على الرغم مما يشاع بين الحين والآخر اسرائيليا وأمريكيا, حول اعادة اطلاق المسار التفاوضي بين اسرائيل وسوريا, وانه يوجد بعض الالتزامات الشفوية لبعض الحلول من الجانب الاسرائيلي , والتي قد تؤدي الى معاودة المفاوضات, إلا ان المتتبع لعملية السلام الشرق أوسطية ــ والتحركات الأمريكية ــ لابد انه يدرك حجم التعقيدات والصعوبات الكبيرة التي تواجه المسار التفاوضي بين سوريا واسرائيل. فبعد فوز ايهود باراك وهزيمة المتطرف نتانياهو عاد الجولان الى دائرة الضوء, ولا غرابة في الامر لان سوريا لديها دوافع قوية جدا للولوج في العملية التفاوضية على أرضية استعادة اراضيها المحتلة بشكل كامل غير منقوص, لكن هذه الدوافع لا تحتم على سوريا ولو للحظة الاقدام على المخاطر السياسية التي قد توصلها الى ما اعتبرته منذ البداية بالمحرمات ولا تزال, مستندة بذلك الى الموقف الاسرائيلي المتجدد الذي يضع المشكلات, الجغرافية ــ الامنية, الاساس الوحيد من دون اعطاء أية فسحة للنقاش والتي من شأنها ان تؤسس الى ارادة صادقة قد تؤدي الى الانسحاب من الجولان السوري المحتل. فحكومة العمل السابقة برئاسة اسحق ــ بيريز حاولت جاهدة رغم التصريحات الرنانة فيما يخص مسألة السلام, تفادي التقدم ولو بخطوة واحدة باتجاه الحل السياسي على المسار السوري ــ الاسرائيلي, معتبرة ان القضية الامنية فوق كل اعتبار ووقفت وراء مقولة (انسحابات في الجولان) من دون اعطاء أي تفسير. وجاءت حكومة الليكود بتحالفها اليميني المتطرف لتنقلب حتى على ما كان العمل يطرحه مثل الانسحابات الجزئية ــ ووضع عقبات اضافية لوقف أية مفاوضات جادة على طريق الحل سواء كانت شكلية مجوفة من مضمونها أو موضوعية, والعودة بالمفاوضات الى نقطة الصفر, بل أكثر من ذلك بضرب الأسس التي قامت عليها مفاوضات مدريد, بهدف كسب عامل الوقت وتغيير المعطيات الامنية والمستقبلية. وقد تكون أهم هذه العقبات, اطلاق حمى الاستيطان المكثف في الجولان, لما يتصف به من خصائص ومميزات من دون غيره من الاراضي التي احتلت في العام 1967 باستناء القدس, اذ يستحوذ الجولان على الشروط الاستيطانية, ومن المغالطات الاسرائيلية المتعمدة ان الجولان مجرد هضبة في الوقت الذي يدرك جميع قادة اسرائيل والحركة الصهيونية منذ عقود أهمية الجولان من النواحي الاستراتيجية والامنية والاقتصادية وكل شروطهم التعجيزية منذ مؤتمر مدريد وحتى الان انما تنطلق من تلك الاهمية من مختلف جوانبها. فمنطقة الجولان اقليم يتشكل من مجموعة هضاب ومرتفعات ووهاد وأودية وهو يمتد على مساحة اجمالية تقدر بـ 1860 كم2 والجزء المحتل منه يعادل 1150 كم2. وتتجه الانظار نحو هذه المنطقة لان امال السلام في الشرق الاوسط تتعلق بها, ومنها ينطلق السلام كما كانت منطلقا للحروب والاشتباكات العسكرية منذ عام 1948. والجولان هو واحد من ثلاث عشرة محافظة سورية وعاصمته القنيطرة التي دمرتها القوات الاسرائيلية في عدوان عام 1967. ويقع في الجنوب الغربي من سوريا ويشرف على فلسطين وبحيرة طبريا نحو الغرب وعلى نهر الاردن من الجنوب ليصل الى الحدود الاردنية عبر منطقة الحمة. ويعبر المعلق الاسرائيلي (زيف شيف) عن أهيمة هضبة الجولان السورية بالنسبة لاسرائيل في محاضرة القاها امام معهد واشنطن لسياسات الشرق الاوسط بالقول: (ان قيمة الجولان العسكرية هي من الناحية العملية فقط ويهمنا على وجه الخصوص امران: ــ حماية الجليل. ــ الدفاع عن مصادر المياه كحاجة استراتيجية مطلقة وبكلمة اخرى: البقاء لاسرائيل من ناحية المياه). ان سوريا, ومع موافقتها على بحث جميع المواضيع التي ترغب اسرائيل في بحثها, اوضحت بجلاء وتكرار خلال المفاوضات التي توقفت منذ ثلاث سنوات وبعدها انها لن تلتزم بأي اجراء أو خطوة قبل التزام اسرائيل بالمبدأ الاساسي بشأن انسحابها الى حدود الرابع من يونيو. والمعروف ان اسرائيل في تلميحاتها الى الحجم المحتمل لانسحابها, والتي اطلقتها تحت مبدأ (عمق الانسحاب يوازي عمق السلام) ترفض العودة الى حدود الرابع من يونيو وتطرح ما تسميه بالحدود الدولية أي تلك التي رسمتها اتفاقية سايكس بيكو عام 1916. ومن رحم هذا التناقض ازاء حدود الانسحاب, تتولد جملة من التناقضات الاخرى لا تقل أهمية أو هي بمثابة الغام مؤجلة لم يتم اقتحامها بعد وقد تثور عند أول تصادم تفاوضي الامر الذي قد يوقف من جديد مسار المفاوضات, وهذا ما كانت تسعى الدبلوماسية الأمريكية الى تجنبه عبر مساعدة الطرفين على طرح المزيد من التصورات والاحتمالات بشأن الحلول الممكنة. ان الالغام المقصودة تتمثل بشكل اساسي ــ اضافة الى حدود الانسحاب وجدوله الزمني ــ في قضايا الترتيبات الامنية وتقاسم المياه وحجم التطبيع ومداه وجدوله الزمني. والفارق بين الحدود الانتدابية التي تعرض اسرائيل الانسحاب اليها, وحدود الرابع من يونيو التي تطالب بها سوريا هو نحو 64 كلم2 من اجمالي مساحة الجولان البالغة 1860 كلم2 وتضم ما وصف بالجولان الفلسطيني النافع حسب بعض وسائل الاعلام الاسرائيلية الذي يشتمل بشكل اساسي على منطقة الحمة ذات الأهمية المائية والسياحية. وكانت الحمة قد اضيفت الى حدود فلسطين الانتدابية عام 1923 وفق اتفاق (نيوكسب بوليه) بين فرنسا وبريطانيا الذي جاء في اطار اتفاقية سايكس بيكو. وانسحبت قوات الاحتلال البريطاني من هذه المنطقة في يناير ,1948 وبعد ان فشلت عصابات الهاغاناة في التسلل اليها بسب مقاومة أهل المنطقة, دخلتها القوات السورية في مايو 1949 وبقيت فيها حتى توقيع اتفاقية رودس عام 1949 التي قضت باعتبار الحمة منطقة مجردة من السلاح, فانسحبت القوات السورية الى المناطق المحيطة بها حتى عام 1952 حيث عاودت دخولها بعد ان سيطرت القوات الاسرائيلية على اجزاء واسعة من المناطق المجردة بلغت ضعف ما سيطرت عليه القوات السورية. وظل هذا الحال حتى عدوان يونيو 1967. وكانت سوريا قد اوضحت مرارا انها لن تقبل أي اتفاق لا يعيد اليها مرتفعات الجولان كاملة, وكان آخر ذلك تصريحات وزير خارجيتها فاروق الشرع الذي قال فيها انه لو انسحبت اسرائيل من كل الجولان باستثناء شبر واحد احتلته عام 1967 فكأنها لم تنسحب ابدا. اما اسرائيل فتبحث في شتى الاتجاهات من اجل العثور على صيغة لا تعيد بموجبها كامل الجولان الى سوريا, أو تستبقي على الاقل نوعا من الوجود لها هناك, مع الاعتراف الاسمي بالسيادة السورية وهذا ما رفضته دمشق وسترفضه في حال نجاح الادارة الأمريكية في احياء عملية السلام واستئناف المفاوضات على المسار السوري ــ الاسرائيلي. دمشق ــ يوسف البجيرمي