تشعر الدول البلقانية بالخوف من النتائج التي سيسفر عنها النزاع الحالي والذي سيؤدي حتما الى اعادة صياغة العلاقات الاقليمية ببقية القارة الاوروبية . وتتمثل العبرة الاولى, التي ستسفر عنها الحرب الدائرة, في اثبات قدرة حلف شمال الاطلسي على بسط سيطرته على العمق الاستراتيجي لاوروبا والتمهيد لنظام عالمي جديد تسود فيه شريعته الوحيدة في العالم, او على الاقل في القارة القديمة كلها. ولا تملك الحرب التي استمرت حتى الآن 44 يوما اي وجه مقارنة مع الحروب التقليدية التي تتبارى فيها الجيوش لتدمير بعضها بعضا واتلاف قدرات الخصم العسكرية. ويقول احد المحللين العسكريين في مقر الناتو في تيرانا ملخصا مايجري: لقد حسب الرئيس ميلوسيفيتش انه قادر على تحدي العالم لمجرد انه يحارب المدنيين العزل, ولكننا وضعناه داخل علبة مغلقة وسنواصل الضرب على رأسه وبقية جوارحه حتى يسقط مغشيا عليه من الالم ويصرخ طالبا الرحمة. وكان رهان الرئيس اليوغسلافي ومعه قادته العسكريون منصبا على قدرة روسيا على تغيير مجرى الاحداث الا ان انتهاء الاسبوع الثامن من الحرب بات كافيا لاقناعه ان صموده العسكري لن يحميه او نظامه من خسارة القدرات الاقتصادية ليوغسلافيا والتي تحتاج الى سنوات لاعادة بنائها. ودأب الزعماء الغربيون خلال الاسابيع الماضية, وفي طليعتهم بيل كلينتون ورئيس الوزراء توني بلير وجاك شيراك على اظهار ايحاءات واضحة بأن هناك نظاما اقتصاديا اقليميا سيقام في البلقان وستكون يوغسلافيا بوجهها الجديد عضوا فيه. ويبدو ان الحرب ضد النظام في بلجراد تحمل اضافة الى البعد العسكري, رؤية استراتيجية اشمل لم يتنبه اليها المراقبون في البداية تخص تغيير التركيب السياسي لكامل منطقة البلقان. وتتمثل هذه الاستراتيجية بتفتيت جمهورية يوغسلافيا الفيديرالية كأساس لفك عرى المشروع القومي الصربي والسلافي الذي شكلته يوغسلافيا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية والتي يعني اسمها سلافيا الجنوبية. وكانت الولايات المتحدة عقدت خمس قمم اقليمية لدول البلقان بعد انتهاء الحرب الباردة دعت اليها دول المنطقة جميعا, وهدفها في ذلك اعداد تصور جديد للبلقان يتم فيه تقاسم النفوذ بينها وبين موسكو. الا ان محاولة بلدان اوروبا الغربية التفاهم مع موسكو ومن وراء ظهر واشنطن أوقع المنطقة في دوامة النزاع الذي وصل اليوم الى ذروته مع محاولة الاطلسي تدمير النظام اليوغسلافي واقتلاعه من جذوره كمدخل لبناء كيان اقليمي اكثر قدرة على الاندماج مع دول حلف الاطلسي غربا وجنوبا وشمالا. ولا تبدو موسكو قادرة على تأمين حضور سياسي فاعل كما كانت عليه الحال قبل تسع سنوات مضت. ويشبه المحللون الغربيون الذين يعملون في تيرانا ما يحدث بأنه يشبه الى حد بعيد ما قامت به الولايات المتحدة بعد حرب الخليج الثانية في منطقة الشرق الاوسط اذ اقامت نظاما للتعاون الاقليمي وفرضت فتح الحدود واعادة صياغة العلاقات الاقليمية بالكامل لدول المنطقة. وبعد الازمات التي دامت تسع سنوات في يوغسلافيا السابقة, يبدو ان منطقة البلقان تشارف بدورها على اعتاب مرحلة جديدة يتم فيها تخطي الجمود التاريخي السابق الذي وقعت فيه وبناء منظومة علاقات تضم دول البلقان في بلغاريا ورومانيا وحتى سلوفينيا مرورا بالبانيا وصربيا والبوسنة والهرسك وكوسوفو ومنتينجرو وكرواتيا. ويشبه المراقبون في العاصمة الالبانية, ممن يرافقون الوفود الامريكية باستمرار, الخطة الامريكية الحالية بانها تشبه الى حد كبير فتح البوابة وازالة حاجز قديم بين شرق اوروبا وشمالها. وقال احد المعلقين ما يحدث يشبه الى حد بعيد محاولة تحريك قفل صدىء لم يستخدم في حياته لكنه ما ان ينفتح وتتصدع البوابة فإن احدا لن يفكر في اقفاله من جديد لان البوابة الحديدية لن تغلق ثانية. تيرانا ــ البيان