بدأت تظهر معالم النظام الدولي الجديد في حقبة التسعينات حيث تجلت فيه هيمنة الولايات المتحدة الامريكية على العالم وبدت صاحبة القرار الاول والاخير وتكشف ضعف الامم المتحدة واهتراؤها امام تصميم واشنطن على ادارة اللعبة السياسية الدولية بمفردها في ظل نظام احادي القطبية وغياب التوازنات الدولية التي افرزها غياب الاتحاد السوفييتي عن الساحة الدولية. لقد افرزت هذه الاوضاع العالمية خللا في النظام الكوني وافسادا حقيقيا لمفاهيم وقيم الامم المتحدة التي قامت عليها منذ تأسيسها في الاربعينات عقب الحرب العالمية الثانية, والتي ظلت شعوب العالم تراهن عليها حفاظا على الكينونة الانسانية وترسيخا لمبادىء السلم والامن الدوليين الركيزتين الاساسيتين اللتين قامتا عليهما المنظمة الدولية. بيد ان التطورات الجارية الآن في مواقع شتى من العالم كالبلقان مثلا, تشير الى ان حلف الناتو هو اليد الطولى لامريكا وذراعها العسكرية التي تقوم بتأديب الخارجين عن الطاعة والمتمردين على المذهب الرأسمالي, في حين ان اوروبا اثبتت ايضا انها لا تملك إلا ان تسير ضمن نهج واشنطن وفي اطار خط مصالحها وانها اداة طيعة وجسر لتنفيذ الاستراتيجية الامريكية رغم كل ما يقال عن وحدة اوروبا اقتصاديا وسياسيا وما سيشكله ذلك من تهديد ومنافسة لهيمنة امريكا على العالم. ان شعوب العالم تتطلع اليوم الى دور قوي ومؤثر وفاعل للامم المتحدة في الاحداث العالمية كونها تمثل الارادة الدولية وتعكس طموحات وسياسات دول العالم اجمع ولذا فإن حالة السلبية والتهميش الذي تعيشه المنظمة بات يطرح جملة من التساؤلات حول مستقبل الامم المتحدة في ظل النظام العالمي الجديد. وحول المخاطر التي قد تشعرها البشرية في حال تدهور وضع المنظمة الدولية وتعرضها للانحلال. كما يشير بعض المحللين السياسيين الى ان الامم المتحدة تمر في ظروف صعبة تعيد الى الذاكرة الانسانية عصبة الامم المتحدة التي انقرضت في الاربعينات. لقد طرح احد علماء السياسة تساؤلا يقول فيه (تخيلوا العالم بدون الامم المتحدة) فكيف ستجدون النظام الكوني وما الذي سيجمع دول العالم في محفل واحد؟ والى اين ستلجأ الدول الضعيفة والصغيرة لتشكي مظالم الكبار والمعتدين الجبابرة؟ وخلص من دراسته الى نتيجة مؤداها ان وجود الامم المتحدة كمنظمة دولية افضل للعالم والبشرية عموما من غيابها لانه سيعني الكارثة ويكفي ان قادة العالم يجتمعون سنويا في الجمعية العامة (برلمان العالم) ليناقشوا قضاياهم وهمومهم ضمن رؤية اممية تبتغي الصالح البشري, بدلا من ان تتحول الكرة الارضية الى غابة يأكل فيها القوي الضعيف وتسود شريعة الغاب. ومن هذه البديهية فإن وجود الامم المتحدة كهيئة دولية تحتضن كل دول العالم هو ابقى واسلم لبني البشر رغم السلبية والضعف اللتين تمر بهما المنظمة وغيابها هو الكارثة, لذلك فإن التطورات والتفاعلات الدولية تفرض اعادة النظر في عضوية مجلس الامن وصلاحياته ومراعاة بروز قوى دولية صاعدة قادرة على المشاركة والمساهمة في اتخاذ قرارات دولية رشيدة تراعي مصالح بني البشر بعيدا عن الرؤى الضيقة والنفعية والسعي لمشروع اصلاح راديكالي للمنظمة الدولية.