المبالغ الضخمة التي تنفق سنويا على السياحة الخارجية. موضحا ان الاستثمار الترفيهي في دول مجلس التعاون الخليجي تزامن مع المشروعات التنموية الضخمة التي كان يتولى تنفيذ معظمها شركات أجنبية اعتاد العاملون فيها على نمط معين في الطعام السريع الذي لا يحتاج وقتا ولا يعطل العمل كما ان كثرة المشروعات وطول اقامة الشركات الأجنبية وعمالها في المنطقة كان يستلزم وجود هذه النوعية من المشروعات الترفيهية التي اعتاد الأجانب على وجودها وقضاء أوقات العطلات بها. وأضاف ان الاستثمار الترفيهي في دول مجلس التعاون الخليجي تركز في المراكز التجارية الفاخرة التي تحتوي على معظم احتياجات الأسرة العربية والأجنبية, وكذا مطاعم الأكلات السريعة والفنادق الفخمة. مشيرا إلى ان هذه النوعية اشتهرت بها مدن معينة في الخليج وفي مقدمتها مدينة دبي التي ما زالت تحتل صدارة المدن العربية كمركز تجاري عربي واقليمي ودولي بما تضمه من مراكز تجارية عالمية ومهرجانات للتسوق ودور سينما متطورة وفنادق على أرقى مستوى وملاه تضاهي نظيرتها العالمية في ديزني لاند. 350 مشروعا في السعودية وحسب بيانات واحصاءات الغرفة التجارية الصناعية بجدة, فإن واقع الاستثمار في الترفيه والتسلية متميز ويحتل مكانة متقدمة في قائمة المجالات الاستثمارية المختلفة, مشيرة إلى ان حجم الاستثمار السعودي في المشروعات الترفيهية حتى نهاية العام الماضي تجاوز 25 مليار ريال موزعة على نحو 350 مشروعا بالاضافة إلى مشروعات أخرى قيد التنفيذ من المتوقع أن تنتهي خلال عامين تبلغ استثماراتها 18 مليار ريال موضحا ان لبيزنس الترفيه في السعودية رموزه ورجال الأعمال المتخصصين فيه والذين اكتسبوا خبرة يعتد بها في هذا المجال منهم رجل الأعمال الشهير عبدالمحسن الحكيم الذي يمتلك عددا كبيرا من أشهر مدن الملاهي والمنتزهات الساحلية السعودية باستثمارات ضخمة تضعه على قمة المستثمرين, في هذه النوعية من المشروعات بمنطقة الخليج بصفة عامة, ورجل الأعمال المعروف عبدالعزيز النويصر رئيس اللجنة السياحية بغرفة جدة والذي يمتلك ويدير سلسلة مشروعات النويصر الترفيهية التي تنتشر في معظم المدن السعودية. ورغم تسجيل معظم المجالات الاستثمارية لتراجع واضع خلال السنوات الأخيرة بمنطقة الخليج نتيجة تقلبات أسعار النفط, الا ان هذه العوامل التي ساهمت في تراجع الاستثمارات كانت هي المحفزات التي شجعت على الاستثمار في مجال المشروعات الترفيهية لأسباب عديدة تتشابك وتتجمع لتفتح آفاقا مستقبلية رحبة لهذه النوعية من المشروعات.. حيث أشار خبراء الاقتصاد والمال ان الأوضاع الاقتصادية الراهنة في معظم الدول العربية بسبب تراجع أسعار النفط تحتم ضرورة ترشيد الانفاق وتوجيه الاستثمارات للداخل. وأوضحوا ان السياحة الخارجية العربية تستنزف أموالا ضخمة سنويا تتجاوز مليارات الدولارات وان استثمارات بيزنس الترفيه والتسلية باقامة مدن الملاهي والمنتزهات والمراكز التجارية الضخمة وصالات الألعاب الرياضية المختلفة ربما تكون وسيلة جذب يمكن من خلالها اقناع السائح العربي بقضاء اجازته في السياحة الداخلية.. وشددوا على ان نجاح هذه الاستثمارات في هذه المهمة سيوفر نحو 20 مليار دولار سنويا ينفقها العرب في جولاتهم ورحلاتهم السياحية الخارجية. وفي مسيرتها للارتقاء بالخدمات الترفيهية شهدت المدن السعودية الرئيسية ومنها الرياض وجدة والدمام وأبها والطائف هجمة سريعة ومكثفة للمطاعم العالمية المعروفة ومدن الملاهي والمنتزهات الواسعة والمراكز التجارية التي تضاهي وتتفوق في بعض الأحيان على نظيرتها العالمية. مصر أكثر انتعاشا وإذا كان الخليج صاحب الزيادة في الاستثمار الترفيهي, فإن مصر باتت من أكثر الدول العربية انتعاشا في هذه النوعية من الاستثمارات التي يقودها نخبة من رجال الأعمال المعروفين يسعون لجعل مصر مركز الترفيه الرئيسي في المنطقة.. فقد تزامنت جهود الحكومة المصرية في انعاش حركة السياحة الوافدة لمصر مع انطلاق عشرات المشروعات التي تنتمي لمجال الاستثمار الترفيهي في اطار استكمال عناصر الجذب السياحي ومنها المطاعم الفاخرة التي تجاوز حجم الاستثمار في مشروعاتها نحو خمسة مليارات جنيه ويقف خلفها فكر استثماري منظم يستهدف تلبية الطلب القادم من الطبقة فوق المتوسطة التي تطمح إلى أسلوب المعيشة الغربي بمطاعمه الفاخرة والملاهي المبهرة ودور سينما السيارات والمراكز التجارية الفاخرة التي تقام على مساحات ضخمة لكي تحوي بداخلها كل التيسيرات التي يمكن تخيلها بداية من ملابس ولعب الأطفال مرورا باكسسوار السيارات والأثاث والملابس والعطور وأدوات الزينة ونهاية بالمطاعم ودور السينما والمسارح وصالات البولينج. وحسبما أوردت هيئة الاستثمار المصرية فإن التكلفة الاستثمارية في هذه النوعية من المشروعات تجاوزت 28 مليار جنيه توزعت بواقع خمسة مليارات جنيه للمطاعم الفاخرة والأخرى التي تقدم الأكلات السريعة مقابل سبعة مليارات جنيه للملاهي الجديدة. وعشرة مليارات جنيه للمراكز التجارية المنتشرة في القاهرة والاسكندرية و5.1 مليار جنيه لصالات البولينج وثلاثة مليارات جنيه لدور السينما وحوالي 5.1 مليار جنيه للمنتزهات الجديدة في المدن السياحية التي غطت الساحل الشمالي والغردقة. ويعتبر رجال الأعمال نجيب ساويرس أحد أقطاب هذا النشاط الاستثماري حيث أسس سلسلة من المطاعم الفاخرة في القاهرة ولديه حتى الآن خمس دور عرض من خلال شركة نهضة مصر للسينما التي أسسها قبل 18 شهرا برأسمال 200 مليون دولار, بالاضافة إلى ست شاشات عرض أخرى وحوالي 20 شاشة عرض في محافظات مصر المختلفة. بخلاف الانفاق مع المنتجين لتوزيع افلامهم والسعي لتنفيذ مشروع مدينة السينما على مساحة 100 ألف متر مربع بمدينة 6 اكتوبر بتكاليف استثمارية 750 مليون جنيه. ومن دور السينما والمطاعم التي امتلأت بها القاهرة والاسكندرية إلى المراكز التجارية التي شهدت انتشارا واسعا وتضاعفت في السنوات القليلة الماضية مع عودة أعداد كبيرة من المصريين الذين عملوا لسنوات طويلة في دول الخليج واعتادوا على توفر هذه النوعية من الخدمات. بالاضافة إلى زيادة اعداد السياح العرب والأجانب الوافدين لمصر سنويا لا سيما بعد انحسار موجة الارهاب الطاردة للسياحة. وكذا فإن المراكز التجارية التي تجاوز عددها في القاهرة نحو 15 مركزا وجاري انشاء خمسة مراكز تجارية أخرى تعتبر مكانا مناسبا للأسرة كلها لقضاء وقت طيب وبتكاليف معقولة لا سيما وان القائمين عليها حرصوا على توفير كافة عناصر الجذب لها بالطريقة التي تتيح لكل أفراد الأسرة الاستمتاع بقضاء يوم كامل داخل (المول) دون شعور بالملل. 5 مليارات جنيه للملاهي أما مدن الملاهي فقد استقطبت خمسة مليارات جنيه من المستثمرين حيث تم افتتاح أكثر من عشر مدن ملاهي في أقل من ثلاث سنوات, يرتادها نحو 100 ألف زائر يوميا.. ومع ذلك تشير بعض الدراسات الى ان السوق بحاجة لمضاعفة هذا الرقم.. فقد شهدت السنوات الأخيرة اهتماما كبيرا بهذه الصناعة كمنتج ذي مواصفات عالمية حيث تم افتتاح مدن الانتاج الاعلامي و(دريم بارك) وهي الأكبر على الاطلاق وأنشئت في اطار مدينة دريم لاند التابعة لمجموعة رجل الأعمال الدكتور أحمد بهجت, ويليها من حيث الحجم مدينة (جيرو لاند) أقامتها شركة المهندسين المصريين والتي أسسته الحرية مول, ثم مدينة (وندر لاند) التي يخطط أصحابها لاقامة سلسلة من المدن الأخرى تحمل نفس الاسم بمحافظات مصر. وحسبما يرى المهندس عمرو عسل المدير التنفيذي لمدينة (دريم لاند) فإن الاستثمار في هذا المجال بات مطلبا ملحا وضرورة تحتمها مقتضيات انعاش السياحة المصرية والعربية. مؤكدا ان مدن الملاهي وكافة الخدمات الترفيهية الأخرى تعتبر من أهم عناصر الجذب السياحي, وبالتالي فإن الاهتمام بها يصب في مصلحة الاقتصاد القومي علاوة على انها تدر أرباحا عالية في حالة انتعاشها. مشيرا إلى ان الأرباح الكبيرة مناسبة لهذه المشروعات التي تحتاج لتكاليف ضخمة ومخاطرة من رجال الأعمال وكان طبيعي أن يكون هناك ثمن لهذه المخاطرة. اهتمام متأخر وأضاف ان الاهتمام العربي بهذه النوعية من الاستثمارات جاء متأخرا وكان الاعتقاد ان السياحة مجرد آثار ومعالم تاريخية ومتاحف. مشيرا إلى ان هذا الاعتقاد الخاطئ أدى لتجاهل الاستثمار في مكونات الجذب السياحي الأخرى والمتمثلة في الفنادق الضخمة والخدمات الترفيهية الأمر الذي أهدر عوائد كبيرة وكثيرة كان يمكن الحصول عليها. موضحا ان الاستثمارات المصرية والعربية في مجالات الترفيه والتسلية تتم بشكل منظم وفكر محترف بعيدا عن العشوائية حيث ان مدينة (دريم لاند) لم تستهدف عند وضع خطط انشائها تغطية السوق المحلية المصرية فقط وانما الانتقال التدريجي بمصر لتصبح عاصمة للترفيه والسياحة والجذب العالمي كما هي عاصمة للثقافة. وقال ان الأيام التي يقضيها السائحون في مصر عادة ترتبط بالمزارات السياحية حيث تنتهي بمجرد زيارة هذه الأماكن غير ان هذه النوعية من المشروعات وغيرها المكمل لها من دور سينمائية متطورة ومراكز عالمية للتجارة ومطاعم فئة خمس نجوم وملاه على نمط ديزني لاند يمكن أن تبقي السائحين لفترة أطول.. موضحا ان عدد الملاهي في مصر حاليا لا يغطي سوى الطلب المحلي بدليل انها تعجز عن استيعاب الرواد في المواسم كالأعياد والعطلات. توسع في البحرين وفي البحرين تتجاوز استثمارات بيزنس الترفيه مليارات الدولارات, يشارك فيها رجال أعمال خليجيون وشهد هذا النوع من الاستثمارات اهتماما بالغا وتوسعا ضخما عقب افتتاح جسر الملك فهد الذي يربط البحرين بالسعودية ويتيح لسكان دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى الوصول بسياراتهم إلى البحرين. ورغم تكدس هذه النوعية من الاستثمارات في البحرين الا ان السوق البحرينية - كما يتوقع خبراء الاقتصاد - ستشهد توسعا كبيرا في السنوات المقبلة وستستوعب استثمارات جديدة لا سيما مع احتفاظ البحرين بجاذبيتها كأحد مقاصد السياح في دول مجلس التعاون الخليجي. ويخطئ من يظن ان الاستثمارات الترفيهية انتعشت في الخليج ومصر فقط, حيث بدأت سوريا في استقبال بيزنس الترفيه. وبدأت السوق السورية تتلمس ببطء تجربة مطاعم الوجبات السريعة, ويقول محمد الملاح رئيس اتحاد الغرف التجارية السورية في حلب انه جرى العام الماضي افتتاح سلسلة من المطاعم منها مطعم كنتاكي برأسمال سوري - كويتي مشترك, بالاضافة لمدينة ملاه برأسمال سوري - سعودي مشترك.. مشيرا إلى انه سيتم اقامة مدينة أخرى في حلب, وان الاستثمار الترفيهي لم يستطع الدخول في مجال دور السينما حيث ان الدولة تحدد رسوم الدخول لتلائم الجمهور. تحذير من الهرولة وبينما تدور حركة بيزنس الترفيه وتتضاعف مشروعاتها في مختلف الدول العربية, نجد ان بعض خبراء الاقتصاد يحذون من الافراط في ضخ رؤوس الأموال والاستثمار في هذه النوعية من المشروعات حتى لا تتكرر نتائج تجربة الهرولة تجاه الاستثمار العقاري الذي ابتلع في مصر بمفردها نحو 25 مليار جنيه, دون أن يكون هناك عائد اقتصادي حقيقي, حيث أدى الافراط في هذه النوعية من الاستثمارات إلى حدوث مضاربات وانهيارات مفاجئة وتداعيات سلبية عديدة. ويرى الخبراء ان هذه النوعية من المشروعات التي تحتاج لرؤوس أموال ضخمة مرتبطة بارتفاع مستويات الدخل, بمعنى ان الشرائح العليا في المجتمع هي فقط التي تلجأ إلى وسائل الترفيه والتسلية بعد اشباع حاجاتها الأساسية الأخرى. ويقول الدكتور حمدي عبدالعظيم ان الشريحة التي تستطيع التردد على وسائل الترفيه والتسلية بانتظام لا تتجاوز 2% من اجمالي القوى العاملة في مصر البالغة 18 مليون مواطن, وان هذه النسبة لن تكفي سوى لتشغيل 15% من طاقة هذه المشروعات. كما ان السياحة القادمة لمصر من النوعية التي لا تنفق إلا القليل ومرتبطة ببرنامج محدد سلفا ومصاريف معينة وكذا فإن السياحة العربية موسمية ومن غير المنطقي رهن مشروع على زيارات موسمية لا تستغرق سوى عدة أسابيع من السنة كلها. القاهرة ــ مكتب (البيان) ــ يوسف شاكر