ارجع المشاركون في المؤتمر الدولي للسلام الحروب التي شهدها القرن العشرون إلى الايديولوجيات السياسية الحديثة وما تنطوي عليه من اهداف لضمان وجود اسواق للصناعات الدول المتقدمة في البلدان الفقيرة واستخدام اراضي دول العالم الثالث لتصفية حسابات القوى الدولية . واشار المشاركون في المؤتمر الذي اختتم اعماله اول امس في لاهاي إلى خطورة الحصول على الاسلحة بسهولة وامكانية دفع ثمنها عن طرق تمويل مشبوهة وحيازة المواطنين العاديين عليها. وكان محور نقاش اكثر من عشرة آلاف شخصية دولية من مختلف الجنسيات في العالم إلى جانب 800 منظمة غير حكومية وجمعية اهلية داعية للسلام هو التأكيد على ضرورة وقف الحروب في العالم على اعتبار ان السلام حق طبيعي لكل انسان. ووجه المشاركون دعوة جماعية لحكومات العالم لتبني برنامج عمل يضمن للاجيال القادمة العيش في المستقبل بدون حروب, كما هيمنت قضية كوسوفو على مناقشات المؤتمر بكل دوائره, بجانب تنوع مطالب ونداءات المنظمات الشعبية التي شملت رفض قهر الانسان, ومكافحة كافة اعمال العنف الجسدي والنفسي, ومحاربة العنصرية, والعمل على وضع برنامج دولي لتدريس السلام ضمن المناهج الدراسية في مختلف المراحلة التعليمية, واحتلت قضايا معارضة الاسلحة النووية ومع استخدام الاطفال في الحروب اهتمام كافة المشاركين, الذين طالبوا بسرعة التوقيع على اتفاقية تأسيس (المحكمة الدولية الجنائية لمجرمي الحرب) كانت واحدة من القضايا التي وجدت اصداء واسعة, اضافة إلى النداء بحظر تصنيع وزرع وتخزين الالغام الارضية في العالم. تجاهل أسئلة الصرب وقد اضفت مواكبة المؤتمر للحرب الدائرة في كوسوفو, وحضور جماعات صربية للمؤتمر لطرح اسئلة بدت منطقية في ظاهرها على جموع الحاضرين لكسب تأييد دولي وكيفية انهاء حرب بحرب مثلها, غير ان الاسئلة الصربية لم تجد لها اصداء امام عرض جماعات السلام لمآساة عملية التطهير العرقي للمسلمين في كوسوفو, وقد خلق هذا التعارف مناخا ذا طابع متميز ادى لتحريك مشاعر الجميع, فمنذ عام 1945 لم تشهد اوروبا على ارضها عمليات تطهير عرقي وابادة للمسلمين, مثلما حدث في البوسنة والهرسك ويدور الان في كوسوفو, ومن ناحية اخرى فان ازدواجية المعايير الدولية وتنوع المصالح والاهداف الاوروبية في اطار الضربات العسكرية التي تقوم بها قوات حلف شمال الاطلسي على يوغسلافيا, جعلت المطالبة بتوفير السلام الدائم في مختلف دول العالم ضرورة حتمية, كما ان فشل عمليات حلف الناتو على مدار اكثر من 50 يوما في كبح جماح (سلوبودان ميلوسيفيتش) وقواته العسكرية, وارغامه على وقف عملياته الوحشية ضد المسلمين, صنع من هذه القضية (بارادوكس) على المستوى الشعبي والحزبي في اوروبا, فرضت نفسها على اعمال المؤتمر, وخلقت مناخا بالغ التعقيد افرز تساؤلات (اوروبية ــ اوروبية) اتسمت بالمنطق السليم من الناحية النظرية, حيث شهدت الساحة الاوروبية مؤخرا خلافات في الرأي, فالاحزاب اليسارية في معظم الدول الاوروبية وخاصة في هولندا والمانيا بدأت في معارضة سياسة حلف شمال الاطلسي, ومطالبته بوقف الضربات العسكرية على يوغسلافيا, تساندها معظم وسائل الاعلام الغربية التي وجدت الفرصة ملائمة لتقف بجانب صرب يوغسلافيا ضد مسلمي كوسوفو, وتحريك الرأي العام في الشارع الاوروبي نحو اتجاه اخر يتعاطف مع (سلوبودان ميلوسيفيتش) في ضربه للالبان, وكانت اولى نتائج هذا البارادوكس السياسي والشعب هي تهديد (حزب الخضر) في المانيا بسحب الثقة من (فيشر) وزير الخارجية الالماني الذي ينتمي للحزب ذاته, الامر الذي كاد ان يسقط حكومة (جيرهارد شرويدر) وبسبب فشل حلف شمال الاطلسي تتساءل الاحزاب اليسارية عن: كيف يتم استخدام الاساليب العسكرية والعنف طريقا لحماية حقوق الانسان؟ حضور متنوع ولم تكن فقط قضية كوسوفو هي الوحيدة, بل حملت المنظمات الدولية المشاركة في المؤتمر معها ملفات قضايا اخرى من جميع انحاء المعمورة مثل: * منظمة (البوليساريو) من الصحراء الغربية على الحدود المغربية الجزائرية بالقرب من اسبانيا والتي جاءت تطالب باستقلال شعب الصحراء الغربية. * منظمات مختلفة من السودان بعضها يطالب بوحدة السودان وعدم انفصال جنوبه عن شماله, واخرى تمثل الجنوب السوداني وتدعو للمطالب التي ينادي بها (جون قرنق) بالانفصال والاستقلال, اضافة للجنة السودانية لمكافحة اهدار حقوق الانسان والمرأة داخل السودان. * منظمة صومالية لمطالبة القوى الدولية بالنظر لهذه البلد التي تعاني من تخلف وازمة اقتصادية طاحنة واتهمت المنظمة امريكا واوروبا بالتعامل مع جماعات داخل الصومال لا تمثل مصلحة وحدته الوطنية. * كما كان التواجد الفلسطيني ايضا واضحا في طرح اتسم بمنهج جديد ودبلوماسية متطورة اعتمدت بالدرجة الاولى على الجوانب الانسانية ومعاناة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال الاسرائيلي. وقد عقدت في المؤتمر مئات من حلقات النقاش والندوات حول كثير من القضايا التي تشغل العالم, فكانت قضية النظام الديكتاتوري في العراق, والظلم الدولي الذي مازال يفرض عقوبات على الشعب العراقي, تلك العقوبات التي تحرص كل من امريكا وبريطانيا على بقائها قائمة, ذلك الشعب الذي يعاني من عقوبات مزدوجة داخليا من الحكومة العراقية وخارجيا من الغرب, الامر الذي يؤدي لوفاة 5000 آلاف طفل شهريا بسبب نقص الدواء وتراجع الرعاية الصحية بسبب سوء الاحوال الاقتصادية جراء الحظر الاقتصادي المفروض على هذا البلد البترولي الغني. يذكر انه منذ مائة عام عقد اول مؤتمر للسلام الدولي في لاهاي, كما عقد ايضا في عام 1907 المؤتمر الثاني الذي كان من المفترض ان يليه مؤتمرا ثالثا في عام 1915 لكنه لم ير النور حيث منعته الحرب التي قامت في عام ,1914 وكانت اهم النتائج الايجابية لكل هذا هي اتفاق الدبلوماسية الدولية على اقامة محكمة العدل الدولية للفصل في النزاعات بين الدول عن طريق القضاء بدلا من اللجوء للحرب واعمال العنف, وعلى الرغم من ذلك فلم تمنع محكمة العدل الدولية الحروب واهدار حقوق الانسان, فقد شهد القرن العشرون اخطر حروب دموية وصراعات بالسلاح, ليس فقط الحربين العالميتين الاولى والثانية, بل كثير من الحروب الاقليمية والاهلية, اضافة لقيام عدد من الحكومات بعمليات تصفيات جسدية داخليا, فقد اكد المؤتمر الدولي للسلام في لاهاي ان الاتحاد السوفييتي السابق تحت قيادة (ستالين) والصين الشعبية تحت قيادة (ماوتسي تونج) كان لهما ضحايا في بلادهما تتقارب مع اعداد ضحايا الحربين العالميتين, وقد جاءت كل البيانات الختامية لمجموعات العمل الفاعلة بالمؤتمر تنادي باقامة سلام دائم للدخول للقرن المقبل بعيدا عن الايديولوجيات الدينية. لاهاي ــ سعيد السبكي