دخل الاسلام اندونيسيا في القرن الثالث عشر على ايدي التجار العرب القادمين من اليمن وحضرموت وعمان حاملين معهم رسالة الدين الحنيف ومبادئه التي وجدت قبولاً وترحيباً لدى شعوب هذه المنطقة والتي كانت عبارة عن عدة آلاف من الجزر المتفرقة المنعزلة يحكمها امراء وشيوخ قبائل ويعيش معظمهم على الفطرة . غير ان التجار المسلمين كانوا معنيين بنشر الاسلام اكثر من عنايتهم بتكوين دولة اسلامية تجمع هذه الجزر في كيان واحد مستقل او تابع للخلافة. وبعد ثلاثة قرون جاء البرتغاليون بداية بقصد التجارة ونهاية بضم هذه المناطق الشاسعة واعتبارها اجزاء من الامبراطورية البرتغالية لما وراء البحار. وفي اعقاب البرتغاليين جاء الهولنديون فطاردوهم حتى استقر الامر ببقاياهم في جزيرة تيمور, او بمعنى اصح في الجزء الشرقي منها, حيث اقاموا هناك مع اشياعهم الدين استطاعوا ضمهم الى الكنيسة البرتغالية نوعاً من (الغيتو) الذي ظل منعزلاً عن بقية جزر اندونيسيا التي مضت لهولندا. وكانت هذه هي بداية مشكلة تيمور الشرقية التي ظلت قائمة تحتدم حيناً وتهدأ حيناً حتى وقتنا الحالي باعتبارها اقلية غير متجانسة دينياً (اغلبهم من المسيحيين) مع سائر المنطقة الواسعة التي تضمها الآن جمهورية اندونيسيا وباعتبارها ايضاً تنتمي الى البرتغال وتتحدث بلغتها اكثر مما تتحدث باللهجات الاندونيسية التي يصل عددها الى اكثر من 570 لغة ولهجة مختلفة. ولقد استطاع الاستعمار الهولندي ان يسيطر سيطرة كاملة على تلك الاصقاع التي تصل مساحتها الى ما يساوي مساحة اوروبا كلها مستنزفاً اموالها وثرواتها بغير رحمة, بل ويذكر في هذا الصدد ان الشركة الهولندية التجارية وهي الغطاء الذي استتر خلفه الاستعمار الهولندي وقفت في وجه الشركة البريطانية الشرقية التي كانت في ذلك الحين قد احكمت قبضتها على الهند واخذت تمد اطرافها في جنوب شرق اسيا حتى حدود الصين. وبعد سلسلة من المعارك البحرية بين الاساطيل الهولندية والبريطانية استمرت من سنة 1610 حتى سنة 1623 انسحبت الشركة البريطانية نهائياً من اصقاع اندونيسيا تاركة السيادة عليها للحكومة الهولندية ولكن بقيت تيمور الشرقية تحت سيادة البرتغال. ثم جاءت الحرب العالمية الثانية. وفي سنواتها الاولى اجتاح الاعصار الياباني كل الجزر الاندونيسية, ونشبت في الوقت نفسه حركة تحرر اندونيسية ما لبثت ان كسبت لصفها كل ابناء الجزر المتفرقة, ومع هزيمة اليابان الساحقة بعد قنبلتي هيروشيما ــ وناجازاكي حاول الهولنديون استعادة مواقعهم الاستعمارية في جزر اندونيسيا ولكن المحاولة قوبلت بمقاومة شديدة العنف من حركة التحرر الوطني والتي قادها حينذاك زعيم اندونيسيا ومنشيء دولتها الحديثة أحمد سوكارنو. واستمرت المعركة من اجل الاستقلال حتى عام 1947 حينما اضطر الهولنديون الى الاعتراف بالجمهورية الاندونيسية وفقا لما سمي حينذاك باتفاق شريبون لسنة 1947. ثم تكرست سيادة اندونيسيا كدولة مستقلة في مؤتمر لاهاي بتاريخ 28 ديسمبر سنة 1949 على شكل اتحاد كونفدرالي يتكون من الاراضي التي يسيطر عليها الوطنيون بقيادة سوكارنو وخمس عشرة مقاطعة كانت لا تزال تحت سيطرة الهولنديين. ومع ان هذا الاتحاد اصبح غير ذي موضوع في اغسطس سنة 1950 وتحولت البلاد كلها الى جمهورية متحدة يرأسها سوكارنو الا ان اندونيسيا لم تستكمل سيادتها الكاملة على اراضيها عمليا وقانونيا وشرعيا الا في عام 1956 حينما اعلن سوكارنو طرد جميع الرعايا الهولنديين ومصادرة كل ممتلكاتهم. وفي كل هذه التطورات ظل وضع تيمور الشرقية كجيب برتغالي قائما بغير تغيير تقريبا اللهم الا على شكل غزوات مستمرة من جانب الحكومة الاندونيسية المركزية لاستيعابه ضمن الدولة الواحدة وذلك في مواجهة انتفاضات بين الحين والحين تغريها في الغالب المصالح الاجنبية بهدف الضغط على الحكومة المركزية في جاكارتا. وفي سنة 1975 اقدمت اندونيسيا على ضم تيمور الشرقية بالقوة المسلحة, الامر الذي فجر حركة مقاومة ظلت مشتعلة وتسبب صداعا مستمرا للحكومة المركزية. تقع جزيرة تيمور في الطرف الجنوبي الشرقي من الارخبيل الاندونيسي في مواجهة قارة استراليا وهي عبارة عن شريط ضيق نسبيا معظمه عبارة عن ارض جبلية وعرة مساحتها نحو 31 الف كيلومتر مربع وسكانها الاصليون من الملايو ومعظمهم يدينون بالمسيحية, اما تيمور الشرقية اي الجزء الشرقي من الجزيرة الذي اتفقنا على تسميته بــ (الغيتو) البرتغالي فمساحته اقل قليلا من 20 الف كيلومتر مربع وعدد سكانه اقل قليلا من مليون وربع مليون نسمة. بينما الجزء الغربي من الجزيرة تبلغ مساحته نحو 12 الف كيلومتر وعدد سكانه اقل قليلا من مليون نسمة. والجزيرة تحتوي على ثروة من خشب الصندل والماشية وبها صناعة جلود نامية كما يزرع فيها البن والتبغ وتشتهر بتصدير ثعابين الكوبرا التي يستخدم سمها في كثير من الاغراض الطبية كما يشتهر الجزء الغربي بالذات باسطول لصيد السمك هو في الواقع حلقة الوصل الاساسية بين الجزيرة وسائر أرجاء اندونيسيا. والذي لا شك فيه ان الاتفاق الذي تم اخيرا وجرى توقيعه في الامم المتحدة من اجل اتاحة الفرصة لشعب تيمور الشرقية لكي يقرر مصيره بارادته الحرة انما هو انتصار لحركة التحرر الوطني في تيمور الشرقية بقدر ما هو انتصار لحكومة اندونيسيا التي يمكن القول انها تخلصت اخيرا او على الاقل على وشك التخلص من صراع مزمن استمر اكثر من 25 عاما وكان يكلف اندونيسيا خسائر مادية وبشرية لعلها الآن احوج ما تكون الى الخلاص منها او الى وضع حد لها. ان الاتفاق الذي تم التوصل اليه يقضي بمنح سكان تيمور الشرقية الحق في الاستفتاء من اجل تقرير مصيرهم يوم 8 اغسطس المقبل ليختاروا بين حكم ذاتي موسع قد يؤدي في النهاية الى الاستقلال التام أو البقاء تحت سيادة الجمهورية الاندونيسية. كما ينص الاتفاق على ان يجري الاستفتاء تحت إشراف دولي وربما مع وجود قوات مراقبة من الأمم المتحدة تضمن حيدة التصويت وعدم تدخل أية عوالم خارجية في إرادة الناخبين. وقد يبدو للوهلة الأولى ان أهل تيمور الشرقية لن يختاروا بسهولة الطريق الذي يفصلهم في النهاية عن البلد الأم فإمكانيات نصف الجزيرة لا تسمح لها بإقامة كيان منفصل خصوصاً مع وجود الروابط التجارية التي تعود الى آلاف السنين مع سائر الجزر الاندونيسية. ولعل الجانب المعاكس الوحيد في هذا المنطق هو ان تكون هناك اتجاهات لربط تيمور الشرقية بالشاطىء الاسترالي الأقرب اليها من الجزر الاندونيسية الكبيرة حيث توجد القيادة المركزية لاندونيسيا. وأيا كان الأمر فإن العالم الاسلامي لا يملك إلا أن يتعاطف مع اندونيسيا ويرجو لها أن يكون هذا الاتفاق الذي شفاها من صداع المتمردين في تيمور الشرقية مقدمة للخلاص من الأزمة الاقتصادية السياسية التي ألمت بها في العامين الآخيرين. ان اندونيسيا هي أكبر البلدان الاسلامية قاطبة فتعدادها وصل هذا العام الى 225 مليون نسمة, و87% منهم يدينون بالاسلام, كما انها رابع دولة في العالم من حيث عدد السكان ولا يسبقها في ذلك سوى الصين والهند والولايات المتحدة الأمريكية, وهي فضلا عن ذلك تتحكم في مدخلي المحيطين الهندي والهادي واللذين تقول عنهما كل دراسات المستقبل حول القرن الحادي والعشرين انهما سيكونان المركزين بين الرئيسيين لصياغة العالم الجديد. ولاشك ان الخلاص من مشكلة تيمور الشرقية سيتيح لاندونيسيا فرصة أكبر لكي تستعيد توازنها على الساحة الاقتصادية العالمية, كما سيساعدها أكثر على تحسين علاقتها بالدوائر العالمية التي كانت تتخذ من تقنية تيمور الشرقية سلاحاً تهاجم به النظام الأندونيسي متهمة اياه بالعنصرية والتعصب الديني. ويبقى بعد هذا القول ان احترام الخصائص الاقليمية والهوية الذاتية لأي اقليم داخل في تجمع أكبر هو الطريق الوحيد السليم للحفاظ على الوحدة الوطنية وتفاد أية محاولات انفصالية مغرضة من الخارج. ولعل الاتفاق الأخير الذي يحترم حق أهل تيمور الشرقية في تقرير مصيرهم يكون درساً جيداً لما يجب ان تكون علية أية تسويات لأوضاع مماثلة سواء في آسيا أو في الشرق الأوسط.. أو كوسوفو.