يشغل بال اللبنانيين سياسيين وقوى حزبية ورسمية ماهية قانون الإنتخاب العتيد, وهو القانون الذي على أساسه تجري الإنتخابات النيابية العامة كل أربع سنوات . وكان إتفاق الطائف الذي وضع قيد التطبيق عام 1989 آثر التعديلات الدستورية. أقر على أن تجري الإنتخابات على أساس المحافظة. أي أنه الغى إمكان العودة الى القضاء كدائرة إنتخابية دون تعديل الدستور مجدداً في هذا النص. وتعقد اللجنة الوزارية المكلفة درس مشروع قانون الإنتخابات النيابية في لبنان إجتماعها الأول في 18 اغسطس المقبل لدرس المشروع المذكور وإحالته الى مجلس النواب في سبتمبر مع بدء الدورة النيابية ليكون جاهزاً نهاية عام 1999 بداية عام 2000 وهو العام المقرر مبدئياً لإجراء الإنتخابات النيابية. لكن أدراج البرلمان تشهد همسات تشدد تارة على اللا مركزية الادارية التي ينص عليها إتفاق الطائف وبين قانون الإنتخابات الجديد المفروض أن ينجز خلال هذه السنة والذي تختلف حوله وجهات النظر بين الأطراف كافة. حول هذين الموضوعين يقول وزير الداخلية اللبناني ميشال المر المكلف بالتحضير لهما: أن قانون اللا مركزية الإدارية سيسبق قانون الإنتخابات النيابية وقد أقر في مجلس الوزراء أمام قانون الإنتخابات فسيكون في دورة أكتوبر في المجلس النيابي, على أن يخرج من أدراج الوزارة في أغسطس, أما قانون اللا مركزية الإدارية فمن المنتظر أم يكون في مجلس النواب, وأن تبدأ دراسته بعد إنجاز قانون موازنة عام 1999. هذا كله يعني أن مجلس النواب سوف ينجز أهم مشاريع القوانين قبل انتهاء ولايته في خريف عام ,2000 هذا في حال لم تفرض الظروف إنتخابات نيابية مبكرة كثر الحديث عنها في الفترة الأخيرة. وفي إشارة سريعة نذكر أن الإنتخابات الأولى التي جرت بعد الحرب اللبنانية عام 1992 جاءت على أساس قانون فصل على قياس بعض السياسيين بحيث جرى اعتماد المحافظة كدائرة في مناطق أخرى. أي أنه اتصف بالتمييز وانتقاء العدالة وعدم الشمولية. وهذه المسائل انسحبت على قانون 1996 الذي جاء بذات السياق. والعيب الثاني الذي شاب تلك القوانين أنها ساهمت في هيمنة قوى سياسية وفرض لوائحها. فيما لعب الضغط السياسي الدور الكبير على تركيب التحالفات بين الزعمات والأحزاب. بحيث تم إنتقاء الحلفاء بالأسماء واستبعاد آخرين. والاشارة الثالثة أنه عام 29_O جرت مقاطعة مسيحية لبنانية للانتخابات قادتها البطريركية المارونية ــ بكركي ــ وزعامات وأحزاب مسيحية أخرى. وقد اعترفت مختلف هذه القوى بخطأ المقاطعة وبخطأ عدم المشاركة في الانتخابات لأن ابتعادها عن المشاركة أتاح الفرصة لآخرين في الوصول الى سدة المقعد النيابي بأصوات, إذ حصل بعض النواب المسيحيين في منطقة جبل لبنان على 42 صوتاً أو 200 صوت من أصوات المقترعين ودخل المجلس النيابي. فيما حصل آخرون على خمسين ألف صوت في مناطق أخرى كالجنوب والبقاع والشمال ولم يحالفهم الحظ لكن في انتخابات 96 سقطت المقاطعة وبقي القانون الانتخابي غير العادل. عهد لحود.. القانون واثر فوز الرئيس اللبناني العماد إميل لحود بـ 118 صوتاً بالرئاسة الأولى. بدأت الأنظار تتجه الى دولة القانون, التي أعلن شعاراتها في خطاب قسم اليمين الدستوري في مجلس النواب. وقد تبلورت هذه الشعارات خلال لقاءات رئيس البلاد مع وزراء ونواب وشخصيات إذ شدد على ثلاثة أمور في قضية قانون الانتخابات: 1 ــ القانون العادل والشامل الخالي من الاستثناءات. 2 ــ أن يأتي في إطار الانصهار الوطني. 3 ــ مشاركة الشباب في الحياة العامة عبر الحياة النيابية. ويقول زوار رئيس الجمهورية أنه يشدد أيضاً على إعادة توزيع المحافظات بما يتلاءم والواقع الوطني بحيث نفتح الطريق واسعاً أمام وصول الممثلين الحقيقيين للشعب لا اسقاط الأسماء إسقاطاً على الناخبين, وإعادة توزيع المحافظات عملية تخضع للدراسة والمناقشة. ومما نقل عن الرئيس لحود أيضاً هو تخفيض سن الانتخاب الى الثماني عشرة سنة بدل إحدى وعشرين. لأن سن الرشد القانوني للمساءلة القانونية في لبنان هو الثمانية عشرة.. بمعنى أن الشاب الذي يبلغ ذاك السن يستطيع أن يمارس مختلف النشاطات ومنها تأسيس الشركات وفتح الحسابات المصرفية الشخصية, كما أنه معرض للمساءلة القضائية, إلا أنه لا يحق له الاقتراع الا بعد بلوغه سن الـ 21 سنة. وهذا ما يعتبر مخالفاً للمنطق ولحقوق الإنسان لذلك فإن الرئيس إميل لحود يشدد على دور الشباب وقد أوضح في أكثر من مناسبة أن الشباب الذين نجحوا في مواجهة العدو الإسرائيلي عبر المقاومة الوطنية قادرون على انجاح مشروع التغيير السياسي للاصلاح العام في البلاد. القوى المعترضة في المقابل, تقف في مواجهة تخفيض سن الانتخاب وترى فيه ضرراً مادياً ومعنوياً وانتخابياً على مصالحهم أمام القوى الأخرى وهذه القوى التي تتركز في الحكم تقوم بعملية مناقشة ودراسة علمية واسعة لهذا الأمر. مصادر سياسية واسعة الإطلاع تقول أن رئيس مجلس النواب نبيه بري لا يحبذ تخفيض سن الإنتخاب لدورة عام 2000 ويدعمه في ذلك نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية, ميشال المر وقوى مسيحية وإسلامية أخرى. لأن مبرراتهم تتمحور حول إعتبار أبناء الثمانية عشرة تتحكم بهم الأهواء الشخصية. كما أنهم في كلا الجانبين الإسلامي والمسيحي يميلون نحو الأصولية والتيارات العقائدية أو السياسية الأصولية, ولا مصلحة وطنية تبعاً لوجهة نظرهم في إشراكهم حالياً قبل بث التوعية الوطنية وإقناعهم بالإعتدال. إلا أن هذا الكلام يجد صدأ من شرائح سياسية كبرى ويرون به أنه هروب من التطورات التي حصلت في لبنان, بعد سقوط مختلف الشعارات السياسية منذ بدء الحرب وحتى ما بعد إتفاق الطائف. وتقول المصادر السياسية أن هذه الكتلة الثابتة هي في حقيقتها ناقمة على معظمها الطبقة السياسية الحاكمة نتيجة الهوة الكبيرة بينها وبين السياسيين, وبالتالي لابد وأن تقترع لصالح قوى التغيير ضمن الضوابط الوطنية والقومية, لكنها لن تقبل بالإسقاطات. (حزب الله) من أول المرحبين بذلك خصوصاً وأن مشاركة جيل الشباب تقلب المعادلة السياسية لصالحه في لبنان بشكل عام وفي الجنوب بشكل خاص على حساب حركة (أمل) برئاسة بري يرحب على مضض بهذا المشروع على أن يحاول أن يمارس الضغوطات المطلوبة عند وصول المشروع الى مجلس النواب, خصوصاً وأن معظم الكتل النيابية تعارضه لأنها لا تؤيد أن يكون لحزب الله الثقل السياسي الذي يعمل من أجله. إذاً تتوقع الأوساط النيابية أن يشهد المجلس النيابي حركة مد وجزر كبيرة حول قانون الإنتخاب الجديد خصوصاً وأن التوقيت الذي سيدرس فيه سيكون مرتبطاً بشكل وثيق بالتطورات في عملية السلام العربية ــ الاسرائيلية ومدى تأثيرها على جنوب لبنان وعلى مصير (حزب الله) الذي يكبر دوره أو يصغر تبعاً للتطورات في عملية السلام. على ضوء ذلك يبقى أن الحزب سيكون قادراً على فرض مشروع قانون خفض سن الإقتراع في حال تعثرت عملية السلام مع اسرائيل أو تصاعدت عمليات المقاومة ضدها, أما في حال عادت المفاوضات العربية ــ الإسرائيلية بعد فوز ايهود باراك برئاسة الوزراء في اسرائيل فإنه سيكون من الصعب تمرير المشروع في ظل رفض كبير له على اعتبار أن ابن 18 عاماً لن يكون قادراً على تحديد خياراته السياسية. في هذا الوقت يقول رئيس مجلس النواب نبيه بري أن بين يديه ما يقارب الـ 27 مشروعاً انتخابياً واقتراحاً نيابياً وإن لجنة الإدارة والعدل النيابية شرعت في دراسة الإقتراح القاضي بتخفيض سن الإقتراع, وأن هناك أكثر من وجهة نظر في إعتماد قانون الإنتخاب لجهة النسبة أو الأكثرية أو التأهيل على مستوى القضاء, ثم إجراء الإنتخابات على مستوى المحافظة لمن يتأهل في القضاء. وترى هذه المصادر أن الإتجاه بات الى إعتماد المحافظة كدائرة إنتخابية. أي إبقاء إعتماد المحافظة كدائرة إنتخابية, أي إبقاء النص, لكن سيأتي قانون الإنتخابات العتيد واضعاً توزيعاً جديداً للمحافظات ومن المتوقع أن تبلغ عشر محافظات بدل خمس, بحيث تبقى العاصمة بيروت محافظة واحدة ويجرى توزيع جديد فيصبح البقاع محافظتين والشمال ثلاث جبل (محافظتان) الجنوب (محافظتان). وهذا الإتجاه بات منتهياً في لبنان. لكن سيبقى النقاش دائراً حول تخفيض سن الإنتخاب. وتخلص المصادر الى أن الحكومة ستباشر بعد قرار إقرار الموازنة الى وضع مشروعها لقانون الإنتخابات وتحيله الى المجلس النيابي, كما أنه من المتوقع في الوقت القريب أن يحتدم النقاش السياسي العام في لبنان حول هذا المشروع الهام الذي يعني جميع اللبنانيين دون إستثناء. بيروت ــ ياسر الحريري