يناقش مجلس الشعب المصري غدا مشروع قانون الجمعيات الاهلية الجديدة الذي يثير جدلا واسعا بين المعنيين بالعمل الاهلي في مصر. وتأتي المناقشة في وقت ازدادت فيه مظاهر الاعلان ضد المشروع وبدء تنفيذ بعض المعارضين اضرابا عن الطعام احتجاجا عليه, ومن المقرر في هذا الصدد ان يتوجه وفد من جماعات حقوق الانسان الى البرلمان غدا لتقديم مذكرة احتجاج على القانون. ويتلخص الجدل الحاصل على المشروع في رؤية الحكومة انه يؤدي الى رفع الوصاية عن العمل الاهلي في مصر, فيما يرى المعارضون وبعضهم من القائمين على العمل الاهلي ان قبضة الحكومة زادت وفقا للقانون الجديد. وتضيف المصادر الحكومية القائمة على اصدار القانون في تبرير القانون الجديد بأنه يأتي بعد غياب الشفافية والمحاسبة عن نشاط العاملين في المجال التطوعي خاصة بعد ان شهدت مصر في الآونة الأخيرة انتقادات عديدة حول مصادر التمويل. الدكتورة مرفت التلادي وزيرة الشؤون الاجتماعية قالت ان القانون الجديد حصل على تأييد من المنظمات والجمعيات الاهلية على اكثر من 18 شهرا تم خلالها تناول المشروع بالمناقشة, مشيرة الى القانون الجديد برفع الوصاية عن العمل الاهلي, ويحقق مبدأ الحرية المتوازنة والمسؤولة, ويضع القضاء في موقع الفصل في الخلافات بين الاطراف المتنازعة ويحقق التوازن بين ضغوط طالبت بحرية مطلقة وأخرى دعت الى قيود مشددة. مشروع القانون الذي ساهم فيه العديد من الخبراء وتم تعديله اكثر من مرة, يتكون من 75 مادة, تتناول حقوق الجمعيات والتزاماتها, وكيفية تأسيسها وحلها, وطرق دعم مواردها المالية وآلية تلقي التبرعات من الاشخاص الاعتباريين او الطبيعيين على النحو الذي تحدده اللائحة التنفيذية, في الوقت الذي يحظر القانون على الجمعيات تلقي اي اموال من الخارج او ارسال اموال الى اشخاص او منظمات خارج البلاد الا بعد موافقة الجهة الادارية والمقصود بها وزارة الشؤون الاجتماعية هذا بجانب خطر القانون لانشاء الجمعيات السرية وممارسة اي نشاط سياسي وقصره على الاحزاب, في الوقت الذي سمح فيه القانون بالاعفاء من رسوم قيد الجمعيات وكذلك الاعفاء من الضرائب والرسوم الجمركية الخاصة بالمعدات والاجهزة التي تدخل في نشاط هذه الجمعيات. كان عدد الجمعيات الاهلية المسجلة وفقا لقانون 32 لسنة 64 الذي ادخلت عليه التعديلات الاخيرة في عام 76 حوالي ثمانية آلاف جمعية ارتفع عددها الى نحو 18 الفا في عام 98 وتعمل غالبية هذه الجمعيات في مجال الرعاية الاجتماعية بالاضافة الى مجالات اخرى ابرزها المساعدات الاجتماعية, ورعاية الفئات الخاصة والمعاقين, ورعاية الاسرة والطفولة والامومة, اما باقي الجمعيات وتمثل 25% منها فهي تنشط في مجال التنمية المحلية, ويصل العدد الرسمي المعلن لاعضاء الجمعيات الى ثلاثة ملايين عضو, بجانب الجمعيات الاهلية هناك منظمات حقوق الانسان التي تزايد عددها منذ بداية الثمانينات وحتى الآن لتصل الى 18 منظمة, الغالبية العظمى منها مسجل كشركة غير ربحية في اطار القانون المدني وشهدت المؤسسات الاهلية نموا ملحوظا خلال الــ 25 سنة الماضية, نتيجة تزايد هامش الحريات في مصر, ومن هذا المنطلق اخذت منظمات حقوق الانسان المبادرة في اعلان احتجاجها على القانون الجديد وسجلت عليه ملاحظات عديدة, وطالبت باجتماع عاجل مع الرئيس مبارك لبحث الامر, وعلى الرغم من ذلك لم يخف بعض المعارضين للقانون من انه يحمل بعض النقاط الايجابية. ويؤكد حافظ ابو سعدة امين المنظمة المصرية لحقوق الانسان ان التعديلات الجديدة تتضمن بعض النقاط الايجابية بالمقارنة بالقانون 32 لسنة ,64 مشيرا الى ان التعديل الخاص بجواز حل الجمعية العمومية او بحكم من المحكمة المختصة يعتبر خطوة جيدة باعتبار ان الجمعية العمومية هي المخولة بحل المؤسسة بدلا من ان يأتي ذلك بقرار من الجهة الادارية, كذلك سمح القانون بتكوين الاتحادات النوعية ومنح عددا من الاعفاءات الضريبية والجمركية لتسهيل عملية الجمعيات وتوسيع نشاطها, كذلك منح تسهيلات في قيد الجمعيات بأن يكون البت في طلب الانشاء خلال 60 يوما بعدها يمكن اشهارها ان لم يصل رد وهو ما يساهم بفاعلية في زيادة عدد العاملين في العمل التطوعي. بينما يبدي ابو سعدة تحفظه ورفضه لبعض النصوص من بينها التدخل في اجندة المؤسسات الحقوقية, بما انه لو تبنت احدى المنظمات قضية مناهضة التعذيب ففي هذه الحالة لن توافق الحكومة على مشروع هذه المنظمة, بالاضافة الى ان الاتصال الخارجي لا يتم الا بموافقة الادارة فيما يعني قيدا على حرية الاتصال بالمنظمات الحقوقية العالمية. ويضيف ابو سعدة ان بعض الممثلين عن العمل الاهلي شاركوا في لجنة اعداد القانون وابدوا تحفظاتهم على بعض النقاط ومن بينها حظر الحصول على اموال من الخارج ولم يؤخذ بها وهو ما يعكس النظرة الشمولية للعمل الاهلي بمعنى ان بعض الجمعيات ستحصل على اموال اما منظمات حقوق الانسان فستوضع العقبات والتعقيدات امامها. ويؤكد ابو سعدة ان كل المنظمات والجمعيات لديها الاستعداد للاعلان عن ميزانياتها وتعيين مراقب للحسابات للمراجعة حتى تضمن الحكومة الشفافية والمحسابة. تناقض بينما ترى الكاتبة الصحفية فريدة النقاش رئيس ملتقى الهيئات لتنمية المرأة ان المنهج الشمولي ما زال يتحكم في اصدار القوانين خاصة مع من يمارسون العمل التطوعي, وتضيف فريدة انه في الوقت الذي قيد قانون الشركات حق المصريين في انشاء الصحف واشترط موافقة مجلس الوزراء سمح للاجانب ان يكون تمثيلهم في عضوية مجلس الادارة بنسبة 100% وهو ما يعني التناقض بين اللبرالية الاقتصادية والشمولية المقيدة للحريات العامة التي انتقدتها الحكومة في النظام الناصري. وتختلف رئيسة ملتقى الهيئات مع النص الذي يحظر النشاط السياسي على الجمعيات وتصفه بأنه صيغة مطاطة تعمل على تقييد حرية الحركة وهو ما يتناقض مع الحريات الممنوحة للمجتمع المدني, وتضرب مثلا بدولة فرنسا التي يمكن فيها لأي مجموعة من الافراد ان يكونوا جمعية ويعلنون اشهارها دون ان تسجل في اية جهة ولا تلجأ لخطوة التسجيل الا اذا كانت في حاجة إلى معونة مالية, مؤكدة اهمية العودة إلى القانون المدني ربما يعني ان العقد شريعة المتعاقدين بعيدا عن هيمنة الدولة وعن حظر حصول الجمعيات على اموال من الخارج الا بموافقة الجهة الادارية, مؤكدة ان التحكم في التمويل يجعل من المؤسسات المدنية مجرد اشكال حكومية وتخرج من دائرة العمل الخدمي التطوعي إلى حالة اخرى من الدفاع عن النفس بشكل دائم في المحاكم وامام الرأي العام. وترى فريدة ان فرض عقوبة بالسجن عامين على اي خطأ قد يقع فيه مجلس ادارة المنظمة هو نص جائر لانه سيخضع نشاط الجمعيات لتقييم الجهة الادارية والنيابة العامة وتتساءل كيف يمكن التعامل مع المشتغلين بالعمل التطوعي بهذا الاسلوب؟ اما الدكتور احمد ثابت استاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة فيؤكد ان جمعيات حقوق الانسان انشغلت باستعارة الخطاب الغربي عن حقوق الانسان وترديد مصطلحات الامم المتحدة عن هذه الحقوق وعن مفاهيم التنمية وحريات الرأي كما ركزت على توثيق الاتصالات مع المنظمات الغربية العالمية لحقوق الانسان على حساب العمل الداخلي وعلى حساب جهود مطلوبة لخلق قوة مساندة لها بين الناس تساعدها على اثبات وجودها وتلقى شبهة التبعية لمؤسسات التمويل الغربية, مشيرا إلى ان جمعيات حقوق الانسان في مصر يسيطر عليها اسلوب اصدار بيانات مقتضبة وسريعة وموسمية عن انتهاكات حقوق الانسان وعن قضايا الرأى ولم تبذل جهدا في التوفيق بين الثقافة العربية الاسلامية والمرجعية الغربية, ورغم محاولات هذه الجمعيات الابتعاد عن العمل السياسي والحيلولة دون تسييس العمل الاهلي في مجال حقوق الانسان الا انها لم تتمكن من الافلات من الانخراط في العمل السياسي. ويضيف دكتور ثابت ان الامر كان يحتاج لوقفة وخاصة فيما يتعلق بالتمويل الاجنبي الذي تحصل عليه هذه الجمعيات والمنظمات فقد زاد دور المنظمات غير الحكومية الغربية كمصادر للمساعدات, التي تقدمها حكومات إلى الدول النامية والمنظمات غير الحكومية فيها بحيث يصل هذا التمويل الذي تقدمه المنظمات غير الحكومية الشمالية نحو ثلث دخلها. بينما يطرح عبدالله خليل عضو مجلس امناء جمعية حقوق الانسان رؤيته في القانون مؤكدا ان التعديلات الجديدة لم تأخذ بوجهة نظر الجمعيات الاهلية في حرية تكوين الجمعيات. ويقول: نحن لسنا مع فرض قيود على الجمعيات, ونطالب بوقف تدخل الدولة في نشاطها حتى تستطيع ان تشارك في التنمية وصناعة القرار باعتبارها جزءا اصيلا من مؤسسات المجتمع. من جانب اخر يتحفظ خليل على التعديل الخاص بالسماح للاجانب بتأسيس الجمعيات الاهلية مشيرا إلى أن الخطر في هذا هو السماح لرؤوس الاموال الاجنبية بالتأثير على النشاط الاهلي لان صاحب القوة الاقتصادية هو المؤثر في اتخاذ القرارات فضلا عن ان هذا التعديل سيسمح لهذه العناصر بالسيطرة على النشاط الاهلي وتغيير خطته في التنمية, وفقا لما تفرضه اجندة اصحاب القرار مشيرا إلى أن القانون بشكله الجديد لم يتخلص من النظرة التسلطية لقانون 32 لسنة 64 من هيمنة الجهة الادارية على مصادر تمويل الجمعيات أو الترخيص باصدار الجمعيات أو فرض وصاية على حلها, كما ان التعديل الجديد يحتوي على العديد من العبارات الغامضة المرنة التي ليس لها تعريف أو مفاهيم محددة مثل النظام العام أو الاداب, أو السلامة العامة, وهو ما يعد ذريعة أو مبرر تسمح بالهيمنة الادارية على المنظمات والجمعيات والسيطرة مرة اخرى على النشاط الاهلي. ويضيف خليل ان الخطورة تكمن في السماح للجهة الادارية باللجوء للقضاء في حالة طلب الجمعيات العمومية ذلك, وهذا الربط يثير الكثير من القلق باعتبار ان الجمعيات العمومية هي صاحبة القرار الاول والاخير بالنسبة للجمعيات الاهلية كما كان سائدا في القانون المدني, موضحا ان العاملين في العمل التطوعي ليسوا ضد الشفافية أو المصداقية الخاصة بالتمويل مؤكدا انهم مع وجود رقابة على هذا التمويل على ان تكون رقابة محايدة مع التأكيد على ان رقابة الجمعيات العمومية على الميزانيات اكثر فعالية حتي لا تصبح الجهة الادارية وسيلة للمنع والترغيب والترهيب. النائب البرلماني المستشار ادوارد الدهب, يرى ان القانون يواجه ظاهرة خطيرة وهي وجود العديد من الجمعيات السرية غير المعلنة, ويقول: هذه الجمعيات تحولت إلى ظاهرة مخيفة, وتحصل على تمويل مشبوه من الخارج وهو ما يؤدي إلى اضرار بالغة بمصالح مصر العليا, ويضيف: هذا القانون بالكيفية التي خرج بها يعمل على الحفاظ على امن مصر القومي. ويرى وزير العدل المستشار فاروق سيف النصر: ان القانون فرض الحماية القانونية للمؤسسات الاهلية فاجاز تكوين الجمعيات كحق دستوري يلبي حاجة العمل والنشاط في مجالات العمل الاهلي, وقال: ان القانون يساير التطورات والاحداث الاجتماعية الجديدة. القاهرة ــ مكتب البيان