قبل الامم المتحدة كانت هناك عصبة الأمم التي تأسست بناء على معاهدة صلح فرساي في اعقاب الحرب العالمية الاولى (1919) وكان الهدف من انشائها بعد التجربة المريرة والكوارث الرهيبة التي عانتها البشرية بمختلف شعوبها ودولها واجناسها طوال سنوات الحرب, هو الحيلولة دون نشوب حرب اخرى.. وذلك بوضع مجموعة من المبادىء والقوانين التي تنظم العلاقات بين الدول التي تعهدت بحفظ السلام, وحل المنازعات فيما بينها بالوسائل السلمية, وتنمية التعاون الدولي على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي على حد سواء.. كما تعهدت الدول الاعضاء المؤسسة ــ وكان عددها 26 دولة ــ باحترام استقلال وسيادة كل منها وعرض اي نزاع فيما بينها للتحكيم, او على مجلس العصبة الذي كان مكونا من 9 دول, منها خمس دائمون ثم ارتفع الى 15 منها ستة دول دائمة العضوية. ولعلنا نلاحظ اوجه الشبه الشديد بين اهداف عصبة الأمم, والاهداف المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة الذي وضع عند نهاية الحرب العالمية الثانية, مع فارق مهم ينبغي الانتباه اليه ذلك هو ان مبادىء عصبة الامم صيغت في وقت كان فيه النظام الاستعماري العالمي في أوج قوته, بينما صيغ ميثاق الامم المتحدة حينما كان النظام الاستعماري يدخل في لحظات الاحتضار.. ومن ثم فقد كان من الطبيعي ان يعطي مزيداً من الاهتمام لحقوق الشعوب في الحرية والاستقلال واحترام حقوق الانسان بصرف النظر عن الجنس او العقيدة او اللون. ومع ذلك فقد فشلت عصبة الامم في مهمتها الاساسية وهي حفظ السلام, وكان اصدق دليل على فشلها هو انفجار الحرب العالمية الثانية على نحو ابشع واشد هولاً واكثر ضحايا وخسائر من الحرب العالمية الاولى.. وقبل اندلاع الحرب كانت هناك مقومات للفشل, بدأت اول علاماتها بإقدام ايطاليا على غزو الحبشة (اثيوبيا) في سنة 1935 مع ان الدولتين عضوان بالعصبة, ثم اعلان ايطاليا انسحابها من المنظمة الدولية اسوة باليابان التي سبقتها الى ذلك وهي تطور حادثاً حدودياً مع الصين الى حرب شاملة ثم تلتهما المانيا على سبيل التضامن والتمهيد بضم النمسا وتشيكوسلوفاكيا.. وتوجت عصبة الأمم عجزها بالاعلان عن حرمان الاتحاد السوفييتي من عضويتها في اعقاب عقد معاهدة عدم اعتداء بين موسكو وبرلين.. او بمعنى اصح بين ستالين وهتلر.. فلم يقابل هذا الحرمان من (جنة عصبة الأمم) سوى بالسخرية والاستهزاء لانه لم يكن يعني شيئاً يذكر اكثر من المداد الذي كتب به.. بل لعله كان المقدمة المباشرة للحرب العالمية الثانية.. وقد يذكر في هذه المناسبة ان الولايات المتحدة الامريكية لم تكن في يوم من الايام عضوا في عصبة الأمم لسبب بسيط هو ان الكونجرس الامريكي لم يوافق ابداً على هذا الانضمام حرصا على سياسة العزلة التي ظلت تمثل الركن الاساسي في الاستراتيجية الامريكية حتى اعلان وفاة عصبة الامم بالسكتة القلبية سنة 1939. ونعود الى موضوعنا فنقول انه ما من شك ان قادة الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية عندما اجتمعوا للنظر في انشاء الأمم المتحدة كانت لديهم تجربة عصبة الأمم والدروس المستفادة من فشلها في تجنيب البشرية ويلات حرب ثالثة. ومع ذلك فإنهم لم يعيروا التفاتا الى اهم هذه الدروس واخطرها على الاطلاق, الا وهو ان افتقار العصبة الى وجود قوة تنفيذية رادعة كافية لتنفيذ قراراتها هو الذي ادى الى عجزها عن القيام بمهمتها. ان الشيء نفسه يمكن قوله اليوم عن الأمم المتحدة.. وقد تكون هناك عيوب اخرى هيكلية في النظام الأساسي للمنظمة الدولية, ولكن الذي لا نزاع فيه ان اخطر هذه العيوب واسوأها هو عدم وجود آلية تنفيذية قادرة على فرض السلام, وتطبيق مبادىء الشرعية الدولية على جميع الدول كبيرها وصغيرها على حد سواء.. هل نستطيع القول ان هذه الآلية متوفرة عند حلف الاطلسي ــ مثلاً ــ ولذلك كان قادراً على فرض عقوباته العسكرية ضد سفاحي الصرب؟ وبصرف النظر عن ان حق الفيتو القاصر على الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن كان ولا يزال احد اسباب فشل الأمم المتحدة في معالجة معظم المشاكل على ضوء الشرعية الدولية وطبقاً لمعايير العدل وحقوق الشعوب, فإنه حتى في المرات القليلة التي افلتت بها بعض القرارات العادلة من الفيتو.. لم تفلح معظم هذه القرارات في اتخاذ طريقها للتطبيق العملي.. لمجرد عدم وجود الاداة التنفيذية اللازمة لفرضها ومن ابرز الامثلة على ذلك امتناع اسرائيل عن تنفيذ عشرات القرارات الصادرة من مجلس الامن او من الجمعية العامة للأمم المتحدة باعتبارها صاحبة السلطة العليا بخصوص القدس وبناء المستوطنات واحتلال المناطق المنزوعة السلاح وفقاً لاتفاقيات الهدنة وآخرها القرار 400 الذي ينص صراحة على الانسحاب من لبنان بدون اي قيد او شرط.. ومع ذلك ما زالت اسرائيل تحتل جنوب لبنان, وتمارس من هناك القصف اليومي بالمدفعية والطائرات والصواريخ ضد المدنيين اللبنانيين وتخلي القرى من اهلها وتهدم منازلهم وتبيدهم بالجملة او تحولهم الى لاجئين.. ومع ذلك لا حياة لمن تنادي.. اقل ما يمكن قوله في هذا الشأن أن الامم المتحدة مثل عصبة الامم لم تكن في حجم الآمال المعقودة عليها. ونقول (لم تكن) بصيغة الماضي لانها الآن تكاد تكون غير موجودة بعد ان قامت امريكا بمساعدة حلف شمال الاطلسي بتحرير شهادة الوفاة من خلال الحرب الجوية المعلنة ضد يوغسلافيا بدون تفويض من الأمم المتحدة بل حتى بدون اخطار سكرتيرها العام. بعض الذين يدافعون عن الأمم المتحدة يقولون اننا معشر العرب بالذات, ومع كل تحفظاتنا على عدم فاعلية قراراتها يجب ألا ننسى دورها في صد العدوان الثلاثي البريطاني الفرنسي الاسرائيلي ضد مصر في عام 1956. غير أن الواقع التاريخي يقول ان دور الأمم المتحدة في صد العدوان اياً كان أبسط الادوار وأن هناك أسبابا أخرى أكثر واقعية وفاعلية أدت الى نكوص المعتدين على أعقابهم.. ومنها مقاومة الشعب المصري وتضامن الشعوب العربية كلها, والانذار السوفييتي باستخدام الصواريخ لقصف لندن وباريس, وتهديد الرئيس الأمريكي ايزنهاور بمنع كافة المعونات عن الدول المعتدية الثلاث.. واخيرا اقتناع لندن وباريس بأن يتركا الأمر في الشرق الأوسط لواشنطن كي تتولاه بمعرفتها. وقد حدث هذا بالفعل وتولت واشنطن ــ بمساعدة اسرائيل ــ مسألة ترويض مصر والعرب عموما.. وكانت حرب 1967. فأين كان مجلس الأمن, والأمم المتحدة.. حتى الان؟! هناك حجة اخرى كثيرا ما نسمعها أو نقرأها للمعلقين الدوليين في مجال اشادتهم بالأمم المتحدة ودورها في حفظ السلام. تلك هي انه يكفي أنها استطاعت أن تجنب العالم شر الوقوع في حرب نووية مدمرة تأتي على كل ما انجزته الحضارة البشرية على مر آلاف السنين. غير ان الذي أنقذ العالم على مدى خمسين عاماً من تحول الحرب الباردة الى معركة فناء دموية لم يكن جهود الأمم المتحدة وانما كان توازن الرعب النووي بين القطبين الأمريكي والسوفييتي. ومن ثم فإن فقدان هذا التوازن بسبب غياب القطب الآخر أصبح يشكل خطراً داهماً على البشرية وهذا أمر يدعونا الى التفكير بسرعة في ايجاد وضع بديل. ومع ذلك ففي خلال الخمسين عاماً من الحرب الباردة شهد العالم أكثر من 260 حرباً كبيرة أو متوسطة أو صغيرة, وبلغ حجم ضحاياها وخسائرها أضعاف ما تكلفته البشرية في الحرب العالمية الثانية, ومنها حروب كانت الدول الكبرى ذاتها أطرافاً فيها.. فقد شقت الولايات المتحدة حروباً مباشرة في كوريا وفيتنام وجرينادا وبنما. وقام الاتحاد السوفييتي بغزو المجر وتشيكوسلوفاكيا ثم أنغمس في معركة طويلة في أفغانستان, وحاربت فرنسا في الجزائر حتى قلمت أظافرها, ودخلت بريطانيا في معركة مسلحة مع الارجنتين حول جزر فوكلاند التي تبعد عنها آلاف الأميال. حتى الصين دخلت في حرب مع الهند في الستينيات. هذا بالطبع فضلا عن مئات الحروب بين الدول الصغرى سواء كانت على شكل حروب أهلية أو حروب جوار كلفتها مالا تطيق من خسائر في الارواح والممتلكات وكانت كلها تصب في النهاية على شكل مكاسب للدول الكبرى التي تبيع السلاح لجميع الأطراف. هل معنى ذلك أننا يجب أن نعترف بشهادة الوفاة الأمريكية الأطلسية ونهيل التراب على الأمم المتحدة؟ ــ ان شهادة وفاة الأمم المتحدة لن تخدم إلا أطماع الهيمنة العالمية للولايات المتحدة الأمريكية. ومن ثم فإن التسليم بإنتهاء دور الأمم المتحدة انما يعني في نفس الوقت التسليم بالتبعية للإرادة الأمريكية وللخط الذي تحاول الولايات المتحدة أن تفرضه على شعوب العالم. ونحن مثل سائر شعوب العالم بحكم تقاليدنا وتاريخنا وطموحاتنا ومعتقداتنا الدينية وتراثنا الحضاري لا نستطيع الاستسلام لهذا النمط الذي تسود فيه ممارسات العنف لدى أطفال المدارس وتكون فيه الفضائح من أمثال مونيكا جيت شيئا مستساغاً ومحل إعجاب من الرأي العام. ان ما نحتاجه ليس دفن الأمم المتحدة وإهالة التراب عليها وانما نحن الان ــ وعندما نقول نحن نقصد البشرية بأسرها ــ في حاجة ماسة الى إصلاح وتعديل ميثاق وهياكل المنظمة الدولية بحيث تصبح قادرة على القيام بمهمتها الاساسية وهي اقرار السلام ومنع العنف وإقامة العدل والتعاون الاقتصادي والثقافي من أجل خير البشر أجمعين. ونقطة البداية هي أن تكون للأمم المتحدة قوة تنفيذية أقوى من كل ما تمتلكه الدول الكبرى وتكون هي المسؤولة والمنفذة بإعتبارها تمثل ضمير العالم بكل قراراتها. وما من نزاع في أن هذا يتطلب إعادة النظر في تركيبة مجلس الأمن والعضوية الدائمة وكذلك وضع شروط لإستخدام حق الفيتو حتى لا يتحول الى فيروس للشلل. بالطبع فإن القوى العالمية المسيطرة لن يعجبها أن يتحقق ذلك وستقاوم أية محاولة للإصلاح يمكن أن تؤثر على خططها للهيمنة ولكنها في النهاية معركة نضالية على كل الشعوب الحرة والشرفاء في هذا العالم أن يخوضوها بمنتهى الإصرار لان البديل الوحيد هو عودة العالم 1000 سنة الى الوراء. ان الأمم المتحدة هي المنبر الوحيد الباقي للشرعية الدولية وإذا كانت هذه الشرعية اليوم ضعيفة الصوت لانها ليس لها أنياب فإن المطلوب ليس قتلها وإنما زرع هذه الانياب.