ابدى أساتذة العلوم السياسية بجامعة الامارات تشاؤما كبيرا حيال دور الامم المتحدة المستقبلي.. حتى ذهب البعض الى انها تكاد تفقد قدرتها في ظل احادية السيطرة الامريكية وفق نظام عالمي جديد يخيم على دول العالم وفي مقدمتها دول اوروبا . الشواهد عديدة بعدم قدرة الامم المتحدة على تحقيق دورها الذي انشئت من اجله ـ ومثال ذلك مأساة كوسوفو ـ ومنطقتي الحظر في شمال وجنوب العراق. وفي اشارة من رئيسة قسم العلوم السياسية بجامعة الامارات الدكتورة مريم سلطان لوتاه.. قالت من المعروف ان هيئة الامم المتحدة انشئت اساسا على اثر فشل عصبة الامم في حل النزاعات بين الدول الاوروبية, فهي منظمة استهدفت اساسا اعادة تنظيم العلاقات الدولية بين الدول الكبرى, وترتيب شؤون النظام الدولي بما يكفل تحقيق مصالح تلك الدول. وفي عالم اليوم الذي بدت فيه الهيمنة الامريكية اكثر وضوحا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي, يمكن فهم لماذا تجاوزت الولايات المتحدة هذه المنظمة واصبحت تقود العالم إما بإخضاع تلك المنظمة لارادتها او بتجاوزها؟ واضافت: في اعتقادي ان الامور ستظل على هذا النحو اذا لم تصر الاطراف الدولية الفاعلة سواء القديمة او الجديدة ذات التأثير الاقتصادي والسياسي على لعب دور سياسي فاعل يتناسب مع قوتها الاقتصادية والتكنولوجية. وفي استطراد قالت: صحيح ان مثل هذا الطرح لن يخدم الدول العربية او غيرها من الدول الصغيرة.. حيث نعيش في عالم تحكمه القوة, ولا تحكمه القيم او الاخلاقيات السياسية.. ومع ذلك فإن وجود اكثر من فاعل دولي كما كان الحال في ظل الوضع السابق, اي في وجود الاتحاد السوفييتي كقوة دولية عظمى يتيح للدول الصغيرة قدرة اكبر على المناورة في محاولة تحقيق اهدافها او درء اخطار تواجهها.. واشارت الى ان قدرة الاطراف الصغيرة على المناورة تكون اكبر في ظل اختلاف توجهات الفاعلين الدوليين, رغم ان هذا لا يبدو مطروحا بوضوح بين الاطراف الجديدة الصاعدة فجميعها تظل تحت المظلة الرأسمالية التي يمكن ان تتفق ضد الدول الصغيرة في سبيل الحفاظ على مصالحها. وترى الدكتور مريم, انه لا يمكن تصور العالم بدون هيئة منظمة للتفاعلات السياسية والاقتصادية, اي كان تسمية تلك المنظمة واي كانت اهدافها والمبادىء التي تحكها. ومع ذلك ــ والكلام هنا ايضا للدكتورة مريم ـ فإنني لا اجد مساحة كافية لتحرك الاطراف الصغيرة او الدول الصغيرة في ظل نظام دولي لا يعرف غير لغة القوة ولا تحركه سوى المصالح المادية, ومرد ذلك الاعتقاد هو قناعتي بأن من يملك القوة استطاع ان يخترق جميع المؤسسات على مستوى الدول الصغيرة, حيث اخترق العائلة اولا ثم تم اختراق المجتمع, فالدولة, اضافة الى اختراق عقلية الانسان وجعله يتحرك لخدمة مصلحة الطرف الاقوى, ويصبح اعزلا ضعيفا امامه دون وعي منه.. وتساءلت الدكتور مريم: كيف لهذا الانسان في ظل سيادة نظام القوة اللاأخلاقي, ان يغير ذلك الوضع لصالحه او ان يفكر في امكانية تغيير ذلك الوضع, وهو محاصر من كل جانب بمؤثرات خارجية تؤكد له في كل لحظة عظمة وقوة الطرف الآخر ـ وضعفه وهشاشته في مواجهته. وحول حلف الناتو, قالت الدكتور مريم: غني عن القول ان هذا الحلف قد انشىء اساسا لحماية مصالح الدول الغربية الرأسمالية في مواجهة حلف وارسو, وان انهيار الاتحاد السوفييتي لم يقلل من حرص هذا الحلف على تحقيق المصالح الرأسمالية, بل اتاح له مساحة اكبر للتحرك نحو تحقيق اهدافه دون قيد او رادع ـ وتابعت ـ رغم ما توافينا به وسائل الاعلام الغربية عن دور الحلف في حفظ السلام والالتزام بمبادىء الشرعية الدولية, إلا ان الحقيقة مغايرة لذلك تماما, فما يقوم به الحلف من هجمات عسكرية متتالية في كثير من بؤر الصراع في عالم اليوم, ما هي الا هجمات من اجل الحفاظ على المصالح الغربية.. ويكفي للتدليل على ذلك رصد دور حلف الناتو في قضية كوسوفو اليوم, فالبرغم من ابراز وسائل الاعلام لدور الحلف في ضرب القوة الصربية, إلا ان تلك الضربات قد ساهمت اساسا في تهجير اهالي كوسوفو, ومن ثم كان دوره مكملا لدور الصرب في عملية التطهير العرقي في هذه المنطقة, مشيرة الى انه ليس هناك اي ضمان دولي لعودة هؤلاء اللاجئين الى وطنهم, وبالتالي يكون الحلف قد حقق هدفين في آن واحد, ألا وهما ضرب احد المعاقل الاشتراكية, بالاضافة الى انه قد فتت وشتت مجتمعا اسلاميا. من جانبه اكد الدكتور عبدالرحيم الشاهين ـ استاذ العلوم السياسية بجامعة الامارات ـ على ان الامم المتحدة مقبلة على اواخر فترة عصبة الامم, خاصة في ظل السيطرة الامريكية على هذه المنظمة, واضاف ان الاحداث التي تجري في العالم حاليا ليس للامم المتحدة دور حقيقي فيها.. ومثال ذلك فرض الحظر الجوي على شمال وجنوب العراق, حيث ان الولايات المتحدة تنفذ هذا بدون شرعية من الامم المتحدة... وكذلك فيما يتعلق بيوغسلافيا وقضية كوسوفو, فالبرغم من الجرائم التي ترتكب إلا انه لا توجد شرعية في اتخاذ قرار ملزم. وقال انه يتصور اذا استمر الحال على هذا فسوف يضمحل دور الامم المتحدة في المستقبل. وحول توسيع عضوية مجلس الامن ـ يرى الدكتور عبدالرحيم الشاهين ـ ان دخول بعض دول آسيا وافريقيا للمجلس يمكن ان يخلق نوعا من التوازنات, ولكن بالضرورة لابد ان يكون هناك اشارة توضيحية.. اذا كان دور الامم المتحدة في الاساس مهمشا, فبالتالي فإن توسيع العضوية مجرد تحصيل حاصل.