لهجة التوسل التي أبداها (يوشكا فيشر) وزيرالخارجية الألماني في المؤتمر الطارىء لحزب الخضر حتى يستمر في منصبه انقاداً للحكومة الائتلافية من السقوط , والتي جعلته يقبل إهانة أنصار الحزب الذين قذفوه بالقنابل الملونة كريهة الرائحة, كل ذلك أكسبه انتصاراً هزيلاً ومخزياً لن يكون بداية النهاية للخلافلات داخل حزبه, بل سيكون استمرارا لهذه الخلافات التي تهدد الان بتفكك الحزب من خلال عروض استقالات جماعية تقدم بها أعضاء الجناح اليميني في الحزب اعتراضاً على استمرار (فيشر) في منصبه, وتأييده للحكومة الألمانية في ضرباتها ضد يوغسلافيا مع قوات الناتو. والمأزق السياسي الذي تجاوزه (فيشر) بسياسة اللين والاستعطاف لأعضاء الحزب الذين توسل اليهم ان يساندوه ليستمر في تنفيذ سياسة الحكومة, لم يكن المأزق الوحيد الذي تواجههة حكومة المانية من حزب الخضر, فهو ذات الحزب الذي يضم معارضين قدامى شكلوا ضغوطاً لسنوات طويلة على الحكومة الألمانية إبان حكم الحزب الديمقراطي المسيحي بقيادة المستشار الألماني (هيلموت كول) , خاصة فيما يختص بمطالبة الحزب للحكومة الألمانية بالحد من انتشار الأسلحة النووية, وهدم المفاعلات النووية الضارة بالبيئة, وهي المطالب التي كانت الحكومة الألمانية تعارض تنفيذها بشدة. غير ان هذه المطالب لم تكن تشكل خطورة حقيقية وهم خارج الحكومة, إلا أن الوضع تغير الان بوجودهم داخل الائتلاف الحاكم (الأخضر الأحمر) , حيث يشكلون ضغوطاً حقيقية تثير المخاوف داخل الحكومة حتى بعد ان حقق (فيشر) الانتصار وفاز في نتائج تصويت الحزب, بحصوله على 444 صوتاً لصالحه في مقابل 318 ضده, بفضل جناح يسار الوسط المعتدل داخل الحزب, وعلى الرغم من عقد المؤتمر في بيلفيلد بالمانيا وسط حماية أمنية مشددة من قوات الشرطة ــ التي كانت تحاصر الخضر وتقمع تحركاتهم بالأمس القريب وفي عهد كول ــ إلا ان هذه الحراسة لم تمنع ظاهرة العنف في ممارسة الديمقراطية واتخاذها شكلاً غير حضارياً في المؤتمر. وتعرض فيشر للاعتداء وتلويث وجهه بالقنابل الملونة من قبل المعارضين لسياسته وسياسة الحكومة تجاه أزمة كوسوفو, ولقد ابتلع فيشر الإهانات, فقد كان أمام عينيه هدف واحد هو إنقاذ الائتلاف الحاكم (الأخضر الأحمر) من السقوط, خاصة بعد حيث سيطرت مشاعر الغضب وارتفعت أصوات المطالبة بوقف الضربات الجوية على يوغسلافيا أو استقالة (فيشر) من حزب الخضر, فساق فيشر الأسباب التي دفعت الحكومة الألمانية لملشاركة في ضربات الحلف ضد يوغسلافيا بقوله أن الرئيس اليوغسلافي (سلوبودان ميلوسيفيتش) يمارس الحرب منذ عام 1992 وليس فقط منذ 51 يوماً عندما بدأت الضربات الجوية لحلف شمال الاطلسي, وانه خرق عدد 18 اتفاقية وقف إطلاق النار و73 قرارا من الجمعية العامة للأمم المتحدة. وبدت الأسباب مقنعة لأنصار فيشر ولجناح اليسار الوسط, لكنها لم تبد كذلك للجناح اليميني من دعاة السلام, والان بعد فوزه, تمضي المانيا في سياساتها بجانب حلف شمال الاطلسي في يوغسلافيا, ويستمر (فيشر) في منصبه, وتبقى حكومة (جيرهارد شرويدر) لتتجاوز بذلك أول محك سياسي مباشر في الشارع الألماني ولكن بسلام مؤقت وسط تهديد (دعاة السلام) بتقديم استقالات جماعية يهدد الحزب بالتفكك, ويهدد معه ايضاً الحكومة الائتلافية بشكل آخر, وعلى سبيل استخدام أسلوب (التوفيق السياسي) سلمت رئاسة حزب الخضر بياناً رسمياً للحكومة الألمانية تطالبها باتخاذ قرار فردي بمعزل عن الحلف لوقف الضربات الجوية على يوغسلافيا, لكن هذا البيان جاء بلهجة هادئة لا تتسبب من جديد في تشكيل مزيد من الضغوط على (فيشر) والاستمرار في إحراجه وتستمر نار الخلافات تحت رماد الفوز لتهدد في أية لحظة بتفجر الأزمة من جديد. بيلفيلد ــ سعيد السبكي