تشهد القاعة العامة في مجلس النواب اللبناني مواجهات حادة بين المجلس والحكومة في الجلسة العامة التي سيعقدها يومي غد وبعد غد (26 و27 الجاري), ويقول المتبعون للمواقف المتضاربة مؤخرا بين رئيس المجلس نبيه بري والحكومة سليم الحص , خاصة تجاه تناقض نظرتيهما حياد قضايا حيوية وحساسة مثل خصخصة القطاع العام كمبدأ من جهة, او سبل تطبيقها من جهة اخرى, ان الامر سيخرج الجلسة العامة عن سكة جدول اعمالها المحدد والمعلن لتتطرق المناقشات الى السياسة العامة للحكومة, ما سيدفع بالرئيس بري, كما تتوقع مصادر نيابية, الى الطلب من النواب التركيز على انجاز جدول الاعمال على ان تتم المناقشة العامة للحكومة اثناء درس المجلس لمشروع موازنة العام 1999 قريبا. في ذات الوقت الذي من المتوقع ان تستحوذ فيه قضية الملحقين الاغترابيين على جانب كبير من النقاشات. ويتضمن برنامج جلسة اليومين 33 بنداً منها 22 مشروع قانون, و9 اقتراحات قوانين, وبندان عامان, اولهما انتخاب اعضاء (المجلس الوطني للاعلام) وثانيهما ملء المراكز الشاغرة في بعض الوظائف الفنية في ملاك وزارة الثقافة والتعليم العالي (المديرية العامة للاثار) عن طريق المباراة المحصورة بين الموظفين الدائمين والمتعاقدين والاجراء العاملين فيها. وفي رأي المصادر النيابية ان النقطة الابرز في جدول الاعمال والتي سوف تستحوذ على النقاشات النيابية الاوسع من بين بنود الجدول, هي ما تتعلق بقضية الملحقين الاغترابيين. فقد برزت ملامح استغراب دبلوماسي في وزارة الخارجية لادراج اقتراح قانون معجل مكرر بمادة وحيدة قدمه تسعة نواب يرمي الى نقل الملحقين الاغترابيين من ملاك وزارة المغتربين الى السلك الخارجي في ملاك الخارجية. ويرى سفراء في قصر بسترس (مقر وزارة الخارجية) انه اذا مرّ هذا الاقتراح فهو سيعدّ تجاوزاً للمؤسسات التي يعاد تأهيلها, واذا كان صحيحا ان وزارة المغتربين ستدمج بوزارة الخارجية فان السؤال المطروح, لماذا اقرت موازنة وزارة المغتربين في المشروع الجديد للموازنة؟ ويضيف هؤلاء السفراء انه في ضوء الاتجاه الحكومي الى دمج وزارة المغتربين بوزارة الخارجية يجب ان يتم ذلك باشراف اجهزة الرقابة والمؤسسات لمجلس الخدمة المدنية والابحاث والتوجيه وفقا للقوانين والانظمة لدرس مصير الملحقين وموظفي الوزارة. ويعيد السفراء انفسهم الى الذاكرة المعارضة القوية لاقتراح وزير الخارجية السابق فارس بويز عام 1997 عندما حاول اجراء امتحان للدبلوماسيين الجدد الراغبين في دخول السلك الدبلوماسي في وزارة الخارجية وخلافا لنظام المباريات المتبع حتى الان. وجاء في مطالعة مجلس الخدمة انذاك: (ان مجلس الخدمة المدنية يرى انه لايجوز اطلاقا ان تلجأ كل ادارة الى اجراء مباريات وامتحانات خاصة بها للتعيين في وظائفها والا عاد الامر كما كان قبل عام 1959, وفقد مجلس الخدمة المدنية بالتالي مبررا اساسيا من مبررات وجوده) . وتساءلت المطالعة: لماذا هذا الالحاح في جعل الملحقين الاغترابيين دبلوماسيين, فهم لم يجتازوا اي امتحان عبر مجلس الخدمة المدنية, بل تعاقدوا مع وزارة المغتربين, ثم ثبتوا عندما رفض الوزير بويز تعيينهم وكان عددهم 23 ملحقا, وتدنى عددهم الى 19 بعد دخول اثنين الى السلك الدبلوماسي بمباراة, فيما استقال اخرون, والدول التي حاولت وزارة الخارجية الحاقهم بالسفارات فيها لم تتجاوب مع مسعاها كالبرازيل, لانه لا وجود لقانون دولي ينظم وضع مايسمى (الملحق الاغترابي) , وبالتالي لن يكون له اي حصانة كما للدبلوماسي. وتكشف بعض المصادر ان عددا من النواب التسعة الذين شاركوا في وضع الاقتراح, ادركوا لاحقا خطورة امراره في مجلس النواب, وابلغوا ذلك الى عدد من الدبلوماسيين الذين راجعوهم ولفتوا الى انعكاساته السلبية. وتذكر المصادر تلك نفسها ان واحدا من الملحقين كان يعمل موظفا محليا في وحدة السفارات اللبنانية وهو متهم باختلاس اموال. وتستبعد المصادر ايضا ان يقبل رئيس الوزراء سليم الحص, بصفته وزيرا للخارجية, هذا التجاوز القانوني. استحضار الخصخصة وتبقى قضية مركزية اخرى في العلاقة بين البرلمان والحكومة سيتم استحضارها عبر مناقشات بعض النواب حول بنود جدول الاعمال, وهي تتعلق بالموقفين الحكومي والنيابي المتضاربين بشأن كيفية اعتماد الخصخصة, وان كان الطرفان, متفقين عليها من حيث المبدأ. يكرر رئىس مجلس النواب نبيه بري امام اعضاء المجلس قوله انه: (ليس واردا ابدا) اعطاء الحكومة صلاحيات استثنائية, وبالتالي فإن المجلس لن يوافق على أي مشروع يتضمن مثل هذه الصلاحيات (مشيرا الى ان كل موضوع حول خصخصة قطاع معين يجب ان يحدد ويمر على حدة) : اي بالمفرق وليس بالجملة وفق تعبير برّي. وجاء هذه الموقف من رئيس المجلس ردا على اتجاهات وزارية تدعو الحكومة الى طلب منحها صلاحيات استثنائية تمكنها من تطبيق مايلزم بشأن اعتماد الخصخصة من دون الرجوع الى مجلس النواب. واعتبر رئيس الحكومة الدكتور الحص ان موقف بري موجه ضده بالدرجة الاولى لانه يعتبر ان لامجال لانقاذ الاقتصاد اللبناني, بعدما آلت اليه أوضاعه, الا باعتماد خصخصة شبه كاملة, وتحديدا في القطاعات الانتاجية العامة التي يفترض ان تعزز واردات خزينة الدولة, لكنها لاتقوم بهذه المهمة بما هي عليه من وضع حاليا. ويقول الحص: (مايضّر ان تمنح الحكومة صلاحيات استثنائية في مجال الخصخصة طالما اننا جميعنا متفقون على المبدأ) , ويضيف قائلا: (اننا نعلق أهمية كبيرة على موضوع الخصخصة, ومن المعروف ان الحكومة في صدد انجاز مشروع برنامج عمل للتصحيح المالي عبر السنوات الخمس المقبلة, ويشمل هذا البرنامج طبعا عددا كبيرا من الاجراءات والتدابير التي من شأنها المساهمة في تصحيح الوضع المالي, ومن جملة ذلك خيار الخصخصة, ويهمني القول ان هذا البرنامج لايكتمل ولايستقيم من غير الخصخصة لانها تشكل جزءا اساسيا من هذا البرنامج. ونحن نحترم ارادة السادة النواب الذين ادلوا بملاحظاتهم على هذا المشروع ونقدر كل التقدير التبريرات المقدمة لموقفهم, وسنجري اتصالاتنا مع النواب لتوضيح وجهة نظرنا في هذا الخصوص آملين ان يلقى موقفنا التفهم المطلوب) . بيروت ــ وليد زهر الدين