جددت رسالة الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة الى العاهل المغربي الملك الحسن الثاني جوابا على تهنئته بالفوز في انتخابات الرئاسة الحديث عن امكانية حدوث انفراج في العلاقات المغربية الجزائرية , وبالتالي تفعيل العمل المغاربي المشترك كونها تزامنت مع مؤشرات جدية على تنشيط آليات اتحاد المغرب العربي تجلت بانعقاد اول اجتماع للجنة المتابعة منذ اربع سنوات في العاصمة الجزائرية تمهيداً لاجتماع مجلس الرئاسة قبل نهاية العام الجاري. وكان لافتا في رسالة بوتفليقة اللهجة الودية التي اعادت الى الاذهان مظاهر الوفاق المغربي ــ الجزائري, وتأكيده صراحة على (ان الجزائر لا تكن للمغرب ملكا وشعبا سوى المحبة والاحترام والتقدير) في اشارة الى تجاوز خلافات الانظمة التي ارتدت بعدا ايديولوجيا في السابق, فضلاً عن التأكيد على (السعي لتكريس علاقات حسن الجوار وارساء التعاون وانعاش بناء صرح المغرب العربي الكبير والمساهمة في المصالحة العربية) . ويرى مراقبون في تركيز الرئيس الجزائري على (الشرعية التاريخية) من خلال تضامن الشعبين المغربي والجزائري في معركة الاستقلال والاشارة الى احتفالهما بذكرى 20 اغسطس من كل عام, يذهب في اتجاه استيعاب الشرعية التاريخية للاضفاء على الاوضاع الراهنة في الجزائر عقب انتخابات الرئاسة بعدا متميزاً. وفي معرض تعليقها على هذه الرسالة, اجمعت الصحف المغربية على انها يمكن ان تؤدي الى اعادة الدفء الى العلاقات بين المغرب والجزائر وقالت جريدة الاتحاد الاشتراكي لسان حال حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي يتزعمه رئيس الحكومة عبدالرحمن اليوسفي:(يمكن اعتبار الرسالة مدخلاً قد يؤشر الى بناء مرحلة جديدة في العلاقات المغربية ــ الجزائرية) . وكان اليوسفي اطلق الدعوة في أعقاب تشكيل حكومته في مارس 1988 لمعاودة العلاقات بين البلدين وفتح حدودهما البرية المغلقة منذ 1994 اثر هجمات مسلحة استهدفت مواقع سياحية مغربية, واتهمت الرباط حينها سلطات الامن الجزائري بتنفيذها بقصد اثارة الاضطرابات في البلاد, وقد التقطت الجزائر الرسالة المغربية لترد عليها على لسان الناطق الرسمي باسم الخارجية الجزائرية الذي قال:(ان الحكومة الجزائرية حريصة على تحسين العلاقات بين البلدين الشقيقين والجارين) , الا انه اكد ان الجزائر ما تزال متشبثة بـ(المقاربة الشمولية) التي اقترحها الرئيس اليمين زروال على الملك الحسن الثاني في ديسمبر 1994 والتي (لقيت تجاوباً) من قبل المغرب, (اقتناعاً منها بأن من شأن هذه المقاربة تمكين البلدين من بناء علاقاتهما على اسس سليمة ودائمة) . والمؤكد ان الفتور في العلاقات المغربية ــ الجزائرية طغى نتيجة سوء التفاهم القائم بين البلدين بسبب قضية الصحراء الغربية والتي كانت وراء قطيعة طويلة بينهما دامت 13 عاماً, وقد تصاعد الفتور مع تصاعد الخلاف بين المغرب وجبهة البوليساريو على معايير تحديد هوية الصحراويين الذين يحق لهم التصويت في استفتاء تقرير مصير المنطقة. ولا شك, فان حكومة اليوسفي يهمها معالجة ملف العلاقات مع الجزائر ووضعية اتحاد المغرب على نحو يسمح لها بالتفرغ لمعالجة الملفات الداخلية, لكن السؤال المطروح حالياً هو: ما الدور الذي ستلعبه الجزائر في ملف الصحراء الغربية؟ فليست مسألة فتح الحدود والغاء التأشيرات هي ما يفكر فيها المغرب وانما تحقيق انفراج ينهي كل اشكال التوتر سيما المتعلق منه بنزاع الصحراء, فمما يأخذه على جارته الشرقية انحيازها الى البوليساريو التي تنازعه السيادة على المنطقة مما يفقدها حيادها وصفة (المراقب) في هذا النزاع الذي تجاوز عامه العشرين. ومن المؤكد ايضاً ان مواقف القيادات الجزائرية المتعاقبة بتشديدها على دعم (قضية الشعب الصحراوي) جعلت من الصعب عبور الجدار الجزائري الذي وضعته بوجه المغرب, والنتيجة المستخلصة من كل ذلك هو فشل الرهان على تغيير في الموقف الجزائري عن قضية الصحراء يساهم في زيادة فرص التقارب مع المغرب. وكادت الاضطرابات التي تأججت بين البلدين عام 1976 قبل ان تنتهي بقطع العلاقات 13 عاماً. وخلال فترة حكم الشاذلي بن جديد الذي بدأ في 1979 تحولت المواجهة بين البلدين من الميدان العسكري المباشر, لتشهد وللمرة الاولى منعطفاً دبلوماسياً حاسماً, فقد تمكنت وساطات عربية من عقد لقاء بين الملك الحسن الثاني والرئيس بن جديد على حدود البلدين في ابريل ,1987 وكانت قضية الصحراء هي النقطة الوحيدة في جدول اعمال (قمة الخيام) التي خرجت ببيان مقتضب جداً يلتزم فيه البلدان بمواصلة لقاءاتهما في المستقبل. ولخلق اجواء ايجابية لما بعد اللقاء, بادر المغرب الى اطلاق سراح الاسرى الجزائريين في معركة امغالا التي كانت قد نشبت قبل ذلك الوقت بعشر سنوات تقريباً, وفي ظل هذه الاجواء جاءت مبادرة الرئيس الجزائري ين جديد بايفاد مبعوثين الى الرباط لدعوة العاهل المغربي الى القمة العربية التي احتضنتها الجزائر في يونيو ,1988 واعطت هذه المبادرة المناسبة لتطوير المحادثات بين قيادتي البلدين واتفاقهما على استئناف العلاقات الدبلوماسية المقطوعة منذ بداية ,1976 ليكون تطبيع العلاقات مدخلا ملائماً لزيارة الملك الحسن الثاني الى الجزائر وحضور القمة. وقد حمل بيان استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين التزاما مشتركاً بتطوير تلك العلاقات لمصلحة الشعبين المغربي والجزائري والعمل من اجل بناء المغرب العربي, ودعم جهود الأمم المتحدة لحل قضية الصحراء بتنظيم استفتاء لتقرير المصير يضع نهاية للتوتر في المنطقة, وكان المغرب يرى ان تطويرا مطردا في العلاقات بين البلدين على جميع المستويات سيكون كفيلاً بتوفير مناخ جيد لكي تواصل الأمم المتحدة مساعيها الى تنظيم الاستفتاء وبالفعل, اشاع فتح الحدود البرية بين البلدين في يونيو 1988 التفاؤل بامكانية ان يودع البلدان عهد القطيعة وما رافقه من سلبيات ويلجان مرحلة جديدة من التفاهم وتعزيز مجالات التعاون المختلفة. وترسخ هذا التفاؤل بانعقاد اجتماع زيرالدة المغاربي بين القادة الخمسة لبلدان المنطقة, مع الاتصالات المغاربية, التي بدا أنها خرجت من سياسة المحاور, كان الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك خافيير بيريز دي كويار يعرض في صيف 1988 على المغرب والبوليساريو خطة لتنظيم الاستفتاء في الصحراء, وهو ما وفر الفرصة لكي تلتئم القمة المغاربية في مراكش في فبراير 1989 التي خرج من صلبها اتحاد المغرب العربي بمعاهدة تأسيسية والتزامات بين القادة الخمسة لنبذ الخلافات بين بلدانهم وتقوية العلاقات بينها. ومن بين أقوى الالتزامات في معاهدة تأسيس الاتحاد تلك المادة التي نصت على احترام الوحدة الترابية للدول الأعضاء, بما يفيد أن الجميع اصبح مطالبا بالتخلي عن الممارسات والأجواء المشحونة التي دفعت شعوب المنطقة ثمنها باستنزاف إمكانياتها في غير جهود التنمية والخروج من واقع التخلف. لكن في الوقت الذي كان يفترض فيه أن تتعزز الروابط المغربية ــ الجزائرية, وتنعكس إيجابيا على مساعي تقوية العمل المشترك داخل الإطار المغاربي, بدأ التوتر يلقي بظلاله مجددا على المنطقة, بعودة الحرب الكلامية بين البلدين على خلفية أحداث أكتوبر ,1988 والتي تصاعدت بالغاء نتائج الانتخابات التشريعية التي كانت الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظور في الطريق الى الفوز بها في بداية 1992. وقد أصيبت علاقات البلدين بانتكاسة حقيقية بعد اغتيال الرئيس محمد بوضياف الذي كان بصدد البحث جدياً في حل لنزاع الصحراء أثار حفيظة المؤسسة العسكرية الجزائرية, ثم لحقها التوتر صيف 1994 في أعقاب الهجمات التي استهدفت أحد فنادق مدينة مراكش واتخاذ الحكومة المغربية قرار فرض التأشيرة على الجزائريين أو من أصل جزائري كإجراء وقائي بعد مشاركة فرنسيين من أصل جزائري بالعملية, وردت الجزائر بإجراء مماثل على المغاربة وإغلاق الحدود البرية. وإذا كان سائحان اسبانيان قد ذهبا ضحية حادث فندق أسني, فان الضحية الأكبر كان اتحاد المغرب العربي الذي وضعت أسسه بمدينة مراكش نفسها, ذلك أن محور الرباط ــ الجزائر ظل يشكل العمود الفقري للبلدان المغاربية الخمسة (المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا) فالبلدان يكونان الهيكل نفسه للمغرب العربي بسكانهما وطاقاتهما الاقتصادية, ووضعيتهما الجيو ــ استراتيجية. وقد جاء المؤتمر المغاربي الذي انعقد بطنجة عام 1958 ليؤكد حقيقة ان المغرب هو في حاجة للجزائر, كما ان الجزائر في حاجة الى المغرب, ومجموع المغرب العربي يحتاج الى البلدين معا. ومن هذا المنطلق كان ينظر دائما الى التقارب القائم بين المغرب والجزائر بمثابة القاطرة التي تجر عربات الاتحاد نحو المستقبل مثل ما كان عليه حال الاتحاد الأوروبي بين فرنسا وألمانيا, ليس فقط لأن البلدين يشكلان مركز الثقل والتأثير في الساحة المغاربية ولكن لأن ذلك الحضور ينعكس أيضا على محور العلاقات بين الاتحاد المغاربي ونظيره الأوروبي, وكذلك الأمر بالنسبة لمساعي بناء المشروع الأوروبي ــ المتوسطي. والواضح في غضون ذلك أن محور المغرب ــ الجزائر يبقى مؤثرا, إن لجهة الانفراج أو التأزم, ويحتاج البلدان على حد سواء الى مقدار من الشجاعة لبلورة إرادة سياسية حقيقية في بدء الحوار, وإذا كانت بعض الأطراف الداخلية هنا وهناك لا تريد لهذه المهمة أن تنجر أقل في (الوقت الراهن) إلا أن السياسة مثل الزراعة يلعب فيها الوقت دورا حاسما, فالزرع لا يكون إلا في موسمه, والحصاد كذلك, والعلاقات بين الدول تتأثر كما الزراعة بالمناخ والجفاف, مما يحتم أن يكون القطاف في وقته الطبيعي. فهل يمكن القول ان الوقت قد حان كي تثمر العلاقات المغربية ــ الجزائرية تفاهما ينعكس إيجابيا على المنطقة المغاربية برمتها؟ الرباط ــ رضا الاعرجي