دأب العديد من الساسة والمفكرين وعلماء الاجتماع والاقتصاد, على التركيز واظهار الدور الاوروبي ان كان لجهة الداخل الباحث عن خلق حالة من التجانس والاصلاح المؤسسي , الذي يهدف توحيد شعوب القارة الاوروبية, ام لجهة الخارج سعيا لامتداد المصالح الاوروبية للهيمنة من جديد باتجاه آسيا وافريقيا. متكئين بذلك على الخطوات الكبيرة التي اتخذتها غالبية الدول الاوروبية الغربية, في توحيد النقد الاوروبي (اليورو) وانها اوروبا بهذه الخطوة تكون قد حددت هدفها النهائي الذي رسمته لمستقبلها ولدورها الضائع منذ بداية الخمسينات باقامة (اوروبا الموحدة سياسيا) . بينما رأى البعض الآخر من المفكرين الاستراتيجيين ان وحدة اوروبا قادمة لامحالة, وان دورها, بفعل الخطوات الاجرائية العملية, الكوني قادم, في صنع سياسة دولية مختلفة كل الاختلاف عما يجري على المستوى العالمي. وقد لاذ هؤلاء المفكرون في بعض الخطوات التنسيقية البيئية اوروبيا في مجال السياسة الخارجية الامنية المشتركة, واعتبار اتفاقية ماستريخت التي عقدت بهولندا في فبراير عام 1992 هي الركيزة الاساسية لانطلاقة عهد اوروبي جديد. وان هذه الاتفاقية بما نصت عليه تأكد على استقلالية الهوية الاوروبية, بمعزل عن السيطرة الامريكية التي شابت من خلال سياساتها المتبعة ازاء شعوب ما يسمى بالجنوب وشرق اوروبا, الوجه الاوروبي المشرق الذي تدعيه في علاقاتها مع هذه الشعوب. ولعلنا لانقلل من هذه الخطوات السياسية والاجرائية الداخلية واهميتها, خاصة واننا نلحظ بالعين المجردة الفوارق بين السياسة الفرنسية التي تأخذ طابع الاستفزاز احيانا للسياسة الامريكية بالتوافق مع بعض الاطراف الاوروبية الفاعلة مثل المانيا, اكثر من روسيا التي كانت بالامس القريب تشكل العقبة الكأداء في وجه التمدد الامريكي والمخططات المرسومة. وان اوروبا قد نجحت غير مرة في مواجهة امريكا واجبارها على التراجع فيما يتعلق بقانون ـ هلمس ــ بورتن القاضي بفرض المزيد من اجراءات الحصار الاقتصادي على كوبا, وحذرت المفوضية الاوروبية حينها, واشنطن من تبني (قانون داماتو) في فرض عقوبات على الشركات الاوروبية المتعاملة مع كل من ايران وليبيا. ولاننكر ايضا المناخات السياسية التي تعصف باوروبا ولايمكننا في ذات الوقت وضع هذه المناخات الجديدة في خانة الحرب الباردة والرضوخ الكلي للارادة الامريكية التي كانت في ظل الحرب الباردة, وقد بدأت حالة من الاحساس بالمسؤولية الجماعية بالنسبة للاوروبيين على المستوى الداخلي والخارجي في آن. وبدأت تطفو عقلية المحاصصة على السطح وطرح قضية الشراكة الامريكية ــ الاوروبية على قدم المساواة والتي كانت في وقت مضى قائمة على عدم التوازن اصلا, منذ نهاية الحرب العالمية الثانية, وطرح مشروع مارشال الذي اعطى لامريكا كل الحق في التدخل بالشأن الاوروبي الغربي داخليا وخارجيا, وفرض شروط وأتاوات مذلة حتى على مستوى العلاقات التجارية البينية وشكل الروابط الجامعة بين الطرفين. وقد بات الاتحاد الاوروبي, ماعدا بريطانيا الانكلوسكسونية (البروتستانت) مدركا لحقيقة غاية في الاهمية تتمثل في عدم الاعتماد الكلي على الاستراتيجية الامنية الامريكية التي فرضت على اوروبا, وانه بات لزاما على اعضاء الاتحاد الاوروبي, بعيدا عن الهيمنة الامريكية وتوفير البنيات الاساسية الدفاعية بما يمكن الدول الاعضاء من التدخل بشكل سريع وفاعل في حال اندلاع الازمات مستقبلا في الشطر الآخر من اوروبا الشرقية, او مناطق نفوذه على المستوى الكوني. وقد ظهر ذلك بشكل واضح وجلي من خلال تصريحات بعض الساسة الاوروبيين وصناع القرار, التي تحمل الكثير من الانتقادات, لاستمرار الحلف في صنع اعداء جدد خاصة في الفترة التي اعقبت الحرب الباردة وما حملتها من تغيرات على المستوى الكوني, وان هؤلاء الساسة لايجدون اية مسوغات او مبررات واضحة لتوفير ما يسمى بالامن والاستقرار في اوروبا واية منطقة في العالم بهذه الطريقة التي تسعى الولايات المتحدة لفرضها والمتمثلة باستخدام قوة التدمير. وقد لانغفل اهمية التقارب الكبير الذي حصل بين المانيا وفرنسا بعد فوز المستشار الالماني الاشتراكي (شرويدر) , حيث اختار باريس لتكون محطته الخارجية الاولى, والتي جاءت لتؤكد ما اعلنه فور فوزه من ان (للعلاقات الفرنسية الالمانية اهمية فائقة وهي ستبقى الاهم لاوروبا) وهذا بحد ذاته يعني بداية لتعزيز الدور الاوروبي على المستوى العالمي بشكل عام وبالنسبة للشرق الاوسط وقضاياه بشكل خاص. لكن لابد لنا من القول ايضا وبكل واقعية بعيدا عن التحليق بالخيال الى ابعد من المعطيات التي نلحظها على ارض الواقع, ان الوحدة الاوروبية لا تزال راهنا مجرد وحدة حسابية في شركة متعددة الجنسيات, وهذه الظاهرة الحالية التي تعيشها اوروبا ايا يكن شكلها السياسي تفيد لنظام تجاري محض قائم على الخسارة والربح, وعلى نظام الصفقة, ولا تنفع اذا ما بقيت على هذه الشاكلة لخلق مصير على المستويين الداخلي والخارجي, وحتى شكل المنافسة الاوروبية ــ الامريكية التي طبل لها العالم بكل اصنافه وتلاوينه بين اليورو والدولار, وامكانية هزيمة امريكا من خلال هزيمة دولارها لايكفي للحد من النفوذ الامريكي ابدا. لان الاقتصاد وحده لايعطي السلطة فالثروة الاوروبية كما قال الباحث الاوروبي (ريجيس دوبريه) لاتضاهي السلطة الامريكية كما يبدو. وان اوروبا رغم التطور التكنولوجي المذهل لاتزال استطالة سياسية وعسكرية لامريكا حتى الآن. وقد يكون غاية في الدقة اذا ما اعتبرنا ان السياسة اقتصاد مكثف, الا اننا لايجوز ان نتعاطى مع السياسة كما تعاطينا مع الاقتصاد الذي يعيش ضمن منظومة التحركات القصيرة الامد. بل السياسة مدفوعة بدورات طويلة الامد, حتى ترسم لها شكلا مألوفا عند الطرف الآخر المتلقي لاملاءات هذه السياسة ايا يكن هذا الطرف. بالمقابل تخشى الولايات المتحدة بروز عملاق اوروبي حتى على المستوى الاقتصادي في حال تحقق الوحدة السياسية الاوروبية. خاصة وان اوروبا ليست على وفاق تام مع الولايات المتحدة نظرا لاختلاف وجهات النظر على الاقل تجاه بعض القضايا التي قد تكون غير ذات اهمية راهنا,ان اوروبا ستبقى تفتقد حتى بعد توحدها الى عوامل مهمة جدا, وفي المقدمة منها وحدة الهوية الاوروبية على الصعيد الدولي, التي من الضروري ستوصلها اذا ما توحدت الى المكانة الدولية التي تسعى للوصول إليها, بالاضافة الى الحاجة الاوروبية الماسة جدا الى التحقق الطوعي لجنسية اوروبية موحدة بهدف تقوية وحماية حقوق مواطنيها, والذي سيؤسس بالنهاية الى تحقيق سياسة خارجية وامنية ودفاعية مشتركة, تقوم هذه السياسة على ايجاد الحلول لكل المشكلات التي قد تنشأ بشكل طارىء في امتدادها الحيوية, او على الاقل تكون قادرة على وضع اجوبة لكل متغير قد يحصل هنا وهناك. وان تقوى على ايجاد آلية تحظى بقدرة عالية على المبادرة برضا ومباركة العديد من دول آسيا وافريقيا .. وان تكون سياساتها المتبعة قائمة على شيء من خلق العدل والتوازن في المناطق الساخنة التي لاتزال تحمل عوامل التفجر والصراعات الاقليمية. بالاضافة الى قيامها بثورة تكنولوجية عسكرية تتجاوز من خلالها التكنولوجيا العسكرية المشتركة راهنا والتي تحمل صفة التمايز والاقتدار وبذلك تكون اوروبا قد اصبحت قادرة على بسط نفوذها ولو بشكل جزئي بموازاة امريكا بداية من التحكم بالنظام النقدي والمصرفي في العالم وستحقق الغلبة لليورو على الدولار وستصل الى حالة من التحكم بممرات البحار ومنافذها وستطبق على الموارد والمصادر الحيوية وفي طليعتها النفط. لكن حتى واذا لم يتحقق كل ذلك فان الوحدة الاقتصادية الاوروبية ستفرض ولو بشكل بسيط اصلاحات هامة كان من المتعذر تحقيقها او فرضها بواسطة سياسة الاستلام بشروط الولايات المتحدة والحكومات الاوروبية المبعثرة التي عجزت عن معالجتها او ايجاد حلول مرضية لها. ومن المؤكد ان ولادة الاتحاد الاوروبي مطلع الالفية الثالثة تعتبر اكبر نقلة نوعية سيعرفها على اقل تقدير النظام المالي العالمي, وستثير غرائز الكثير من دول العالم المتشابهه او المتجاورة على ايجاد حالة من الائتلاف, وستفرض شروطها في خلق حالة من التوازن بعيدا عن طرح النسب المئوية, وليس مستبعدا ان تصبح اوروبا في القرن المقبل قارة ذات مستويين في النظام الامني الاول: يتمثل في الجانب الدفاعي الجماعي في الغرب, والثاني في الجانب الامني الجماعي في الشرق.