عاشت (البيان) مأساة اللاجئين الكوسوفيين الذين فروا بجلودهم الى هولندا بعيدا عن جحيم الحرب حيث تجولت في قلب مخيماتهم والمعسكرات التي اقامتها الحكومة الهولندية لهم فقد وقفت (البيان)على مأساتهم واستمعت الى روايات تقشعر لها الابدان من قتل وبطش واغتصاب منهم من ذاق العذاب وحمل معه ذكريات مؤلمة ومنهم من يتهدده المرض وشبح الموت .. (البيان) التقت مع هؤلاء الفارين الى هولندا لتنقل صورة واقعية وحية لمأساة شعب اصبح باكمله مابين قتيل ومشرد ومعوق وهاهي تخترق ميدان الصمت الحزين بعد ان وصلت الى قلب معسكراتهم لتسمع مئات القصص من بين انهيار الدموع وتعكس واقع معاناة سببها لهم جنود الصرب الذين لايعرفون الرحمة. فالى واقع وصورة حية هي مجرد مثال بسيط لمأساة كوسوفو. مأساة سجدي لم يستطع الاب اسماعيل والام مريم المفجوعان ان يرويا تفاصيل العذاب الذي تعرضا له وفقدهما لابنهما الاكبر (رحمن) الذي قتله جنود الصرب على مرأى ومسمع منهما, فقد كانت دموع الابوان تنهمر مع كل كلمة الامر الذي دفع الابن سجدي (18 سنه) الى ان يتولى هو سرد المأساة فيقول: كنا في منتصف الليل نغط في نومنا في دارنا بقرية (ميروسالا) وتبعد 42 كيلومترا عن مدينة برشتينا, عندما صحونا فجأة على صوت سيارات ثقيلة منتظمة, وكاشفات اضواء تخترق زجاج نوافذ بيتنا, وتوقف فجأة صوت السيارات وسمعنا صوت طرقات خفيفة على الباب, وجاءني صوت من الخارج طلب مني فتح الباب مدعيا انه مسلم من جيش تحرير كوسوفو, وخرجت له فانتحى بي جانبا واخبرني انهم يفرغون القرية من سكانها حفاظا على حياتهم لوصول معلومات بدخول قوات يوغسلافية للقرية, واخذ مني اسماء افراد اسرتي بالكامل الموجودة في المنزل, وشاهدت ماحدث لي يتكرر من جيراننا وكل سكان القرية, حيث تم حصر جميع السكان وتدوين اسماءهم واعمارهم, ثم طلب مني ان استدعي شقيقي وابقي والدي المسنين, ودخلت المنزل وناديت على شقيقي, لكني فوجئت به يعنفني ويتهمني بالسذاجة, فقد توجس ان هؤلاء الجنود ليسوا من جيش التحرير بل من الصرب, وقفز من النافذة الى الجانب الخلفي من البيت حيث توجد مزرعة, وكان هذا امام والدي, غير انه لم يكد يخطو للمزرعة حتى عاجله الجنود المحيطون بالمنزل بوابل من الرصاص ليسقط مضرجا في دمائه وسط صرخاتنا المجنونة, وادركنا اننا وقعنا في فخ ولانجاة لاحدنا منه الا بمعجزة الهية, وانكشفت لعبة التخفي الصربي بتوالي الطلقات والصرخات من ارجاء القرية, ففر من فر, وسقط العشرات قتلى ونجحت في التسلل انا ووالدي الى حظيرة للمواشي, واختبئنا وسط اكوام القش, واستمرت الاصوات الخارجية من طلقات وصرخات اربع ساعات متواصلة حتى بزغ ضوء الفجر, وصمتت الاصوات لرحيل الجنود, وتسللنا الى الخارج لنفجع بمشهد مئات الجثث والاشلاء, فقد كان القتل عشوائيا لم يتم التفريق فيه بين كبير او صغير, رجل او امرأة, ووجدنا الفتيات قد تم اغتصابهن قبل اطلاق الرصاص عليهن, وتركنا الجثث خلفنا بينها جثة شقيقي الاوحد, بعد ان اصر والدي على دفنه بسرعة في حفرة خلف المنزل الذي تهدم, ورحلنا سيرا على الاقدام حتى حدود مقدونيا. اغتصاب وعذاب اما الفتاة ديولسا (19 سنة) , فقد كانت شاردة حزينة كزهرة اقتلعت من فوق غصنها عنوة والقى بها في ارض موحلة, فقد اغتصبت عدة مرات بعد قتل والدتها ولاتعرف شيئا عن والدها, وهي من قرية (هافاليا) وتبعد عن مدينة برشتينا بمسافة 25 كيلومترا, تقول: عندما هاجم الجنود اليوغسلاف قريتنا, قاموا باخذ الشباب جانبا واطلقوا عليهم الرصاص بعد تجميعهم في مجموعات صغيرة, ثم فصلوا الفتيات الصغيرات في السن, وعندما حاولوا اخذي مع بقية الفتيات ظللت اصرخ وتشبثت بملابس والدتي كالطفلة, واستماتت يد امي علي وهي تحتضنني, فدفعوها على الارض بقسوة وانهالوا على رأسها بكعوب اسلحتهم حتى هشموها لتفقد حياتها وسط صرخاتي, واقتادوني الى بناية على اطراف القرية مع عشرات الفتيات. حيث تناوبوا على اغتصابي لمدة اسبوع كما تناوبوا على اغتصاب كل الفتيات, وكانوا يقتلون من تحاول مقاومتهم , وتمكنت ذات صباح من التسلل خارج البناية والهرب. ثريا فقدت كل مالديها اما السيدة ثريا (32) سنة فقد فقدت كل ما لها في الدنيا, زوجها وابنتها الوحيدة عام ونصف, رفضت ثريا الحديث معي انا والوسيط المترجم, اشاحت عنا بوجهها وهي تسب الساسة والاعلام وكل شيء وقف عاجزا عن حمايتها هي ودارها واسرتها, وابتعدت عنا متكئة على عكازين لعلهما هما سندها في حياتها القادمة التي ستعيشها معوقة غير قادرة على السير بصورة طبيعية, غير ان احد سكان المعسكر كان يعرف قصتها فقد كان جارها وشاركها المأساة فروى لنا التفاصيل : عندما هجمت القوات اليوغسلافية على قريتهم قتلوا الشباب واطلقوا قاذفاتهم على المنازل لهدمها على كل من تبقي فيها من نساء واطفال, وكان زوجها من بين من قتلوا بالرصاص, بينما دفنت الانقاض ابنتها كما دفنتها, وتظاهرت ثريا بالموت حيث كانت ساقاها مدفونة بين الانقاض تماما, فنجت من طلقات الرصاص التي كان الجنود يطلقونها على رؤوس من ظلوا جرحى بين الانقاض, وعندما رحل الجنود ظلت اكثر من 20 ساعة تزيح الاحجار عن جسدها حتى نجحت اخيرا وظلت تزحف وسط نزيف ساقيها حتى وصلت الى طريق زراعي حيث صادفت احدى الحافلات الهاربة بالكوسوفيين, فقاموا بحملها لتهرب الى مقدونيا, حيث لم ينجح العلاج في علاج ساقيها تماما من الكسور. أنوار .. وحيدة اما الفتاة الصغيرة (انوار) فهي تحيا على امل واحد, هو ان تعرف مصير اسرتها, هل لايزالون احياء ام قتلهم رصاص الصرب, فقد هربت انوار بمفردها مخلفة وراءها والديها وشقيقيها, وتقول: عندما هاجم الجنود بيتنا كما هاجموا كل بيوت القرية, كان كل هم ابي وامي ان يأمرونا بالتفرق انا وشقيقي, وان يهرب كل منا بالوسيلة المتاحة له, كان ابي يخشى ان يتم قتلنا جملة واحدة, وقال ان الفرار فرادى أأمن من الفرار جماعة, فاطلقت ساقي للريح وانضممت لجماعة كانت هاربة بين الغابات حتى وصلنا لمقدونيا. بدون أسرة المزارع الكوسوفي مصطفونفيتش (58 سنة) , كل مستقبله وآماله تجمعت حول خط الهاتف الممتد بين هولندا ومقدونيا, فهو يدفع يوميا كل مايتوافر لديه من نقوده المقدمة له من المعونات والتبرعات الهولندية على المكالمات الهاتفية لمقدونيا ليسأل داخل معسكرات اللاجئين عن افراد اسرته, زوجته وابنتيه ,16 18 سنة وابنه 21 سنة, هل اسماؤهم موجودة ضمن قوائم اللاجئين ام غير موجودة, وكلما جاءه رد من احد المعسكرات بعدم وجود هذه الاسماء في قوائم اللاجئين ذرف الدمع غزيرا وعاش على امل الغد ليبدأ جولة تليفونية جديدة في معسكر آخر للسؤال من جديد عسى ان يجد افراد اسرته على قيد الحياة, ويقول مصطفونفيتش, عندما هاجمونا في منازلنا جريت انا وافراد اسرتي, غادرنا جميعا المنزل وجرينا لنتشتت في الطرقات, كان هناك عدد من الجرارات الزراعية تحمل الهاربين مثلنا, والتقطني احد الجرارات, وطلبت من السائق ان يتوقف قليلا ليصل بقية افراد اسرتي, غير انه قال ان الانتظار يعني الموت لنا جميعا وطمأنني بان هناك جرار آخر قادم خلفه ولعل به بقية اسرتي, وعندما وصلنا الى الحدود, بحثت داخل كل الجرارات التي وصلت بعدنا ولم اجد زوجتي ولا اولادي بين الهاربين وظللت ابحث عنهم داخل المخيم والمخيمات الاخرى حولنا على الحدود ولم اجدهم ايضا. لعبة الرحيل مئات بل آلاف القصص المأساوية التي تحتاج الى صفحات طويلة يسجلها التاريخ بمداد اسود, فقد حفرت المأساة بصماتها بقسوة داخل قلوب الضحايا وعلى وجوههم, فمنهم من سجن نفسه داخل معسكرات اللجوء كما فعلت السيدة عائشة 62 عاما, ورفضت الحديث او مغادرة المعسكر الا للتوجه لاراضيها ودارها لتعيد بناءها. تختلف قصص الضحايا من اهل كوسوفو, ولكنهم يشتركون جميعا في واقع واحد هو انهم قتلوا وشردوا وعذبوا واهدرت ابسط حقوقهم الانسانية في ان يعيشوا بأمان في دارهم وان يتخذوا القرار في مصيرهم. لاهاي ــ سعيد السبكي