يحترم الاسرائيليون ابطال الحرب اكثر عندما يعدونهم بتحقيق السلام, وقد اثبتوا ذلك مجددا بانتخابهم امس الاثنين رئيس هيئة الاركان السابق الجنرال ايهود باراك مرشح حزب العمل الى منصب رئاسة الوزراء . واستطاع هذا الاستراتيجي البارع والبارد التغلب على زعيم اليمين القومي رئيس الوزراء المنتهية ولايته بنيامين نتانياهو رغم افتقاره الى عامل الجاذبية في معركة شرسة اديرت كعملية عسكرية. ونجح باراك (57 عاما) الذي يعتبر خير ممثل للنخبة في الحاق الهزيمة بالتحالف القومي الديني الحاكم بعد ان قدم نفسه كرجل (التغيير) القادر لوحده على اعادة وضع البلاد على سكة الاقتصاد وعملية السلام. وتتبع باراك خطى الجنرال الاخر, رئيس الحكومة الراحل اسحق رابين (اغتاله متطرف يهودي في 1995) واستخدم مكانته كعسكري من اجل طمأنة الاسرائيليين الذين يخشون من ان يؤدي تقديم تنازلات جديدة للعرب الى تشكيل خطر على امنهم. وقد احاط نفسه خلال الحملة الانتخابية بمستشارين في شؤون الامن وهم كوكبة من الجنرالات السابقين ورؤساء شرطة او اجهزة استخبارات. وركز باراك حملته الدعائية على (فقدان المصداقية) لدى خصمه من دون ان يزيح عن ذلك قيد انملة رغم اضطراره الى تجنب الاشارة الى مواقف حزب العمل حول التسوية مع الفلسطينيين. واكتفى بالدعوة من خلال عبارات مبهمة الى (استئناف عملية السلام) مستبعدا في الوقت نفسه تقديم تنازلات في شأن القدس الشرقية ووادي نهر الاردن والمستوطنات الكبرى في الضفة الغربية. وطمأن باراك المستوطنين, من دون ان ينجح في اقناعهم, الى ان (بامكان غالبيتهم الكبرى البقاء في مكانها) , كما وافق بلا حماس على فكرة دولة فلسطينية انما بصلاحيات محدودة. لكنه المح الى ان اسرائيل باتت مستعدة للانسحاب من الجولان السوري المحتل, ودعا الى انسحاب عسكري من جانب واحد من جنوب لبنان في السنة التي ستلي انتخابه, مراهنا على اتفاق مع سوريا في هذا الشأن. وقد لقب باراك القصير القامة ذو الوجه الطفولي, ب(النابليون الاسرائيلي) نظرا لبراعته الاستراتيجية وقامته القصيرة. وفي حملته الانتخابية المتلفزة, اعتبر باراك (العسكري الاول الحائز على اكبر عدد من الاوسمة في اسرائيل) . وذكر مساعدوه بانجازاته وخصوصا اقتحام احدى طائرات شركة (سابينا) البلجيكية التي خطفتها الى تل ابيب مجموعة فلسطينية في 1972 عندما كان ضابطا شابا برتبة كولونيل. ومن الصدف التاريخية, ان خصمه اليوم بنيامين نتانياهو كان احد مرؤوسيه آنذاك واصيب بجروح طفيفة في العملية. وبعد سنة تنكر باراك بزي امرأة شقراء وقاد مجموعة اغتالت ثلاثة من مسؤولي منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت. وقد انهى باراك حياته العسكرية رئيسا للاركان في 1995 ليدخله اسحق رابين على الفور معترك السياسة فتولى تباعا منصب وزير الداخلية ثم وزير الخارجية بعد اغتيال رابين. ومنذ بداية نشاطه السياسي اختار باراك جناح الصقور في حزب العمل. وفي سبتمبر 1995 كان احد وزراء حكومة رابين الذين امتنعوا عن التصويت على الاتفاق المبرم مع منظمة التحرير الفلسطينية لتوسيع الحكم الذاتي الفلسطيني الى الضفة الغربية. واكد ان هذا الاتفاق لا يوفر حماية كافية لأمن اسرائيل. وامتنع باراك بعد ذلك عن مصافحته رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات لفترة طويلة. وفي ,1996 أبعد باراك عن قيادة حزب العمل شيمون بيريز الذي خسر لتوه الانتخابات ضد نتانياهو وتولى رئاسة الحزب مستفيدا من دعم فعال من ليا رابين ارملة رئيس الوزراء الراحل. وتوصل باراك اخيرا الى ازالة النقطة السوداء الوحيدة المقلقة في حياته العسكرية. فقد اكد تقرير لاحد القضاة براءته من تهم ساقها ضده اليمين الذي يأخذ عليه عندما كان رئيسا للاركان تخليه عن جنود قتلوا واخرين جرحوا خلال حادث وقع اثناء التدريب. ويعتبر باراك النموذج الامثل لليهودي المولود في اسرائيل (الصابرا) فقد أبصر النور في احد الكيبوتزات. ولمع في الرياضيات ويفتخر بذلك ويهوى التحدث عن الاداب واثبات مواهبه كعازف على البيانو. وهو متزوج وأب لثلاث بنات.ـ أ.ف.ب