عندما قرر حلف الناتو وأمضى سياسته بقصف يوغسلافيا, تجاهل بصورة بالغة الجرأة والاثارة, كل مواثيق الامم المتحدة وتراثها. وعندما لم يبق امام كوفي عنان الا ان يدلي ببيان قصير في حوالي مائة كلمة اشار فيه , بمنتهى الحذر والانضباط, الى أن مجلس الامن السلطة العالمية الوحيدة, المخولة باصدار قرارات استخدام القوة.. ولم يشر بكلمة واحدة الى ان قيادة حلف ناتو قد تخطت سلطات مجلس الامن أو خالفتها, انما اعاد التذكار فقط ـ لا عن نسيان! ـ بتلك المادة من القانون الدولي التي تعطي لمجلس الامن وحده ذلك الحق. قصد كوفي عنان ان يبرىء ساحته ويخلي نفسه من المسؤولية والانتقاد الذي كان سيتعرض له لو أنه لم يدل بذلك البيان الاعتراضي الضمني المقتضب وكوفي عنان قيادي دولي متزن, تميزت قيادته للامم المتحدة بالحكمة والانصاف قدر الامكان, وتفوق على كل من سبقوه على ذلك المنصب بموقفه الحيادي وعدم انسياقه في استرضاء امريكا في كل تعدياتها وتخطياتها في السياسة الدولية وقد برهن ببيانه ذلك على انه يفهم الدوافع كلها, وانه واقعي مع الواقعيين, وان كان لا يريد أن يتحمل مسؤولية افعالهم المخالفة للقانون الدولي المكلف هو بحمايته وحراسته! الواقعيون والمنظمات الدولية ينتمي كل قادة السياسة الامريكية والبريطانية وجل القادة السياسيين الاوروبيين الى مدرسة الواقعية السياسية, التي لاتؤمن اصلا بالمنظمات الدولية,انما تؤمن بالدولة وحدها وكل ما عدا ذلك من اللاعبين فهم ممثلون لدولهم القومية بنحو من الانحاء. هذه الافكار الحاسمة تحدرت الى اذهان هؤلاء, وترسبت في قناعاتهم من خلال افكار فلاسفة تميزوا بالصرامة والتشاؤم والتجافي عن المثالية, شأن مكيافلي وتوماس هوبز بل يذكر بعضهم المفكر اليوناني القديم توسيديد الذي أرخ لحروب اثينا واسبرطا, ولم يذرف دمعة حزن واحدة على فظائعها وشنائعها باعتبارها انتاجا طبيعيا لا يستغرب لفطرة الانسان الاولى. بيئة السياسة الدولية عند هؤلاء هي بيئة الفوضى والحروب والمعارك المهلكة, ولا أصل على الاطلاق في وجود سلطة عليا تحمي الامن الدولي. فمن قديم كان ميكافلي يوصي (اميره) بأن يحذر أكثر ما يحذر من اي دولة يسهم هو في تقويتها لأنها عندئذ ستنقلب عليه بالعدوان, كما اوصاه بتجريد اي دولة يفتحها نهائيا من اي سلاح, وان يجرد حتى الطابور الخامس الذي ساعده على الغزو, وان يبقى الدولة مجزأة خربة دون قلاع أو حصون, حتى لاتفكر في الثورة عليه. وجاء هوبز في كتابه النظري المهيب (التنين) leviathan ليتحدث عن طبيعة حرب الكل ضد الكل قائلا ان سعي الفرد المستمر طلبا للقوة, يصطدم حتما بسعي الآخرين في ذات المضمار. وذلك لان كل فرد من افراد المجتمع لايضع اعتبارا لقيم اخرى, تعلو على قيمة القوة والخير الشخصي, الذي لا يعني الا ما يؤدي الى رفعة الذات وانتفاضها بالمجد! بناء على ذلك لايمكن ان تكون حياة الناس الا حياة صراع ضار عنيف, لا رحمة فيه ولا هواده, ولا تضحية من فرد يقدمها في سبيل المجموع. فالكل مهموم بطلب القوة والمال والرفعة والمجد, وكل فرد مستعد لتدمير الآخرين اذا تضارب مسعاه مع مسعاهم. وهكذا فحياة الانسان في حالة الطبيعة هي حياة الغابة في الصميم ولابد من وجود الدولة ـ التنين لتكون بمثابة رادع وحشي يحمي الامن. اما حياة الدول وتصارعها على المسرح العالمي فهي ايضا حياة الغابة في الصميم, ولا أمل لتحسينها لأنه لاتوجد دولة عالمية تحكم العالم أجمع! ورث الواقعيون المعاصرون هذه التصورات المتشائمة عن طبيعة الانسان الأولى, واصبحت بمثابة مسلمات لديهم لا تحتمل الشك أو الجدل. وعلى الرغم من مناخ الحريات العقلية المرموق في الجامعات الامريكية, فإن 90% على الاقل من اساتذة العلوم السياسية فيها لايتصورون ان يقوم اي حديث عن العلاقات او المنظمات الدولية, إلا على اساس تلك التصورات. وقد لاحقوا وما زالوا يلاحقون ويحاصرون أية وجهة نظر أخرى من التفكير في تلك الشؤون, ويتهمونها بأنها خارجة عن نطاق العقل والواقع, ولايسمحون بتدريسها, ولا قبول من يؤمن بها في اطار هيئات التدريس. وقد تعرض عدد كبير من الاكاديميين الجدد ممن يتبعون لمدرسة روبرت كوهين, وجوزيف تاي, التي تؤمن بالاعتماد المشترك, والمنظمات الدولية, الى كثير من العقبات, وهم في طريقهم الى اقتحام الجامعات ومراكز البحث في العلاقات الدولية. ورث الواقعيون نزعة الشك العميقة لدى مكيافلي وهوبز وروسو الذين تصوروا ان حالة عدم الثقة هي الحالة التي تسود بين الدول, فلا احد يثق بالآخر, ومن ثم فلابد ان يأخذ كل طرف احتياطاته كاملة تحرزا لاي خطر او هجوم من الاخرين, سواء أكانوا أصدقاء ام اعداء ولايمكن والحال كذلك أن يثق حي بامكانية وفاء الآخرين ممن تدخل الدولة معهم في أحلاف أو مواثيق مكتوبة. المصالح العاجلة.. لا الآجلة والمثال التقليدي الذي يورده هؤلاء هو مثال الصيادين الذين اتفقوا فيما بينهم على صيد غزال سمين, كان كفيلا بان يقدم وجبة عشاء سخية تكفيهم جميعا, فحاصروا الغزال وكمن كل منهم في مرصد او منفذ ينتظر ان يفلت منه, بينما تفرغ بعضهم لمناوشته من الداخل. غير ان احدهم رأى أرنبا صغيرا, حسب انه سيكفي لعشائه منفردا وانشغل بصيد الارنب, تاركا مرصده لينفذ منه الغزال ويهرب, وضاعت بذلك الوجبة الجماعية لقاء الطمع الفردي لصائد الارنب. هذه هي صورة النظام الدولي الذي يمكنه ـ نظريا ـ ان يحقق الامن والرخاء للجميع طالما التزموا بمقتضياته. ولكن الواقع شيء آخر, اذ تنعدم فيه إمكانية تأسيس مثل ذلك النظام, وتكثر فيه احتمالات بروز امثال صائد الارنب, ممن يفكرون انطلاقا من مصالحهم الشخصية, ويهملون أمر المصالح الجماعية. ولذا اقتضى الامر ان تفكر كل دولة حسب مصالحها الخاصة الآنية, ضاربة عرض الحائط بمصالح الآخرين, وبمصالح النظام الدولي بعيدة المدى. ويؤكد الواقعيون ان هذا المثال منطبق على تاريخ العلاقات الدولية منذ فجر التاريخ, وخصوصا منذ نشوء الدولة القومية الحديثة, عقب صلح ويستفاليا (1648م), وعلى الرغم من ان تجربة العلاقات الدولية التي يشيرون اليها, وخصوصا بعد 1648م, هي تجربة اوروبية في الصميم, حيث لم تنضم اليها الدول الشرقية, وكذا الولايات المتحدة, الا حديثا جدا, ولم تكن تلك الدول سوى مجرد هوامش وملحقات للمركز لأوروبي, الا انه قد طاب لمنظري المنظور الواقعي ان يجعلوا من تلك التجربة الاوروبية نموذجا للواقع الانساني قاطبة وان يؤكدوا في غير ما تردد, أن حالة الفوضى في بيئة العلاقات الدولية ستظل حالة أبدية, لانها مشتقة من طبيعة الانسان في الظلم والطمع والعدوان وعدم الثقة بالآخرين. ويحدثنا احد رواد المدخل الواقعي, وهو الاكاديمي الصهيوني هانس مورجانثو, عن طبيعة النظام الدولي التي لاتحتمل وجود اي منظمات دولية والا بشكل صوري قاصر, فيقول انها تتألف من ست حقائق هي: 1 ـ إن كل العلاقات السياسية الدولية تحكمها طبيعة الانسان الاولى, المفطورة على الشر, وعلى حرب الكل ضد الكل وان تجاهل تلك الحقيقة يؤدي الى الاخفاق الفادح, والى انفراط الفوضى في العالم أجمع. 2 ـ ان رجال السياسة وقادة الدول القومية يفكرون في اتجاه كسب مزيد من القوة السياسية لانفسهم ودولهم على حساب الآخرين. 3 ـ إن السياسية الدولية لاتقوم على التعاون وانما على الصراع وان القوة هي السبيل الوحيد لأي أمة من اجل البقاء, والنمو, والتوازن مع قوة الآخرين وردعهم. 4 ـ لا سبيل الى تطبيق القوانين والمثل الاخلاقية في ساحة العلاقات الدولية, وذلك فيما عدا ما يتطابق من تلك القوانين والمثل مع مصالح الطرف الأقوى ولذلك فإن على قادة الدول ان يركزوا على الاعتبارات الأمنية التي تصون بلدانهم, لا على مجرد التعلق بالمنظمات الدولية, والقانون الدولي, وما يسمى بالشرعية الدولية التي هي وهم لا أصل له. 5 ـ يجب التفريق بين (الحقيقة) التي هي القوة وبين (القيم) التي هي مجرد مثل وامان يوتوبية.. والاعتراف لكل أمة بمحصول قوتها فقط, لا محصولها القيمي والديني والفكري.. الخ. 6 ـ في تقويم الاحداث العالمية ينبغي ان نهتم بتحليل أمر واحد فقط هو: ماذا نتج عن ذلك التحرك السياسي من اضافة او نقص بالنسبة لقوة الأمة التي قامت به. هذه النقاط التي اوردها مورجانثو في مقدمة كتابه (السياسة بين الامم: الصراع من أجل القوة والسلم) . والتي تدور جميعا حول فكرة (القوة) بوصفها هدف العلاقات الدولية ومحورها, وبوصفها هدف التحليل العلمي لهذه العلاقات, وبوصفها العملة السائدة في اطار التبادل السياسي الدولي, أصبحت بمثابة المتن الذي تولت شرحه بقية فصول الكتاب, وسائر كتب الواقعيين المعاصرين من كيسنجر, الى كينيث والتز والى نيوت جنجرتش, وبات بوكانين وغيرهم. امل واهن اما من يؤمنون ـ على خلاف ذلك ـ بجدوى المنظمات الدولية, وعلى رأسها الامم المتحدة, فلا يزال نفوذهم واهنا, سواء على الصعيد الاكاديمي البحثي, او على صعيد الممارسة السياسية, فعلى الصعيد الاول تم تدشين هذا المدخل بالكتاب الذي حرره كل من روبرت كوهين وجوزيف ناني بعنوان transnationd relations and world polititics وأعمال تنظيرية وتأصيلية وتطبيقية عديدة لستانلي هوفمان, ورتشارد مانسباش, وبيل فيرجوسون, ودونالد لامبز وغيرهم, اما على الصعيد العملي فقد جاء تعيين جوزيف ناي في منصب مستشار وزير الدفاع الامريكي لشؤون الامن الدولي, ليعطي اول فرصة لاصحاب هذا المدخل لوضع افكارهم عن المنظمات الدولية على المحك العملي ان هؤلاء يعتقدون ان العالم يتجه نحو مزيد من التعاون الدولي والاعتماد المشترك, وان الدولة القومية لم تعد وحدها هي وحدة التعامل على الصعيد الدولي, فقد برزت وحدات تأثير كبرى تتجاوز الدولة القومية كالشركات عابرة القارات, وبعض المنظمات الاقتصادية الدولية, كصندوق النقد الدولي, والبنك الدولي, ومنظمة (أوبك), والمجموعة الاوروبية, وبعض حركات التحرر القومية, وبعض الحركات الدينية كالكنيسة الرومانية الكاثوليكية, وحركة الاخوان المسلمين, والاصوليات الانجيلية, والهندوسية, واليهودية, وبعض المنظمات العالمية كالأمم المتحدة, وبعض التحالفات العسكرية كناتو, والمنظمات الاغاثية, والاعلامية مثل (سي.ان.ان), بل وبعض الشخصيات غير الرسمية التي تستطيع مع ذلك ان تحرك احداث العلاقات الدولية, مثل كارتر والمذيعة ذائعة الصيت كرستيانا مانبور! ان اختراق هذه المنظمات لاطار الدولة القومية في مجال العمل السياسي العالمي, انما هو بشير بسيادة مبدأ الاعتماد المشترك, والحكومة العالمية, التي تسعى لتحقيق اغراض التمدن البشري الذي تلتقي فيه شعوب البشرية قاطبة, عبر شبكات من المنظمات والاتحادات العالمية, تعلوها جميعا منظمة الامم المتحدة الحالية, التي سيصار الى تفعيلها وتطويرها لتحقق الاهداف التي لا تتأهل الدول القومية بطبيعتها لتحقيقها, لأنها تنظر دائما الى المصالح الخاصة ضيقة المدى. واذا كان الواقعيون يعتقدون ان مشكلة الحرب هي ام المشكلات وأصلها, فإن هؤلاء المفكرون (العالميون) الجدد, يعتقدون ان كبرى المشكلات العالمية هي تلك التي يحدثها ويزيد من خطورة وقعها التقدم التقني الحديث مثل مشكلات عدم التوازن البيئي الذي يهدد مستقبل العيش على الكوكب الارضي, ومشكلات نقص الغذاء مع تزايد السكان, وتفاقم المجاعات, هذا فضلا عن مشكلات حقوق الانسان التي يتواصل انتهاكها في كثير من الاقطار, ويمتنع العالم عن التصدي لها, الا اذا اراد ان يستغلها ذريعة لتحقيق اهداف ومصالح استراتيجية خاصة كما هو واقع قصف دول ناتو ليوغسلافيا الآن, وهو قصف قصد به تحقيق اهداف ناتو الاستراتيجية اولا, ولو على حساب زيادة معاناة الألبان من اهل كوسوفو. هذه الاخطار السياسية التجديدية ذات الطابع الانساني, لا تزال افكارا مستضعفة كما اسلفنا ولكنها هي الافكار المرجوة على المدى البعيد لتأصيل فكرة الامم المتحدة, وتحقيق استقلاليتها, واصلاحها وتفعيلها, حتى تؤدي دورها في تحقيق التقدم البشري المتكافىء على صعيد السلم والأمن, والاقتصاد والرخاء, والتلاقي الثقافي وتكامل القيم الانسانية... أما محاولات الاصلاح الجارية حاليا من منطلق الواقعيين, فهي تدور كلها على أساس تتبيع المنظمة للولايات المتحدة, واستغلالها لخدمة اهدافها الاستراتيجية, وبأقل قدر من التكاليف المادية, حيث غدت ميزانية الأمم المتحدة, ترهق ميزانية الولايات المتحدة!!