أكد موديبو سيديبي وزير خارجية مالي ان مجالات التعاون بين العالمين العربي والافريقي واسعة, وان عليهما ايجاد صيغة جديدة للتعاضد لأن مصيرهما متلازم في عصر العولمة , وتحدث الوزير المالي في حوار مع (البيان) عن الوجه الافريقي الذي تغطيه اخبار الحروب والانقلابات والمجاعات, وقال ان السنوات الثلاث الاخيرة, بشرت بميلاد صحوة اقتصادية افريقية في ضوء الديمقراطيات الصاعدة. كما تحدث سيديبي عن تاريخ طويل من العلاقات بين الطرفين, وعن مساندة المجموعتين لقضايا بعضهما, وعلى رأسها القضية الفلسطينية. وتعرض الى التوجه الليبي الجديد نحو افريقيا, وما اذا كان ذلك سيؤثر على علاقاتها مع العالم العربي. وفيما يلي نص الحوار: عندما يعمد بلد افريقي مثل مالي الى التوجه نحو بلاد عربية, طلبا للشراكة الاقتصادية, فهل يعني ان التعاون بين الدول الافريقية فيما بينها, توجه غير ذي مردود ايجابي؟ ــ التعاون الاقتصادي بين الدول الافريقية بصدد التطور حاليا في اطار المنظمات الاقليمية المعنية, ويجري العمل داخل هذه المنظمات على حذف الحدود والضوابط الجمركية بين البلدان الاعضاء فيها, اضافة الى محاولة الوصول لتعريفات موحدة, للنهوض باقتصادها, لكن ذلك سيسمح بجذب استثمارات مهمة الى المنطقة, هذه حقيقة. فنحن كأفارقة لا نريد ان نفاجأ بالعولمة ونتعامل معها سلبيا, بل نحاول ان نكون لاعبين اساسيين ضمن اطارها, تماما مثلما يحاول العالم العربي ان يفعل ونحن نعتقد انه يجب فتح الامكانيات الكبيرة التي تتمتع بها بلاد افريقية وعربية واسلامية عديدة, على بعضها من اجل مصلحة مشتركة, ومن اجل تكامل ممكن. لكن هل تعتقد ان ذلك امر مجد, في ضوء واقع عربي ليس بالصورة المرجوة, ومنه ان نسبة التبادل التجاري العربي الليبي, لا تتجاوز 8%؟ ــ اعتقد انه لا يجب رؤية الامور بمقاييس الحاضر, بل من الحكمة وضعها في اطار مستقبلي متحرك ومتطور, فعلى التجمعات الاقليمية ان تهتم اهتماما كبيرا بالتوحد في صيغ مختلفة, حتى تتمكن من منافسة المجموعات الاخرى. لذلك نعتقد ان العلاقات الافريقية الافريقية, أو الافريقية العربية, بصدد التطور بشكل لافت في هذا الاتجاه. أولا: لتأكيد تضامنها. وثانيا: لتأكيد قدرها الواحد, ورؤيتها الموحدة للمتغيرات الدولية, وهذا من شأنه ان يؤدي بها في المحصلة الى ان تكون لاعبا يحسب له حساب في العالم. وأعتقد انه من اجل بناء مستقبل واعد, يجب عدم الكف عن البحث المتواصل عن صيغ تقرب وتجمع بين مصالحنا جميعا. لكن, اذا التفتنا الى الواقع المعاش, فإننا لا نرى ما يبشر بما ذكرت, في افريقيا حروب عرقية وطائفية لا تنتهي وفي العالم العربي خلافات وتشتت حول قضايا مشتركة, فهل هذا يدعو للتفاؤل بأن الهياكل الجهوية وغيرها قادرة على تحقيق شيء من التوحد حول المصلحة المشتركة؟ ــ صحيح ان الواقع اليوم يبدو صعبا, وغير مشجع على التفاؤل, فصحيح امر الخلافات والحروب, وأمر كثير من الموانع الداخلية والخارجية, التي تقف في وجه التنمية, لكنني الى جانب هذا الوجه السلبي لافريقيا, احب دائما ان اذكر بأن هناك وجها افريقيا آخر صاعدا ومتحركا, فمنذ ثلاث سنوات تقريبا بدأت ملامح هذا الوجه الافريقي المضيء في التبلور, وذلك من خلال تحقيق دول افريقية عديدة لتطور اقتصادي لافت, وقد بدأت الاصلاحات الاقتصادية في اعطاء ثمارها, وكذلك الشأن بالنسبة للاصلاحات السياسية التي بدأت تعمق الديمقراطية في هذه البلدان, صحيح ان هناك صعوبات, لكن يكفي النظر الى ارقام معدلات النمو الاقتصادي التي تراوحت بين 4 و2% في بعض البلدان, لكي نستمد التفاؤل اللازم بالمستقبل, مستقبل الوجه الآخر لافريقيا. ولعل المآسي التي مرت بها قارتنا, تدعوها أكثر فأكثر لاستيعاب الدروس, وللتحلي بالمسؤولية تجاه أجيالها المقبلة, وهذا ايضا بدأ يظهر على حساب المواجهات والعنف وسائر الامراض الاخرى, ولعل في ذلك ما يشرح التوجه الافريقي الجديد لإقامة انواع متعددة من الشراكة مع العالم, مع امريكا ومع أوروبا وغيرهما, وهي شراكة نابعة من وعي افريقي بضرورتها, وكذلك حسب صيغ جديدة, ومفيدة لكل الاطراف, وأعود هنا للتذكير بدور الهياكل الاقتصادية الجهوية, والتي عملت الكثير من اجل تغيير الواقع المحبط, نحو آفاق اكثر تفاؤلا. لكن في مقابل ذلك التفاؤل هناك من يرى ان الوجه الصاعد في افريقيا, هو وجه العداءات العرقية والطائفية التي تهدد أمن واستقرار وحدود الكثير من دولها؟ ــ لا أعتقد انه من الموضوعية النظر الى افريقيا من هذه الزاوية, وكما اسلفت هناك مشاكل محزنة, لكن افريقيا ايضا هي حزمة من المشاكل التي تم حلها بواسطة جهود الافارقة انفسهم, ثم انظر الى اوروبا ايضا, فالقارة الاوروبية لها مشاكلها وخلافاتها, وهذا امر يحدث في كل العام, لكن اجدد القول, انه يجب ايضا النظر الى التصميم الافريقي على تجاوز كل هذه المعوقات, وهو الشيء الاهم في نظري, فقد ارسى الافارقة على وعي جديد ملخصه ان تسامحهم, وقبولهم للتعايش رغم الاختلافات, هو الذي يصنع رفاهيتهم. عودة الى العلاقات العربية الافريقية, هل ترى ان كلا العالمين قادران بالفعل على افادة بعضهما البعض في المستقبل؟ ــ لديّ اعتقاد راسخ في جدوى مثل هذه الشراكة, فالتاريخ الطويل لكليهما يشهد بتبادلات اقتصادية وحضارية هامة, ويؤكد ايضا تلازم مساريهما وقدرهما, هذا بالاضافة الى العلاقات السياسية الجيدة التي تربط اليوم بين اغلب دول الطرفين, وهي علاقات في تطور مستمر من اجل الدفاع عن قيم واحدة في المحافل الدولية, ومن اجل مساندة مواقف وقضايا بعضهم البعض, لذلك فأنا املك قناعة راسخة بجدوى هذا التعاون, رغم انه لم يرق بعد الى مستوى العلاقات السياسية بين الطرفين, لكن التطورات العالمية من حولنا, لم تعد تترك خيارا آخر غير الشراكة المجدية, وهو ما سيعطي في القريب العاجل شكلا جديدا للتعاون القديم. في هذا الاطار, اسأل عن رأيك في التوجه الافريقي الاخير الذي اعلنه القائد الليبي معمر القذافي وإدارة ظهره للعالم العربي؟ ــ لا أعرف ان كانت قصة ادارة ظهر العقيد القذافي للعالم العربي صحيحة, او فيها مبالغات, لكني على يقين ان ليبيا فضاء واسع للتعاون, خصوصا بعد الحصار, الذي بذلت من اجل ازالته منظمة الوحدة الافريقية والجامعة العربية جهودا كبيرة, صحيح ان منظمة الوحدة الافريقية استطاعت تنفيذ قراراتها بهذا الشأن, وتحول عدد من الرؤساء الافارقة الى طرابلس في تحد للحظر, وصحيح ايضا ان العقيد القذافي مهتم منذ بعض الوقت بالمشاكل الافريقية, وتوصل الى حل بعضها, لكنني اعتقد ان القيادة الليبية وقد استعادت حركتها داخل المجتمع الدولي ستعمل على تعزيز التضامن بين الطرفين الافريقي والعربي على حد سواء ونحن في مالي لدينا علاقات جيدة جدا مع ليبيا, ونعتقد ان الشراكة معها جدية الى حد بعيد. ماذا عن المساندة الافريقية للقضايا العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية؟ ــ يعلم الجميع ان موقف الدول الافريقية من القضايا العربية وتحديدا من قضية العرب الاولى, فلسطين, كان دائما مساندا, ولعل في حرص الرئيس عرفات على استشارة نظرائه الافارقة, وعلى حضور مؤتمراتهم اكبر دليل على ذلك, هذا الدعم سيتواصل بقوة حتى تحقق القضية الفلسطينية العادلة كل مطالبها. الدوحة ــ البيان