برزت في الآونة الأخيرة متغيرات وأحداث دولية وثيقة الصلة بالامن الجماعي, هذا الهدف الذي قامت لأجله الامم المتحدة وارست وثيقة تأسيسها لتحقيقه , غير ان هذه المتغيرات عصفت بمبادىء هذا الامن الجماعي, فجاءت حرب الخليج الأولى والثانية وحرب البوسنة والهرسك والصراعات برواندا والشيشان والكونغو وانجولا وأريتريا والسودان وأزمة ليبيا والصومال, وغيرها الكثير وآخرها الآن حرب كوسوفو, وكلها أزمات دولية فجرت سؤال حيوي حول دور منظمة الامم المتحدة في هذه الازمات وفي ظل الظروف والمتغيرات الحالية, وهل أصبح لتلك المنظمة الدور والفعالية مع نظام احادية القطب؟, وهل أصبحت آلياتها تتوافق مع متغيرات العصر ومتطلباته؟ هذه الاسئلة وغيرها توجه بها (الملف السياسي) الى الهولندي سيمون دي خيير الباحث في شؤون حقوق الاقليات في العالم وخبير العلاقات الدولية. * ونسأله عن لمحة تاريخية للأمم المتحدة ودورها في تخفيف حدة النزاعات التي شهدها العالم على مدى أكثر من خمسة عقود؟ ــ في أوائل الاربعينات ولدت فكرة انشاء منظمة عالمية تختص بشؤون الامن الدولي والفصل في الازمات الدولية واقرار السلام وذلك من قبل الرئيس الامريكي (فرانكلين روزفلت) وكانت هذه الفكرة قبل ان تضع الحرب العالمية الثانية أوزارها, غير ان الدول الكبرى في ذلك الحين وفي مقدمتها الاتحاد السوفييتي لم ترحب كثيرا بهذه الفكرة, بل رأى (تشرشل) و(ستالين) في حينه انه لا أهمية أو حاجة لوجود مثل هذه المنظمة, رغم ذلك استمر (روزفلت) قدما في الترويج لفكرته, بل قام بطرح وثيقة مبدئية لهذه المنظمة الدولية, كانت فيما بعد الاساس الحقيقي لوثيقة منظمة الأمم المتحدة, غير ان نشوب الحرب العالمية الثانية قد ارجأت تلك الفكرة لوجود أوليات دولية تسعى الى الانتصار وارساء القوة والنفوذ, بعد ان انتهت الحرب عادت الحكومة الامريكية لطرح الفكرة من جديد, والتي كان الهدف الحقيقي منها هو ايجاد صيغة سلمية وتوفيقية بين الدول الكبرى المنتصرة في الحرب لتقسيم المستعمرات القديمة والممتلكات من غنائم الحرب الدولية, بجانب الحفاظ على مستوى هيمنة وقوة الدول الكبرى التي انتصرت في الحرب, ولذلك عندما انعقد مؤتمر سان فرانسيسكو التأسيسي للمنظمة عام 1945 عقب انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية, جاء ميثاق الأمم المتحدة على أيدي الحلفاء الاربعة المنتصرين (امريكا, الاتحاد السوفييتي, الصين, بريطانيا) ليرسي قواعد أمنية تخدم هذه الدول المنتصرة على الرغم من مشاركة 46 دولة في هذا المؤتمر, ولم يوجد الميثاق لخدمة الشعوب أو الدول الضعيفة والمهزومة, وهذا يؤكد امتلاك الدول الخمس الكبرى حق الفيتو والاعتراض على أي قرار تصدره الأمم المتحدة, وهو حق من الممكن ان تُهدر به قوة الامم المتحدة أو قدرتها على حل أية أزمة دولية حقيقية أو التدخل فيها بصورة فعالة. ورغم ما سبق الاشارة اليه من أهداف نشأت عليها الأمم المتحدة, الا انها نجحت في حل بعض القضايا والازمات الدولية على مر تاريخها وحتى الآن ومنها: ــ اقرار السلام والقضاء على التمييز العنصري في جنوب افريقيا. ــ اقرار السلام في جواتيمالا وارساء الديمقراطية في جزر هاييتي والسلفادور بجانب اسهامها في حل العديد من القضايا الاقتصادية والاجتماعية من خلال صناديقها ولجانها والمنظمات والجمعيات التي تشرف عليها, وان كانت هذه النجاحات تعد هزيلة وضئيلة بالقياس للقضايا والأزمات الاخرى التي لم تنجح حتى الآن في حلها أو الاسهام في البت فيها, وفي مقدمتها قضية فلسطين واسرائيل, وقضية العراق, والسودان, والصومال, والصراعات في دول البلقان, وفي الكونغو وافغانستان, والصراع بين الهند وباكستان, والكوريتين, كما ان الامم المتحدة نفسها ومجلس أمنها لا تتدخل في الكثير من أزمات وصراعات الدول النامية والفقيرة من العالم الثالث ولا تربطها مصلحة استراتيجية بالدول الكبرى المؤثرة على المنظمة على غرار ما حدث في رواندا من مجازر وتصفيات عرقية. * كيف يمكن تقييم دور منظمة الأمم المتحدة في ظل احادية القطب وغياب التوازنات الدولية؟ ــ قبل الاجابة بالتحديد على هذا السؤال يجب أن أوضح أولا ان الولايات المتحدة الامريكية لها اليد الطولى في تلك المنظمة, منذ كانت مجرد وثيقة تأسيس مبدئية على الورق وحتى الآن, فكما سبق الاشارة اليه ان فكرة هذه المنظمة كانت من أفكار الرئيس الامريكي روزفلت, وعندما انتهت الحرب العالمية, وبدأ اقرار وثيقة الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو, حملت امريكا على عاتقها الغالبية العظمى من تكاليف هذا المؤتمر ووفوده الحاضرين من 46 دولة, بل كرست امريكا طائراتها الحربية وامكانياتها للاسهام في نقل وفود هذه الدولة للمشاركة في فعاليات هذا المؤتمر, ووضعت أمريكا من خزانتها النسبة الكبرى من التمويلات المطلوبة لموازنة تلك المنظمة لتظهر الى حيز الوجود, وكانت مسألة امتلاك حق الفيتو اقتراح امريكي, وهكذا نجد ان امريكا لها ذراع قوية منذ البداية في الأمم المتحدة, وان كانت هذه الذراع تتوارى قوتها حينا لدواعي التوفيق الدولي مع شركائها الآخرين في حق الفيتو, ويظهر كثيرا لخدمة المصالح والاهداف الامريكية, سواء لأمريكا نفسها أو للدول الصديقة لها التي تربطها بها مصالح استراتيجية على غرار اسرائيل, ومن هنا فإن دور المنظمة تحرك فعالياته أمريكا وبقوة, وتؤثر بصورة واضحة على قرارات مجلس الأمن بها, وقد سمحت المتغيرات الدولية وغياب القطب الثاني في القوة (الاتحاد السوفييتي) عن الوجود في لعب امريكا دورا واضحا بالامم المتحدة دون مبالاة بنقد دولي أو اعتراض, ومما يؤسف له ان الدول الاربعة الأخرى صاحبة الحق في الفيتو لا تستخدم هذا الحق لمواجهة الهيمنة الامريكية, بقدر ما تستخدمه اذا مست قرارات الامم المتحدة مصالحها الخاصة, لذلك زادت الفرصة أمام امريكا لدعم دورها وفرض هيمنتها ونفوذها على الامم المتحدة نفسها, حتى بدت قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن في معظم القضايا الدولية وكأنها قرارات أمريكا نفسها والمعبر عن ارادتها. * هذا الطرح يدفعنا الى سؤال جوهري وهو: هل لاتزال الأمم المتحدة مرجعية وملجأ لدول العالم في أزماتها وقضاياها؟ ــ لا يمكن انكار ان الثقة في قدرة وفعالية الأمم المتحدة قد اهتزت كثيرا بسبب أزمة السلام في الشرق الأوسط, وضرب اسرائيل بمئات القرارات الصادرة من هذه المنظمة بعرض الحائط, الأمر الذي أفقد المنظمة ثقة عدد لا بأس به من الشعوب خاصة العربية التي تتطلع بشغف الى الخلاص من تلك المشكلة التي طال أمدها, يضاف الى ذلك ان الاطاحة بقرارات الأمم المتحدة من قبل الدول الخمس الكبرى باستخدام حق الفيتو والذي تحركه المصلحة قد ساهم في فقدان هذه المنظمة لقوتها, وكما لوحظ مؤخرا فإن الولايات المتحدة نفسها التي دائما ما سخرت لاصدار قرارات لصالحها, واستخدمت قرارات الأمم المتحدة ذريعة لتبرير تصرفاتها أو ردع دولة ما أو الضغط عليها, هي نفسها امريكا التي بدأت تخرج عن طوع الأمم المتحدة بصورة سافرة معلنة الانفصال في قراراتها عن الامم المتحدة, فعندما تم ضرب العراق كان القرار بعيدا عن الامم المتحدة, وعندما ضُـرب السودان كان الأمر بعيدا عن الأمم المتحدة, والآن قوات الناتو تضرب يوغسلافيا بعيدا عن قرارات الأمم المتحدة, وكل هذه التصرفات تساهم في هز صورة وقوة هذه المنظمة الدولية, وهو الأمر الذي يدفع دولا عديدة الى هز كتفيها في حالة من اللامبالاة بهذه المنظمة أو قراراتها أو محاولاتها للتدخل, فالجزائر على سبيل المثال رفضت تدخل الأمم المتحدة للاسهام في انهاء المذابح البشعة بها, وقالت الجزائر ان هذا الأمر يخص السيادة الداخلية للجزائر, وليس من حق المنظمة الدولية التدخل فيه, وهذا الأمر من السهل ان يحدث ويتكرر من قبل أية دولة اخرى, لهذا فإن هناك ضرورة ملحة الآن لاصلاح تلك المنظمة واعادة النظر فيها وفي فعالياتها حتى لا تتحول الى منظمة ظل أو مجرد خيال للمآتة. * لكن ألا يمكن تفعيل دور الجمعية العامة للحد من خضوع المنظمة لتوجهات الدول الكبرى في مقدمتها امريكا خاصة من خلال مجلس الأمن واستخدام حق الفيتو؟ ـ قرارات الجمعية العامة ليس لها صفة الالزامية, وتصدر في صيغة توصيات, غير انه كان لهذه القرارات صفة تأثيرية قبل انتهاء الحرب الباردة أثناء وجود قطب ثان عالمي متمثل في الاتحاد السوفييتي, حيث كان استقطاب الاتحاد السوفييتي لتأييد دولي داخل الجمعية العامة يخلق نوعا من التوازن يفسد على الولايات المتحدة الامريكية سلطة الانفراد بالاستقطاب الواحد والهيمنة على قرارات الجمعية العمومية, وانتهاء ثنائية القطبين قد قضى على تأثيرية قرارات الجمعية العامة, وأصبح الاستقطاب الواحد من قبل الولايات المتحدة الامريكية هو المهيمن, وانتهت الحرب الباردة وبدأت سيطرة أمريكا على العالم وداخل الامم المتحدة أفقد تأثيرية القرارات داخل الجمعية فعاليتها, كما أفقد منظمة الامم المتحدة ككل فعاليتها في تحقيق الأمن الجماعي, وهو الأساس الذي قامت عليه المنظمة, فأصبح توصيف هذا الأمن خاضع لتفسير وتأويل أمريكا صاحبة القوة الواحدة, وأصبح خاضعا لمعايير تحكمها المصلحة, فاتسم باختلال المعايير المتوازنة والكيل بمكيالين وفقا للمصلحة, ومن هذا المنطلق لا يمكن تفعيل دور الأمم المتحدة في ظل النظام العالمي الجديد من خلال تفعيل دور الجمعية العامة, بل من خلال اصلاح شامل في تلك المنظمة ككل وآلياتها لتتلاءم مع حقبة الحرب الباردة وثنائية القطبين, أما الآن وقد تغير الواقع, وبرزت على الساحة الدولية قضايا وأزمات لها طبيعة وصفة تختلف عما سبق, فيجب ان تتغير معها آليات المنظمة وطبيعة دور مؤسساتها الحالية, ولا أتصور ان يتم ذلك عن طريق تفعيل دور الجمعية العامة وموازنة دورها بدور مجلس الأمن من حيث القرارات الالزامية, لأن دولة كأمريكا لن تسمح بهذا التحول الكبير, لذلك أرى ان يتم الاصلاح في آليات اخرى. * وكيف يمكن تحديد الملامح المطلوبة لهذا الاصلاح؟ ــ في البداية يجب ان يشمل الاصلاح مجلس الأمن, فليس من المنطقي مع المعطيات الدولية الحالية ان يتحكم في قرارات هذا المجلس خمس دول فقط, مع ظهور قوى جديدة صاعدة كالاتحاد الاوروبي واليابان على سبيل المثال, لذلك يجب توسيع العضوية في مجلس الأمن لتتسع بذلك رقعة حق الفيتو, وان يحسم هذا الخلاف حول المعايير التي سيتم على أساسها ضم دول بمجلس الأمن ــ أكانت معايير اقتصادية أم سياسية أم قوة عسكرية ــ وان يراعى في ذلك تمثيل كافة القوى الدولية والاقليمية لاحداث التوازن داخل المجلس وقراراته. النقطة الثانية اضافة آليات جديدة للمنظمة لاحتواء ظهور أولويات مستجدة على الساحة الدولية كالأولويات الاقتصادية والاجتماعية, لذلك أرى ان انشاء مجلس أمن اقتصادي مستقل, ومجلس أمن اجتماعي لاستيعاب الازمات الناشبة في كل من الاثنين, واتخاذ قرارات الزامية بشأنها, فمن غير المعقول ان تبقى آليات المنظمة قاصرة وعاجزة لعلاج المستجدات الحديثة, كما يجب اعادة النظر في المؤسسات التابعة للمنظمة, ودور هذه المؤسسات والعمل على تطوير دورها سواء كان هذا الدور رقابي أو داعم أو دافع, وخاصة فيما يتعلق بالمؤسسات الاقتصادية والمالية, لأن الأزمات الاقتصادية أصبحت هي الخطر الجديد الذي يحدق بالعالم, والواجب الوقاية منه أو تدارك تداعياته قبل تفاقم الازمة وتسببها في تفجر مزيد من الخلافات الدولية والصراعات الدامية. * هل يمكن ان تلعب اوروبا الموحدة دورا في اعادة التوازن للعالم والحد من هيمنة أمريكا؟ ــ أثبتت التجربة حتى الآن ان أوروبا الموحدة بكل ما لديها من قوة اقتصادية وعسكرية لم تستطع ان تؤثر في مجريات الاحداث أو الأزمات الدولية, على غرار قضية السلام في الشرق الأوسط, التي لعبت ولاتزال تلعب في ساحتها دور الممول الاقتصادي لها دون تأثير في دفع القضية للأمام أو التأثير فيها بصورة أو بأخرى, وعلى غرار أزمة العراق التي انصاعت فيها خلف قرار أمريكي, حتى ان أزمة أوروبية ــ أوروبية على غرار أزمة كوسوفو, لم تستطع أوروبا ان تحلها بنفسها رغم وحدتها دون قرار وقيادة أمريكية, وهذا يوضح ان أوروبا حتى الآن لم تستطع بالفعل ان تشكل مركز قوة حقيقي يخلق هذا التوازن الدولي, وان كنت واحدا ممن يأملون ان يحدث هذا لانقاذ العالم الواقع في براثن المصالح الامريكية, فأوروبا تسعى الآن الى اقامة وحدة عسكرية وأمنية موحدة, وقد تنجح أوروبا ــ بعد ان تنفذ تلك الوحدة ــ في خلق قوى اخرى موازية لأمريكا, وان كان هذا لن يحدث في الوقت القريب, خاصة بعد ان أعلنت أمريكا تطويرها لاستراتيجية حلف الناتو لتعطي أوروبا مزيدا من الصلاحيات للتدخل العسكري بمعزل عنها في مناطق نزاعات ذات صلة بمصالح هذه الدول, فهذا الطُعم الامريكي إنما محاولة لترضية أوروبا, وبالتالي ضمان بقائها داخل طاعة الحلف ــ الذي تسيطر عليه أمريكا ــ وبالتالي لن تتمكن أوروبا في القريب من مجابهة الهيمنة الامريكية. أجرى الحوار: سعيد السبكي