ما يحدث من قبل اندونيسيا بشأن جزيرة تيمور الشرقية يبدو للوهلة الاولى وكأنه يتنافى مع حسابات المنطق والرشادة السياسية . فقد وقع على العطاس وجايمي جاما وزيرا خارجية اندونيسيا والبرتغال اتفاقاً برعاية الامم المتحدة في الخامس من مايو 1999 يقضى بموافقة جاكرتا على اجراء استفتاء لسكان تيمور يطرح علىهم سؤالاً هو: (هل توافق على الحكم الذاتي الخاص المقترح لتيمور الشرقية ام ترفضه؟) وهو السؤال الذي يتوقف كثيرون ان تأتي اجابته رافضة لخطة الحكم الذاتي ومؤكدة لرغبة التيموريين في الاستقلال عن اندونيسيا فلماذا قبلت جاكرتا بمثل هذا الطريق؟ ان التاريخ لم يشهد دولاً تحطم نفسها بنفسها ولا قيادات سياسية تدفع بالتكامل القومي في دولها الى حافة الهاوية الا في حالات محدودة للغاية لعل اخرها وربما اكثرها اثارة كان سقوط الاتحاد السوفييتي في 1991. فالاصل في الدول والحد الادنى المنتظر من قياداتها هو الحرص على بل والاستماتة في الدفاع عن سلامة التراب الوطني والحفاظ على التكامل القومي ازاء كل مصادر التهديد واغلاق كل الابواب امام دعاة الانفصال والقوى الخارجية التي قد تدعمهم. فلماذا جازفت حكومة جاكرتا بالتوقيع على مثل هذا الاتفاق الذي قد يترتب علىه انفصال تيمور كما قد يفتح الباب امام اقالىم اخرى مثل ايريان جايا واسية وغيرهما للمطالبة بنفس الشئ؟ ما هي دوافع جاكرتا من المغامرة بالموافقة على فكرة الاستفتاء, خاصة وان بعض الشواهد تدل على ان غالبية سكان الجزيرة (800.000 نسمة) سيعبرون عن رغبتهم في ترك اندونيسيا. ان مجازفة الحكومة الاندونيسية بتوقيع اتفاق الاتستفتاء ليس مقامرة سياسية غير محسوبة او مأزقاً وضعت اندونيسيا نفسها فيه, فجاكرتا تعلم تمام العلم ماالذي يمكن ان يجلبه هذا الاستفتاء علىها؟. ولكنها اختارت ان تجازف طالما انها مجازفة محسوبة, فلهذه المجازفة احتمالان, الاحتمال الاول, حتى ولو بدا محدوداً, هو ان يسفر الاستفتاء عن تفضيل سكان تيمور لخطة الحكم الذاتي الاندونيسية الموسعة وبالتالى تعزز جاكرتا سيادتها القانونية على الاقليم. والاحتمال الاخر ان ينتهي الاستفتاء بافصاح التيموريين عن رغبتهم في الاستقلال فتقوم جاكرتا بتسليمه لهم طوعاً بما يجعلها تبدو وكأنها تنازلت عن الاقليم بمحض ارادتها (بحجة انها وافقت من حيث المبدأ على فكرة عقد الاستفتاء) وهو ما يضمن هيبة الحكومة المركزية ويحفظ لها ماء الوجه. فالاستفتاء اما ان يكون خط الدفاع الاخير الذي تحمي به جاكرتا وجودها في تيمور واما ان يكون المبرر الذي تخرج من خلاله بكرامة من الاقليم. وعلى الرغم من مرارة تجرع فكرة الاستفتاء لما فيها من مساس بالسيادة, فما يبدو هو ان جاكرتا لم يكن امامها حل افضل من ذلك. ففي وقت تعاني فيه اندونيسيا من أزمة اقتصادية حادة وتواجه حركة مقاومة شعبية في الاقليم من قبل الجبهة الثورية لاستقلال تيمور الشرقية (فريتلين) بقيادة جانانا جوسماو وتقع في بعض اقالىمها مثل امبون وجيزو وبورنيو واسية ووايريان جايا احداث عنف طائفي, لم تجد جاكرتا حلاً افضل من قبول الاستفتاء. فهو على الاقل يتيح فرصة امام جاكرتا لالتقاط الانفاس. بإختصار. فإن موافقة جاكرتا على الاستفتاء ان لم يضمن لها الحفاظ على الارض فسيحفظ لها الكرامة, فإستفتاء تيمور هو رهان اندونيسي محسوب بين الحفاظ على الارض او خسارتها دون التضحية بالهيبة. اما من حيث فرصة الاحتفاظ بتيمور فهي وان كانت ضئيلة, على ضوء التوجهات الانفصالىة القوية التي يعبر عنها كثير من التيموريين, الا انها ليست منعدمة تماماً. فالاتفاق الذي توصل الىه على العطاس وزير خارجية اندونيسيا مع نظيره البرتغالى جايمي جاما يتضمن ثلاث وثائق تغطي الاولى منها عناصر الخطة الاندونيسية للحكم الذاتي الموسع الذي تقترحة جاكرتا. اما الوثيقتان الثانية والثالثة فتتناولان الترتيبات الامنية وكيفية اجراء الاستفتاء على التوالى. وتحاول اندونيسيا بما اوتيت من قوة الترويج حتى موعد الاستفتاء في الثامن من اغسطس المقبل لخطة الحكم الذاتي بجذب اكبر عدد ممكن من التيموريين الىها, فلو قورنت خطة الحكم الذاتي بالقبضة المركزية المسنودة من قبل الجيش التي فرضتها جاكرتا في عهد سوهارتو على تيمور, فإنها بلا ادنى شك تبدو خطوة اصلاحية متقدمة. فالخطة تنص على انه بإستثناء شئون الدفاع وتحصيل الضرائب المستحقة لحكومة جاكرتا, وموارد النفط, فان التيموريين من حقهم مباشرة كافة شئونهم بأنفسهم, والا تقتصر الحكومة الاندونيسية على ما قد يكون في تلك الخطة من نقاط جذب, بل انها بدأت تحشد منذ موافقتها على فكرة الاستفتاء كافة القوى الاجتماعية والسياسية التي تحبذ البقاء في اندونيسيا, فقد نجحت جاكرتا بموافقتها على منح التيموريين مبدأ حق تقرير المصير في شق صفوف القوى السياسية التيمورية, فمن المعروف به ان قطاعات من التيموريين لا تريد الانفصال عن اندونيسيا. فهناك من يرى ان تيمور دون اندونيسيا لن تقوى بمفردها على الوقوف كدولة مستقلة. فالجزيرة التي ترتفع فيها نسبة الامية لتصل الى نحو 85% تعتمد بشكل شبه تام على الاطباء والمهندسين والمعلمين القادمين من خارج الجزيرة. علاوة على ذلك فإن تيمور لا توفر من ميزانيتها البالغة حوالى 400 بليون روبية الا 10 بلايين فقط بما يجعلها في امس الحاجة الى الحصول على دعم من جهات اخرى. وقد وصل الحال ببعض القوى التيمورية المؤيدة للبقاء في اندونيسيا الى حد تشكيل ميليشيات عسكرية مناهضة للانفصالىين مثل جماعة ( الدم الاحمر) التي تعتمد على ترويع السكان المحليين وتطهير المنظمات المناهضة للاندماج في اندونيسيا. ولا يخفى ما لهذه القوى المؤيدة لخطة الحكم الذاتي من دور محتمل في اخراج نتيجة الاستفتاء على النحو الذي تريده جاكرتا. فاذا كانت اتفاقية العطاس ــ جاما قد نصت على ضرورة توافر بيئة امنة خالىة من العنف لضمان نزاهة الاستفتاء, فإنها قد ألقت مسئولية المحافظة على الامن على الحكومة الاندونيسية مع الاكتفاء بنشر قوة من الشرطة المدنية التابعة للامم المتحدة تصل الى 300 فرد. هذا الوضع وان كان يفرض على حكومة جاكرتا نزع اسلحة الميليشيات المعارضة والمؤيدة للانفصال على السواء, الا انه بلا شك يجعل جاكرتا, وهي صاحبة المصلحة في الابقاء على تيمور, في وضع نسبي افضل قد يمكنها من التأثير على نتيجة الاستفتاء. وأما اذا عجزت جاكرتا تحت ضغوط المراقبة الدولية, وخاصة لكل من البرتغال واسترالىا, عن الحصول على موافقة سكان الاقليم على خطة الحكم الذاتي, فانها ستجعل من الاستفتاء وسيلة (طلاق حضاري بينها وبين تيمور. فوزير الخارجية الاندونيسي على العطاس اكد عقب توقيع اتفاق الخامس من مايو انه في حالة رفض الحكم الذاتي, فان اندونيسيا) ستتخذ الخطوات الدستورية والضرورية لافتراقنا بوسيلة علمية ومشرفة) وهو ما يشير الى رغبة جاكرتا في ان تخرج بعد استفتاء اغسطس من تيمور بكرامة وبأقل خسائر ممكنة, فما تريده جاكرتا لو قدر لانفصال تيمور ان يصبح محتوما ان يكون فراقا صامتا لا يغذي رغبات اقالىم اخرى في الانفصال, فتيمور كانت اخر المحافظات (رقم 27) التي ضمتها اندونيسيا الىها عن طريق غزو عسكري في 1976. كما ان تركيبها الديني (1.3% مسلمون, 2.6% بروتستانت, 91.4% كاثوليك, 4.7% طوائف اخرى) وتاريخها الخاص كمستعمرة برتغالىة فتح الباب امام تدفق النقوذ الاجنبي في وقت بدأت تتآكل فيه قدرات النظام السياسي الاندونيسي بسبب الازمة المالىة والفوضى التي خلفتها نهاية حكم سوهارتو. فربما لهذه الاسباب قبلت جاكرتا بالاستفتاء لانه حتى وان قاد الى استقلال تيمور فانه سيخلصها بدون مواجهة عسكرية قد يترتب علىها عواقب وخيمة من مصدر توتر يحتمل ان يؤدي الابقاء علىه الى خلق مصادر توتر مماثلة في اقالىم اخرى. ان اندونيسيا لا تبدو في موقف حرج على الاطلاق بسبب مسألة تيمور. فإما ان ينتهي الاستفتاء بقبول خطة الحكم الذاتي الجديدة التي بدأت جاكرتا تطورها لتيمور وغيرها من الاقالىم الاندونيسية. واما ان تسوء الاوضاع الامنية قبل واثناء اجراء الاستفتاء فتتدخل القوات الاندونيسية بإسم الحفاظ على النظام بما ىؤجل ان لن يقضي على احتمالات انفصال تيمور في الاجل المنظور. واما ان ينتهي الاستفتاء بهدوء الاعلان رغبة التيموريين في الانفصال بشكل يتيح لجاكرتا ادعاء الفضل بأنها هي التي سمحت للاقليم بالاستقلال. كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ــ جامعة القاهرة