في سعيها الحثيث لاغلاق ملف شركات توظيف الاموال تلقت الحكومة المصرية صدمة جديدة فجرها اعضاء مجلس الشعب في المناقشات التي دارت خلال الايام القليلة الماضية , وتتمثل المشكلة في عودة شركات توظيف الاموال ولكن بمفهوم جديد تحت مظلة شرعية, وذلك من خلال اباحة اصدار الشركات لسندات في سوق الاوراق المالية دون وجود ضمانات كافية لحقوق المستثمرين الحائزين على تلك السندات... واتبعت الشركات التي تصدر السندات نفس اسلوب شركات توظيف الاموال في جذب العملاء, وهو منح فوائد عالية على السند مقارنة بسعر الفائدة المعمول به في البنوك, ومن ثم كان الاقبال على الشراء بصورة مبالغ فيها لفتت انظار الخبراء الذين اكدوا ان السندات وشركات توظيف الاموال وجهان لعملة واحدة... فأين الحقيقة؟ الدكتور سمير رضوان خبير اسواق المال والاقتصاد الاسلامي المعروف يفرق بين الوضع الحالي لاصدار سندات الشركات وبين شركات توظيف الاموال بقوله: ان الوضع الحالي للافراط في عملية اصدار سندات الشركات يعد اسوأ من مرحلة شركات توظيف الاموال, وهي في رأيي الشخصي كانت تسير ضمن خطط وطموحات مستقبلية واعدة, بينما ما يحدث في السندات صورة جديدة من صور الاقتراض المحفوف بالمخاطر. وقبل الاجابة على تساؤل لماذا اتجهت الشركات لاصدار السندات بهدف الاقتراض ــ والحديث للدكتور رضوان ــ يجب اولا ان اشير الى نقطة مهمة في اسلوب التفكير بشأن هذه القضية, وهو ان الفكر الغربي يرى دائما ان (أرخص) اساليب التمويل هو التمويل بالقرض, وان تتجه اية شركة الى المتاجرة بأموال الغير دون الاعتماد على رؤوس الاموال الخاصة, او حتى اموال المساهمين, ولتوضيح ذلك نقول ان الافتراض القائم حول هذا الموضوع ينصب في اتجاه واحد هو تحقيق اكبر عائد دون مخاطر ممكنة, وبمعنى آخر لو افترضنا ان احد المشروعات يحقق عائدا لا يقل عن 25% كهامش ربح وستقوم الشركة بطرح سندات ذات فائدة تصل الى 21%, في هذه الحالة سيكون فائض هذه الاموال في حدود 13% دون ان يتعامل برأسماله الخاص, وتنتقل المخاطرة منه الى باقي الدائنين اصحاب القروض. وبالرغم من المخاطرة التي يقوم عليها هذا الفكر في الدول الرأسمالية والذي يرى ان افضل اسلوب للتمويل هو اسلوب التمويل بالدين, وبالرغم من ان طائفة كبيرة من رجال الاقتصاد في مصر يتمسكون بهذا الرأي الا ان هناك في الغرب من اعترض على رؤية (بدجولياني) و(مولير) وهما من أكبر العلماء في التمويل والاستثمار في الخارج, ويرى الاثنان انه لو باستطاعة احدى الشركات ان تكون كل اموالها منقرضة, فإن ذلك يعد من افضل اساليب التمويل, وهذا فكر مغلوط وقد وصف كافة خبراء العالم تقريبا الكاتبين بالتحيز الأعمى لآرائهما وأفكارهما الخاصة, وذلك التحيز يكاد يعمي بصيرتهما عن رؤية الحقيقة التي يعلمونها, فمن المعروف انه كلما زادت نسبة الاقتراض, كلما زادت نسبة المخاطر للهيكل التمويلي. خلل من نوع جديد ويتابع د. رضوان لو افترضنا على سبيل المثال ان جملة رأس المال المملوك في احدى الشركات 30%, ورأس المال المقترض 70%, فإن نسبة الاموال التي يجري توظيفها في هذه الشركات هي 30% فقط, وهو امر خطير للغاية حيث تعمل هذه الشركات في هذه الحالة لحساب الغير, وبمفهوم آخر فهو عودة الى الخلل الذي كان قائما في شركات القطاع العام مع اختلاف مصدر الاقتراض, حيث كانت البنوك هي مصدر قروض تلك الشركات وكل ذلك سيدفعنا الى الدخول مرة اخرى في الهياكل التمويلية للشركات يصحبه عجز في سداد الديون وفوائد القروض ايضا, وكان الحل بالنسبة للقطاع العام هو الخصخصة لتمكين البنوك من استرداد اموالها من حصيلة بيع تلك الشركات, لكن هنا كيف يكون الخروج من تلك المأساة في حالة تعثر الشركات في تسديد فوائد السندات أو القروض. والسؤال هنا يطرح نفسه... ما هي الشركات التي تتجه الى اصدار سندات؟ والاجابة لا تحتاج الى تفكير عميق, حيث نجد ان تلك الشركات في الاساس هي نفسها الشركات غير القادرة على سداد اقساط الديون المستحقة عليها تجاه البنك المقرض, ومن ثم فإن اصدار السندات يعتبر طريقا اسهل للاقتراض حيث ستلتزم فقط بتسديد فوائد القروض أو السندات, وبمعنى آخر نستطيع ان نقول ان عملية اصدار السندات تعد هروبا من عمليات الاقتراض من البنوك وما يصاحب ذلك من مشاكل بالنسبة للشركات المقترضة حيث من المفترض ان يتم تسديد قرض البنك في فترة لا تتجاوز العام الواحد, وفي المقابل فإن تسديد قيمة السندات قد يتم بعد فترة تتجاوز 20 عاما في بعض الاحيان. مخاطر متوقعة ويضرب الدكتور رضوان مثلا على المخاطر المتوقعة بالنسبة لعملية اصدار سندات الشركات بعد تطبيق اتفاقية (الجات) قائلا: انه لو قامت احدى الشركات بانتاج نوع خاص من المنتجات وليكن (الأحذية) وكان تحقيق هامش الربح هنا يصل الى 30%, وقامت الشركة بطرح سندات بفائدة 12%, ومع تطبيق اتفاقية الجات بدأت المنتجات المثيلة من هذا المنتج في الظهور بقوة في السوق المصري, ولأن الانتاج الاجنبي ستكون له مزايا افضل في السوق حيث السعر والجودة العالية, فسوف يستحوذ على نصيب اكبر في اسواقنا المحلية ويصبح وضع شركة انتاج (الاحذية) المحلية في حرج حيث ستتراجع نسبة المبيعات رغم انخفاض اسعار منتجاتها, ويصبح هامش الربح بالكاد 18%, وهنا يأتي السؤال متى سيقوم بسداد الثغرة بين فوائد السندات والعائد المنتظر تحقيقه؟! كل ذلك يدفعنا للقول ان عمليات (الرفعة المالية) سيف ذو حدين يصعب استخدامه فكلما زاد العائد زادت نسب المخاطرة. وحول توجه بعض البنوك المصرية لضمان اصدار سندات شركات يقول الدكتور رضوان, ان البنوك بهذه الخطوة انما تناقض نفسها بعد الحد من عمليات اقراض الشركات, فكيف يقدم البنك قروضا بلا ضمانات, وفي نفس الوقت يضمن الشركات التي تطرح سندات للاقتراض على الرغم من عدم توافر الضمانات اللازمة بالاضافة الى كونه غير ممثل في مجالس ادارات تلك الشركات في كثير من الاحيان, واضاف هناك سياسة جديدة بدأها البنك الاهلي المصري مؤخرا حيث انتهج مبدأ ان افضل انواع القروض هو الذي يقدم او يمنح بلا ضمانات, وهذا الفكر بدأ تعميمه على كافة المستويات الرسمية وغير الرسمية في مصر, وكانت احدى نتائجه هروب احد رجال الاعمال بعد ان اقتراض 338 مليون جنيه من البنوك بلا ضمانات كافية. وهنا يجب ان نؤكد على نقطة مهمة ــ والحديث للدكتور رضوان ــ انه بالفعل يجب ان تقدم القروض بلا ضمانات, لكن على اساس ان يحدد البنك المركزي الاصول المقدمة التي يصلح تقديمها كضمان, ثم يجري تحديد النسبة التسليفية كأصل في هذه القروض, والتي بموجبها يمنح هذا القرض مقابل الضمان المقدم, ويقول: للاسف هذه القواعد غير مطبقة حاليا بالرغم من انها تعتبر من ضوابط الائتمان. ويلخص د. رضوان حديثه في هذه النقطة بقوله: لابد ان يكون هناك توجه واحد للبنوك.. فما هو الافضل.. هل تقدم القروض بضمان.. ام بلا ضمان.. واذا كانت سندات الشركات هي في حقيقتها قروض, فلما لاتقوم البنوك بضمانها على الرغم من ان غالبية البنوك تقدم حاليا قروضا بلا ضمان؟! ويختتم د. رضوان حديثة قائلا: قد يتصور البعض ان اصدار سندات الشركات سيعمل على تنشيط سوق الاوراق المالية, الا اننا هنا يجب ان نشير الى انه ليس لدينا سوق سندات بمفهومها المعروف, وان صح التعبير في سوق (ميتة) منذ زمن, فمن خلال متابعة السوق خلال الفترة الماضية نجد ان افضل اداء لسوق السندات قد بلغ ما نسبته 5% فقط من اجمالي حجم التعامل في السوق.. وكذلك يجب ان نشير الى ان اصدار السندات ذات العائد المرتفع او ذات العائد المنخفض لن تعمل على تنشيط سوق الاوراق المالية, فبالنسبة للنوع الاول نجد ان مالكها يحجم عن بيعها او تداولها لانها اصبحت مصدرا من مصادر التدفقات النقدية, فضلا عن عملية السيولة السريعة وتحقيق عائد مجز قد لايكون متاحا لأي توظيف آخر, وفي نفس الوقت يمكن ان يحولها الى سيولة نقدية من خلال البيع, ومن ثم فهي (محبوسة) لدى المالك ولن تنشط سوق الاوراق المالية, وبالنسبة للنوع الثاني والمتمثل في العائد المنخفض فهي ستكون سلعة راكدة في السوق ولن يقبل عليها احد لشرائها.. خلاصة هذا ان اصدار السندات لن يعمل على تنشيط سوق الاوراق المالية! خطورة كبيرة ويوافقه في الرأي عصام مصطفى خبير اسواق المال ويضيف: ان مجلس الشعب في مناقشته الاخيرة حول اصدار سندات الشركات انما كان يناقض نفسه, فقد سبق ان وافق المجلس على تعديل تشريعي بقيام الشركات باصدار سندات تفوق حقوق المساهمين بشرط اجراء عملية تصنيف ائتماني, وذلك في الوقت الذي يرفضه اليوم!.. والمشكلة في السندات هي منح الاموال دون وجود آلية للرقابة مقابل ضمان يمكن الرجوع اليه, بعكس الاسهم التي يصبح حاملها شريكا في الاستثمار, مشيرا في ذلك الى خطورة اصدار السندات العائلية بفائدة تفوق الفائدة على ودائع البنوك, وهو امر غير موضوعي, والمفروض هنا ان تصدر السندات بقيمة لاتزيد على قيمة حقوق المساهمين, على الا تتم الموافقة على اصدارها الا بعد اعتماد شركتين للتصنيف الائتماني على الاقل. ويضيف عصام مصطفى ان اصدار سندات اكبر من رأس المال يمثل خطورة كبيرة على الشركة وعلى المستثمر, فالشركة التي تحصل على قرض من اي بنك يتوجب عليها تقديم ضمانات ائتمانية عديدة ويتوجب على البنك ان يتابع قدرة تلك الشركة على السداد, ومن المفترض ان تكون هناك متابعة من هيئة سوق المال لعملية اصدار اي شركة لسندات حتى لاتكون اكبر من حقوق الملكية حفاظا على اموال المستثمرين, والا ماذا سيكون الحال اذا افلست هذه الشركة؟!.. وما الذي سيضمن اموال المستثمرين من حاملي السندات؟.. وهنا يجب ان نؤكد على ان استمرار الشركة في تسديد الفوائد المستحقة على السندات لايعد كافيا لضمان حقوق المستثمرين, وبالنسبة لشركات التقييم التي تمنح الشركات شهادات بقدرتها المالية على السداد, فانه من الضروري ان يكون لدى تلك الشركات امكانيات كبيرة للحصول على المعلومات وتحليلها وان يكون هناك قدر عال من الشفافية يتيح لها الوصول للوضع الحقيقي للشركة المطلوب تقييمها حتى تأتي الدراسات التي تقوم بها شركات التقييم بشكل سليم بما يمثل ضمانا للمستثمر ومرشدا للتعامل. مسألة مقبولة ولكن وعلى الجانب الآخر يرى اسامة مراد نائب مدير ادارة صناديق الاستثمار بشركة التجاري الدولي ان مسألة اصدار سندات اكبر من رأس المال امر وارد ومقبول خاصة اذا كانت الشركة التي تصدر السندات شركة صناعية كبيرة, والسندات لاتزيد على معدل الرفع بالنسبة لحقوق الملكية, لكن بشرط الا تزيد على هذا المعدل, وهنا يجب ان نؤكد على اهمية دور شركات التقييم والتي تمثل مشكلة كبيرة ليس في مصر وحدها لكن في كافة دول العالم, وذلك لعدم وجود رقابة على مثل هذه الشركات, مشيرا الى ان عملية التقييم تعد (الشاشة) التي تعكس الرؤية الصحيحة للمستثمر وتوضح قدرة الشركات المصدرة للسندات على السداد او الربح. واضاف مراد ان السندات تحقق للشركة المصدرة دفع معدل فائدة اقل من الذي تحصل عليه من البنوك, موضحا ان المستثمرين يحصلون على معدل فائدة اعلى مما يحصلون عليه من ايداع اموالهم في البنوك, ولذلك فإن تلك السندات تعتبر وسيلة ربط مباشر بين المودع والمقرض.. والسندات بصفة عامة وسندات القطاع العائلي بصفة خاصة وسيلة يجب ان ينظر اليها المستثمر الواعي المحترف فقط باعتبار ان الاستثمار في السندات لايقل مكانة عن وضع الاموال في البنوك لانشاء مشروعات او المساهمة في توسيع مشروع ما, حيث يجب على المستثمر في كلا الحالتين ان يقوم بتحليل الشركة ائتمانيا من حيث قدرتها على السداد للفوائد واصل القرض طبقا لظروف الشركة والقطاع والسوق ككل. القاهرة ــ أحمد صفي الدين