هل تتحرك الولايات المتحدة عن قصد نحو تحسين علاقاتها مع ايران؟ ان المؤشرات الأخيرة الصادرة عن واشنطن أوحت بما لايدع مجالاً للشك, بهذه الامكانية, ومع ذلك , لا يمكن ازالة آثار عشرين عاما من العداء المستفحل بين الدولتين بين عشية وضحاها, فالسياسة في طهران منذ انتصار الثورة الاسلامية في العام ,1979 غلب عليها الى حد بعيد, طابع الكراهية الرسمية لـ (الشيطان الأكبر) وهو الوصف الذي تطلقه ايران على الولايات المتحدة, وبالمثل ساد هذا الشعور في واشنطن, حيث تنافس السياسيون من جمهوريين وديمقراطيين على اظهار أشد المواقف حيال توجهات الدولة الايرانية. الا انه منذ انتخاب محمد خاتمي رئيسا لايران في العام ,1997 تشجعت حكومتا الدولتان, ومضتا في توجه نحو الاعتدال في علاقاتهما التي تتسم بالمواجهة, وكان خاتمي المبادر لهذا التحرك بعيداً عن العداء والمواجهة, وكانت المقابلة التي أجريت معه في ديسمبر من العام 1997 على شبكة (سي.ان.ان) بمثابة المؤشر الأول للامريكيين الى ان ايران قد تفكر بانتهاج سياسة أقل تطرفا وعدائية لأمريكا في علاقاتها الدولية. وخلال الجزء الأكبر من عام ,1998 تبادلت حكومتا الرئيس خاتمي والرئيس كلينتون اشارات متواضعة تعبيرا عن حسن النوايا, بما فيها تبادل الوفود الرياضية والأكاديمية, فقبل عام من الآن وبالتحديد في مايو ,1998 وافق كلينتون على منح تنازلات لشركات في الاتحاد الأوروبي تنتهك مشروعاتها الاستثمارية في مجال الطاقة العقوبات الامريكية, وبعد ذلك بشهر, اقترحت وزيرة الخارجية الامريكية مادلين أولبرايت بأن تتفق الدولتان على خطة تتضمن خطوات ضرورية من شأنها اتاحة المجال أمام تطبيع العلاقات بينهما. ومنذ خطاب أولبرايت, بدا في أغلب الأحيان وكأن اقتراح هذه (الخطة) كان أقصى ما يمكن الوصول اليه في هذا (الدفء) في العلاقات الثنائية, حيث صعد البعض في المؤسسة السياسية الايرانية من جهودهم لكبح انفتاح خاتمي على الغرب خلال الجزء الأخير من العام ,1998 وفي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر من العام ,1998 لم يقدم خاتمي ردا حقيقيا على اقتراح أولبرايت, فقد كانت مبادرته الوحيدة المعلنة عبارة عن اقتراح بأن تسمّي الأمم المتحدة العام 2001 (عام الحوار بين الحضارات) . وبالنسبة لصناع السياسة الأمريكية, فان غياب أية اشارة جديدة من جانب طهران ترك واشنطن من دون أي اساس تستند اليه في مبادرات جديدة, الا انه في الوقت الذي بدأ الأمريكيون يشعرون بأن عملية ارسال الاشارات المتبادلة التي سادت العام الماضي قد انتهت, أظهر خاتمي انه لايزال قوة سياسية يعتد بها داخل ايران وفي الخارج, فقد لاحقت حكومته مزاعم ضد مسؤولين في وزارة الاعلام لدورهم المزعوم في عمليات القتل التي راح ضحيتها مفكرون معارضون داخل ايران. وقد توجهت عمليات الاعتقال التي طالت العديد من المسؤولين باستقالة وزير الاعلام في فبراير ,1999 وبعد أسبوعين حقق انصار الرئيس خاتمي نجاحا قويا في الانتخابات البلدية التي أجريت في جميع أنحاء ايران. وقد جاءت زيارة خاتمي لأوروبا في شهر مارس الماضي, مباشرة عقب هذا التفويض الانتخابي المتجدد في الداخل, لتحمل رسالة رمزية وعملية, وأعطى لقاؤه بالبابا يوحنا بولص الثاني في الفاتيكان زخما لمطالبته بحوار الحضارات, بينما قادت دبلوماسيته في أوروبا الى الاعلان عن العديد من المشروعات في قطاع الطاقة التي ستختبر قريبا تعهد الرئيس كلينتون للاتحاد الأوروبي بالتنازل عن العقوبات (فيما يخص الشركات الاوروبية). وفي حين بدا في مستهل العام 1999 ان حملة الرئيس الايراني لاعادة تأهيل الصورة والنفوذ الدوليين لايران قد انتهت, نتيجة لأعمال العنف واللهجة المتشددة لمنافسيه السياسيين, الا انه في غضون ثلاثة أشهر كانت الكرة قد عادت مجددا الى الملعب الامريكي. وقد يكون الرئيس كلينتون قد فكر في ذلك, عندما أبدى ملاحظات ارتجالية حول ايران والغرب والدول الاسلامية في حفل في البيت الأبيض أقيم في الثاني عشر من أبريل الماضي, وتحدث كلينتون عن مصادر الغضب وعدم الثقة المتبادلة التي وضعت حاجزا بين ايران والولايات المتحدة طوال الوقت. البعض في ايران استجاب بشكل سلبي لخطاب الرئيس كلينتون مما يعكس الحساسية الكبيرة التي لاتزال سائدة في ايران فيما يتعلق بالحكومة الامريكية بشكل خاص, لكن معظم الامريكيين الذين سمعوا أو قرأوا ملاحظات الرئيس كلينتون فهموا أنه كان يحاول اعطاء تفسير للصدع القائم بين الشعبين الامريكي والايراني بطريقة لاتضع اللوم كله على ايران, فقد اعترف بالطبع ان ايران كانت طوال الوقت (عرضة للكثير من الاساءة من جانب دول غربية عديدة) وانه قد يكون من حقها ان تغضب بشأن هذه الأعمال التي عفا عليها الزمن, وبهذا المفهوم, فان خطاب كلينتون كان خطوة استرضائية. ومن جانبه اعتبر وزير الخارجية الايراني كمال خرازي كلام الرئيس كلينتون (ابتسامة دبلوماسية) وكرر التحدي الذي قدمه في خطابه الذي ألقاه في سبتمبر من العام 1998 أمام الجمعية الآسيوية في نيويورك, والذي يتضمن ان تثبت الولايات المتحدة نواياها لا بالكلام فقط وانما من خلال (تغيير سياساتها وسلوكها) وبدا مسؤول بارز في السياسة الامريكية متحمسا للرد على التحدي بعد ذلك بأسبوع بالاشارة الى ان الولايات المتحدة قد أزالت ايران من قائمتها للدول الرئيسية المنتجة للمخدرات, وأنها لا تزال تأمل باجراء حوار ثنائي مباشر معها. أما أكثر الخطوات الملفتة للنظر (في هذا الاتجاه) فقد كانت تعديل قوانين العقوبات من أجل السماح بمبيعات السلع الزراعية والأدوية لايران وكذلك ليبيا والسودان, وقد رأى بعض المراقبين بهذه الخطوة عزما واضحا من قبل ادارة كلينتون على المضي قدما في اعادة التقارب مع ايران, بينما رأى آخرون انه لا وجود لأهمية سياسية خاصة في ذلك بالنسبة لايران, مستشهدين على ذلك بمبادرة تعديل العقوبات على نطاق العالم التي كانت خاضعة للنقاش في الكونجرس خلال الأشهر الأخيرة. وبصرف النظر عن ذلك, فإن الرئيس خاتمي لديه الآن دليل ملموس على ان الولايات المتحدة تتخذ خطوات حقيقية, من حيث السياسة واللغة الخطابية, لوضع العلاقة الامريكية ــ الايرانية على مسار أقل توترا, وفي حين ينبغي على المرء ألا يتوقع, على الأرجح رؤية قانون العقوبات الامريكي ــ قانون العقوبات ضد ايران وليبيا ــ يلغى رسميا قبل انتهاء مفعوله في العام ,2001 الا ان هناك امكانية لتحقيق تقدم اضافي في تقليل مستوى عدم الثقة بين واشنطن وطهران. أما داخل منطقة الخليج, فمن الواضح ان الحكومة الايرانية تحقق بعض النجاح في تخفيف حدة التوترات مع جيرانها من الدول الخليجية وخاصة السعودية, لكنني اعتقد ان الرئيس خاتمي سيخدم موقفه بسعيه لمعالجة المخاوف, وينبغي على ايران ان توافق بشكل خاص على حل الخلاف حول جزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى من خلال عملية تحكيم ملزمة يقوم بها طرف ثالث مقبول لدى دولة الامارات العربية المتحدة ويتعين عليها ايضا ان تسعى الى تطمين البحرين بأنها لا تدعم أية جهود تهدف الى تقويض أمن واستقرار الدولة. لقد أثار ما يسمى بالتيار المعتدل في ايران بقيادة الرئيس خاتمي انطباع معظم دول العالم بجهوده لاعادة بناء العلاقات السياسية والثقافية والاقتصادية التي كانت قد تضررت خلال سنوات الثورة, وبالفعل حظيت هذه الجهود بقبول جيد لدرجة ان السياسات الموروثة من الحكومات الايرانية السابقة باتت الآن تبدو أمرا عفا عليه الزمن, ان سعي الرئيس خاتمي لتحقيق مستوى جديد من الفهم والقبول بين ايران والمجتمع الدولي سيتحقق في القرن المقبل, وستحتاج ايران للشجاعة من أجل اعادة فحص (سياساتها وسلوكها) وادخال التغيرات الضرورية, واذا كان بمقدورها القيام بذلك, فستستعيد ايران احترامها وتأثيرها الواسع النطاق. مسؤول سابق بوزارتي الخارجية والدفاع, عمل بهما في السنوات من 1981 الى 1993*