منذ بداية عقد التسعينات وبالتحديد مع الغزو العراقي للكويت في اغسطس 90 اصبح الحديث عن الامم المتحدة ودورها وفاعليتها في اداء هذا الدور ومدى مناسبتها بشكلها الحالي لطبيعة النظام الدولي القائم قضية اساسية في كافة المناقشات الجارية بشأن قضايا السياسة الدولية, ومع اقتراب الدخول في الالفية الثالثة فان الجدل حول هذا الموضوع وصل إلى ذروته بشكل يتطلب حسم الموقف بالتوصل إلى صيغة ولو نظرية بشأن طبيعة التنظيم الذي يحكم العلاقات الدولية. ذلك انه اذا كانت ازمة الخليج قد فجرت قضية ازدواج المعايير الدولية في التعامل مع الازمات المختلفة فقد صاحبها تطورات اخرى تواصلت توابعها على مدى العقد الجاري مما ادى في النهاية إلى ما يمكن القول بأنه يمثل تغييرا في تركيبة النظام الدولي, بشكل قد يؤدي إلى الحكم بعدم ملاءمة التنظيم الحالي الممثل في الامم المتحدة للتعامل مع المتغيرات الجديدة, فاذا كانت عصبة الامم جاءت تلبية لحاجة فرضتها اوضاع النظام الدولي في اوائل القرن العشرين فقد ادى فشلها نتيجة لتحكم القوى الكبرى بمقدراتها إلى طرح فكرة انشاء منظمة جديدة, وهي فكرة لم تتحقق أو تجد طريقها إلى النور الا بعد الحرب العالمية الثانية, وقد وجدت طريقها إلى ارض الواقع نتيجة التغير الذي تم في اوضاع النظام الدولي حيث بلورت الحرب قوى معينة ارتفعت إلى مصاف القوى الكبرى أو العظمى, فيما اطاحت بقوى اخرى كانت مرشحة لتبوء موقع كبير متميز في النظام الدولي. ووضعت المنظمة الجديدة, الامم المتحدة على رأس اهدافها تعزيز السلم والامن الدوليين وذلك من خلال القضاء على الحروب ووضع صيغة جديدة لحل المشكلات الدولية بالطرق السلمية والحفاظ على حقوق الدول وسيادتها. نجاحات واخفاقات وعلى مدى سنوات عملها التي جاوزت النصف قرن نجحت المنظمة في لجم العديد من الصراعات الدولية, وفي تسوية بعضها, وواجهت قدرا من الاخفاق في البعض الاخر, غير ان اداء المنظمة في مجمله كان يحظى بقبول ورضا كافة المجتمع الدولي مع بعض التحفظات بالطبع غير ان هذه التحفظات لم تكن تقلل بهاء الصورة المتمثلة في نجاح الامم المتحدة في تحقيق قدر كبير من اهدافها. ولعل الفضل في ذلك يعود إلى أن المنظمة حتى بداية حقبة التسعينات كانت انعكاسا لطبيعة النظام الدولي القائم على الثنائية القطبية ممثلة في الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي, صحيح انه كان هناك إلى جانب هاتين الدولتين قوى اخرى غير انها لم تكن مؤثرة بالشكل الذي يمكن معه القول بأن مواقفها يمكن ان تحول مسار مواقف الامم المتحدة, والمقصود هنا بالاساس بقية الدول الخمس صاحبة العضوية الدائمة والفيتو بمجلس الامن وهي بريطانيا وفرنسا والصين. ومع نهاية حقبة الثمانينات كانت ارهاصات الانهيار في الاتحاد السوفييتي قد بدأت في التزايد حيث انهار عدد من النظم الشيوعية في اوروبا الشرقية وسقط حائط برلين, وكانت ازمة الخليج بمثابة التدشين الرسمي لانهيار الاتحاد السوفييتي حيث بدا من ادارة الازمة انفراد الولايات المتحدة وتواري دور الاتحاد السوفييتي إلى أن كان التفكك الفعلي للاتحاد على يد يلتسين. وبهذا التفكك للقوة العظمي الثانية في النظام الدولي بدأت مرحلة جديدة في عمل المنظمة الدولية ملمحها الاساسي هو سيطرة الولايات المتحدة على مقدرات المنظمة بشكل اصبحت معه تعبر بشكل أو بآخر عن طبيعة المواقف والتوجهات الامريكية من القضايا الدولية. أزمة الخليج ... وتحول دور المنظمة وقد كان الموقف من العراق خلال ادارة ازمة الخليج بمثابة الضوء الذي كشف عن الامر, فاذا كانت الامم المتحدة على مدى سنوات عمرها قد سعت لحل الكثير من الازمات وانهاء صراعات دولية عديدة ونجحت في البعض واخفقت في البعض الاخر كما اشرنا, فقد بقي مثلا الصراع العربي الاسرائيلي مجالا لفشل مزمن للمنظمة لم تنجح في تحقيق تقدم بشأنه, يذكر للمنظمة الدولية ورغم ان السياسات الاسرائيلية اتسمت منذ قيام الدولة في 48 بالعدوانية والسعي لضم المزيد من الاراضي العربية, وتحقيق هدف ابتلاعها بالفعل, الا ان المنظمة الدولية لم تتخذ اي موقف جاد ضد اسرائيل, وكانت اقصى المواقف التي يمكن ان تتخذها تتمثل في ادانة الموقف الاسرائيلي بعد ان تكون الولايات المتحدة قد فرغت قرار الادانة من مضمونه لصياغات تخفيفية من خلال استخدام الفيتو عدة مرات إلى أن يتم الوصول إلى صيغة توافقية تقبلها واشنطن تشمل الانتقاد للسلوك الاسرائيلي دون ان ترتب اي اجراء ضد تل ابيب, ولم يرتق موقف الامم المتحدة في اي مرحلة من المراحل, وكان هذا يعد ضربا من الخيال, إلى اتخاذ خطوات توقف العدوان الاسرائيلي مثلا واقتصر الامر على اقرار ارسال قوات تسمى بحفظ السلام كانت في اكثر الاحيان تكرس الاحتلال الاسرائيلي للمناطق التي ضمتها اليها. على العكس تماما كان موقف الولايات المتحدة من الغزو العراقي للكويت, وهو موقف نجحت في تصديره إلى المنظمة الدولية بحيث اصبح ادانة العدوان والدعوة لاتخاذ اجراء عسكري لدحره هدفا دوليا ملحا, وقد كان التساؤل المنطقي الذي يفرض هذا الموقف, انه اذا كان ما قام به العراق يمثل اعتداء على دولة ذات سيادة ينبغي وقفه, فان ما قامت به اسرائيل ومازالت تقوم به يمثل نوعا مماثلا من العدوان إن لم يكن اشد واقسى؟ وان ذلك يستلزم بالطبع توحد الموقف من العدوانين, هنا بدأت إلى الظهور تعابير, ازدواج الشرعية الدولية, سياسة الكيل بمكيالين وغير ذلك مما اصبح سمة لعمل المنظمة الدولية خلال السنوات العشر الماضية. ونجحت الولايات المتحدة طوال فصول ازمة الخليج في استصدار مجموعة من القرارات الدولية التي لم تمكنها فقط من تحرير الكويت وانما الاجهاز تماما على القوة العراقية وفرض عقوبات اقتصادية هي الاقسى في تاريخ العقوبات ومازالت سارية حتى الان. غطاء للاهداف الامريكية وعلى هذا يمكن القول ان اول ملمح من ملامح التغير في طبيعة اداء الامم المتحدة في حقبة التسعينات, حقبة ما بعد انهيار القطبية الثنائية, هو استخدام القوة العظمى الوحيدة في النظام الدولي المنظمة كغطاء لتحقيق اهدافها, فاصبحت هذه الاخيرة مجرد اداة في يد الولايات المتحدة وحدها تسيرها كيف تشاء وحيث تتحقق مصالحها, وعلى هذا, وكما ذهب البعض, فانه بدلا من ان تؤدي نهاية الحرب الباردة إلى ترسيخ سلطة الامم المتحدة كضابط للتفاعلات الدولية وتحقيق الامن الجماعي الذي نشأت من اجله المنظمة الدولية فقد تحولت إلى أداة في يد القوة الوحيدة. وازاء ضعف رد الفعل الدولي على هذه التوجهات من قبل واشنطن طورت موقفها وفقا لمصالحها بشكل تجاوز استخدام الامم المتحدة للتغطية إلى الانفراد بمواقف وسياسات دون الرجوع إلى المنظمة اصلا, ويمكن القول ان ذلك التوجه بدأ في البداية على استحياء كاختبار لردات الفعل الدولية فوجدنا الاساطيل الامريكية ترسو على شواطىء الصومال فيما اطلق عليه اسم اعادة الامل قبل ان يصدر قرار الامم المتحدة بهذا الشأن, كما راحت واشنطن تضرب ليبيا في 86 بدعوى دعم الارهاب دون ان يصدر قرار من الامم المتحدة يؤكد هذه التهمة على ليبيا, وفي فبراير 98 راحت الولايات المتحدة تدعمها بريطانيا تتخذ التدابير لشن عمليات عسكرية ضد العراق بسبب ازمة المفتشين دون اذن من الامم المتحدة ولولا جهود عنان في التوصل إلى اتفاق مع بغداد لتم الضرب فعلا, ولان تدمير القدرات العراقية هدف امريكي اساسي فقد استغلت واشنطن اقرب ازمة بعد ذلك لضرب العراق وهو ما تم من خلال عملية ثعلب الصحراء في ديسمبر الماضي دون اي اعتبار للامم المتحدة. ومثل الموقف من كوسوفو تم التجاوز للامم المتحدة سواء من قبل الولايات المتحدة أو الاطلسي, وواشنطن هي المحرك الاساسي فيه, حيث انه ليس هناك اي دور للمنظمة في هذه الازمة, كما انها لم تستدع حتى كغطاء وقد راح حلف الاطلسي من ذاته يقرر ان الموقف يستدعي التدخل العسكري وهو ما كان ومازال مستمرا حتى الان بشكل يخيل للمرء انه لا وجود لمنظمة دولية من المفترض انها تقوم على حفظ السلم والامن الدوليين. امام كل هذا فان التساؤل حول جدوى الامم المتحدة يجد مشروعيته, بل ان البعض يذهب في رؤيته التشاؤمية إلى حد القول ان عدم وجودها قد يكون من الافضل, فاذا كانت المنظمة تستخدم في ظل الاوضاع الحالية كغطاء لتحقيق اهداف دول معينة, فان الغاءها قد يمثل نزعا لهذا الغطاء. ملامح الاصلاح غير انه, وبشكل عام يمكن القول ان المجتمع الدولي في صدد الحديث عن اعادة النظر في التنظيم الذي من المفترض انه يحكم العلاقات الدولية امام خيارين لا ثالث لهما. الأول: هو انشاء منظمة دولية جديدة الثاني: اصلاح الامم المتحدة اما بالنسبة للخيار الاول فهو خيار رغم ما قد يبدو عليه من منطقية الا انه خيار من الصعب تحقيقه, فضلا عن عدم رجحان اعتبارات تنفيذه, ويجد هذا الخيار اساسه في انه اذا كانت عصبة الامم قد جاءت اطارا لتنظيم دولي لمرحلة معينة, وان الامم المتحدة كذلك قد جاءت تعبيرا عن تركيبة علاقات قوى في النظام الدولي من مرحلة اخرى, فان تغير هذه التركيبة والدخول في مرحلة جديدة من العلاقات الدولية تمثل نظاما دوليا مغايرا لذلك الذي كان قائما أو في طريق للتلاشي انما تفرض البحث عن صيغة جديدة لتنظيم دولي يستوعب هذه التغيرات, غير انه ولأن الولايات المتحدة هي المتفردة بالزعامة في هذا النظام فان اي تنظيم جديد لابد ان يعبر عن ذلك وهو ما يعد في غير صالح بقية اطراف النظام الدولي, ولعله من هنا, ولاعتبارات اخرى عملية عديدة لا تجد مثل هذه الفكرة القوة الدافعة لطرحها بشكل واسع كفكرة اساسية بالنسبة لمستقبل التنظيم الدولي. تأتي بعد ذلك فكرة اصلاح الامم المتحدة وهي الفكرة التي تلقى تأييدا من قبل اطراف دولية عديدة وتطرح تصورات عديدة بشأنها, ومن الافكار الاساسية المطروحة في هذا الصدد اعادة النظر في تركيبة مجلس الامن من خلال توسيع عضوية الدول المالكة لحق الفيتو وهنا فان الخلاف بشأن المعيار الذي سيتم التوسيع على اساسه يعيق الدفع بهذه الفكرة فهل هو اقتصادي بحت يفتح ترشيح اليابان والمانيا أم هو اعتبار المكانة, وهو ما ستثور خلافات كبيرة بشأنه, وللاسف فانه من الواضح ان دول العالم الثالث حتى الان لم تتفق على صيغة أو تصور يمكن ان تقدمه اذا ما تم البدء فعليا في البحث في هذا الخيار, بل بدأ بعضها في التصارع على الفوز بمقعد مجلس الامن بشكل قد يولد توترات تعيق تحقيق الهدف النهائي من التوسيع الا وهو الوقوف في وجه هيمنة قوة وحيدة على مقدرات المجلس. من الافكار الاخرى المطروحة توسيع اختصاصات الجمعية العامة للامم المتحدة بتحويل قراراتها من مجرد توصيات غير ملزمة إلى قرارات لها الطبيعة الالزامية. ولاشك ان تحقيق اي خطوة على طريق الاصلاح على اساس هذه البنود سوف تحد على الاقل من عدم استقلالية المنظمة وهو ما لا نشك في ان الولايات المتحدة سوف تحاول اعاقته باعتبار انه يحد من حركتها ولهذا يبقى الامل محصورا في تصاعد اقطاب دولية اخرى تفرض التغيير على عمل المنظمة الدولية بشكل يحقق على الاقل مفهوم الادارة الجماعية للمنظمة وهو امر سوف تكون مساوئه اذا وجدت اقل بكثير من انفراد قوة واحدة بمقدرات المنظمة.