عقب اتفاق 5 مايو بين اندونيسيا والبرتغال في نيويورك برعاية الأمم المتحدة على أسلوب الاستفتاء الشعبي لتقرير المصير لتيمور الشرقية, بات واضحا ان الرئيس الاندونيسي يوسف حبيبي يسعى بجدية من أجل التوصل لحل لأزمة تيمور الشرقية يكون مقبولا لدى الشعب الاندونيسي في الداخل والمجتمع الدولي في آن واحد, ولم يخف حبيبي مخاوفه من قيام الجماعات المناصرة للمليشيات الاندونيسية العسكرية بعمليات تخريب تفسد التوصل لاجراءات اقامة السلام الدائم, في ذات الوقت تؤكد المعلومات بأن (الغرب الأوروبي الكاثوليكي) بدأ في قطف ثمار الجهود والمساعي الدولية التي قام بها على مدار ربع قرن من الزمان لاقامة دويلة كاثوليكية مسيحية داخل اندونيسيا, ومن هنا فإن أوروبا تدعم بقوة حق تقرير المصير لتيمور الشرقية, وتقف استراليا ــ ذات المصالح البترولية في تيمور الشرقية ــ في مقدمة الوساطة لانهاء القضية, وحبيبي مدرك وبصورة مؤكدة ان سرعة الحل تؤمن لاندونيسيا المسلمة شر اتخاذ أمريكا أو قوات حلف الناتو الموقف المتوتر في تيمور الشرقية ذريعة للتدخل في بلاده, وهو منذ تسلمه للسلطة عقب أزمة بلاده التي عصفت بالرئيس السابق سوهارتو وحتى الآن لم يثبت اقدامه بعد في كرسي السلطة, والآن لم يبق على تنفيذ الاستفتاء الشعبي حول تقرير المصير لتيمور الشرقية أقل من ثلاثة أشهر ــ 8 أغسطس المقبل ــ فإن المخاوف لا تزال تطل برأسها وتحاصر الاجراءات التأمينية التي تعهدت بها اندونيسيا لاتمام الاستفتاء ــ الذي ستعلن نتائجه في 29 من ذات الشهر أمام البرلمان الاندونيسي الجديد ــ وكذلك التي ستقوم بها الأمم المتحدة للمساعدة في نزع السلاح من الميليشيات والمدنيين, بجانب عدم وضوح الموقف حول مصير الزعيم التيموري Gusmao وعملية افراجه المبكر من عدمه, والتي ستساهم كثيرا في اشاعة الاستقرار في تيمور الشرقية. حول مصير تيمور وامكانية احلال السلام بتلك المستعمرة البرتغالية السابقة كان لـ (الملف السياسي) هذا الحوار مع السكرتير العام للجنة العدل والسلام الدولي فيكتور سخيفرس: * وبسؤاله حول تاريخ كفاح تيمور الشرقية للتحرر والحصول على الاستقلال يقول: في 26 أغسطس 1974 رحل آخر حكام لشبونة وآخر السفن عن تيمور الشرقية للبرتغال, ووقعت المستعمرة البرتغالية في حرب أهلية, انتصرت فيها الجبهة القومية لتحرير تيمور الشرقية الذين طالبوا في 28 نوفمبر عام 1975 بالاستقلال, اما الحكومة الاندونيسية ــ التي تسترت وراء دعم المؤسسة الشعبية الديمقراطية للتيموريين ــ كانت تخشى تكرر مأساة كوبا ثانية في بلادها, وبعد أن حصلت جاكرتا على الضوء الأخضر من الولايات المتحدة الأمريكية واستراليا, دخلت القوات الاندونيسية تيمور الشرقية في 7 ديسمبر عام 1975 مما أسفر عنه تراجع الجيش القومي للمقاومة لتحرير تيمور الشرقية وفصائله ولاذ بالجبال حيث نظم هجماته من هناك على القوات العسكرية الاندونيسية, ووصلت إلى حرب دامية استمرت فترة طويلة, وكانت هذه الفصائل أثناء تأسيسها في 20 أغسطس 1975 اليد القوية المسلحة للجبهة القومية لتحرير تيمور الشرقية Fretilin ونقطة التقاء للاشتراكيين الديمقراطيين واليسار المتطرف, والتي اعتبرت واحدة من الأحزاب السياسية التي برزت على السطح في تيمور الشرقية بعد (ثورة القرنفل) في لشبونة عام ,1974 وقد عملت بنشاط من أجل الاستقلال والتحرر, وتم تسليحها عن طريق الجيش البرتغالي, وانضمت في صيف 75 مع منافسها الأكبر (حزب الاتحاد من أجل الديمقراطية في تيمور الشرقية) (UDT) , والمؤسسة الشعبية الديمقراطية للتيموريين (Apodeti) , التي كانت تسعى ببقاء تيمور الشرقية على علاقة طيبة مع البرتغال على أن تنضم إلى اندونيسيا. وفي يوليو 76 أصبحت تيمور الشرقية محافظة تابعة لاندونيسيا, وفي حركات متتابعة للجيش الاندونيسي في أعوام ,76 ,79 ,83 ,88 قامت بمطاردة الجيش القومي للمقاومة والتحرير أبادت الآلاف منهم, وأجبرت بقيتهم على الفرار مرة أخرى للجبال, غير ان الجيش القومي للمقاومة والتحرير في الثمانينات وتحت قيادة اكسينانا انفصل عن حزب اليسار المتطرف, وأطلق على نفسه جيش التحرير المسلح في المنفى, وأصبحت له شبكات اتصالات قوية في أوساط الشباب والجامعيين بتيمور الشرقية, وارتبطوا بعلاقات ذات ثقل مع استراليا والبرتغال. وفي 32 نوفمبر 1992 سقط (Jose Alegandro Gusmao) القائد الاسطوري العسكري لتيمور الشرقية بعد 16 عاما من الكفاح وقيادته للجبهة القومية لتحرير تيمور الشرقية في يد أعدائه, والذي كان معروفا باسمه الحركي (Kay Rala Xanana) , فقد انتزعته قوات الكوماندوز الاندونيسية من فراشه في السادسة صباحا بمقره الكائن في مخيم سري بمدينة (ديلي) عاصمة تيمور الشرقية, بعد أن أعياهم البحث عن مخبئه ومطاردته سنوات, فقد أوشى به أحد جيرانه قبل ساعتين فقط من مهاجمته, وفي 21 مايو عام 1993 حكمت عليه محكمة ديلي بالسجن المؤبد ــ وهو الحكم الذي خفض بعد ذلك في عهد الرئيس الاندونيسي سوهارتو إلى 30 عاما سجنا ــ ورغم ان عملية القبض على (Xanana) وسجنه أصبحت ولا تزال رمزا للكفاح والمقاومة التيمورية ضد اندماج هذه المستعمرة البرتغالية السابقة في اندونيسيا, الا ان هذا الحدث كان ضربة قاصمة للمقاومة (Falintil) والتي تعني (الجيش القومي للمقاومنة وتحرير تيمور الشرقية) . والآن بعد قرابة الـ 23 عاما بقيت مجموعات من الميلشيات الصغيرة من الجيش القومي للمقاومة وتحرير تيمور الشرقية, ولكل فصيلة قائد موزعين على تبات المناطق الجبلية الشرقية, مسلحون بأسلحة خفيفة حصلوا عليها من هجماتهم الماضية على الجيش الاندونيسي, واقتصر كفاحهم على اقامة شراك بين حين وآخر ضد قوات الجيش الاندونيسي التي تمر بالقرب منهم, يتساقط فيها نقر قليل من الضحايا, وعلى الرغم من ان هذه الميليشيات تمثل قلة هزيلة بالقياس للجيش الاندونيسي, الا انهم يشكلون هاجسا أمنيا للجيش الاندونيسي, وعنصرا سيكلوجيا سلبيا على قواته, كما كانوا دوما رمزاً ومنبعا للارادة والكفاح بين التيموريين, خاصة بين طلبة الجامعات الذين تعلموا في المدارس الاندونيسية, وفشلوا في الحصول على فرص عمل في قراهم الأصلية, مما دفعهم للالتفاف حول الجيش القومي للمقاومة ومساندته. * هل تشير المعطيات الحالية للأوضاع في تيمور الى امكانيات حلول السلام بها وتوقف أعمال العنف؟ ــ قبل تقديم اجابة قاطعة على هذا السؤال ينبغي رصد الأحداث الأخيرة في تيمور, والتي سبقت توقيع اتفاق 5 مايو ولا تزال آثارها تخيم على البلاد, فقد شهدت الأسابيع الأخيرة اعلان قوات الميلشيات العسكرية الاندونيسية عن عدم تراجعها خوفا من أعمال العنف, خاصة بعد سقوط 100 شخص من المدنيين وهروب مئات آخرين من القرى الى العاصمة ديلي, كما ان الشخصيات القيادية لحركة التحرير ودعاة الاستقلال هربت ايضا للعاصمة ديلي ومدينة بالي ومنهم من لاذ بالفرار خارج البلاد, اضافة الى ان المبعوث البرتغالي (انا جوميس) عقب زيارته الأخيرة لتيمور الشرقية قد اكد انها تعيش في حالة قلق وعدم استقرار, كما ان منظمة العفو الدولية توصلت الى (مستند سري) فحواه ان (حركة كوماندوز الدم الأحمر) تهدد بقتل كل انصار استقلال تيمور الشرقية في ديلي, وكل هذا يشير الى الصعوبات التي تواجه مسألة تحديد المصير, فلن تقبل الميليشيات الاندونيسية انفصال تيمور الشرقية عن اندونيسيا بسهولة, والأحداث الأخيرة تؤكد ضرورة سرعة نزع السلاح من كافة الأطراف, والحيلولة دون تفاقم الأزمة وتحولها الى حرب حقيقية بين المسلمين والمسيحيين, وفي حالة انتهاء عمليات التهديد والابتزاز من كافة الجوانب, سيكون هنا فقط الأمل في حلول السلام واجراء استفتاء 8 اغسطس المقبل في هدوء. وما هو توقعاتكم حول هذا الاستفتاء والمنتظر منه؟ ــ بداية في حالة مصداقية الحكومة الاندونيسية وتوفيرها لمناخ جيد لحرية اجراء الاستفتاء, فان الغالبية العظمى ممن سيدلون بأصواتهم في الاستفتاء سوف يختارون الاستقلال, لكني لست متفائلا في ذات الوقت, ولا أتوقع اجراء الاستفتاء في مناخ صحي حر وديمقراطي, فكل الدلائل تشير حتى الآن الى استمرار الضغوط من قبل حكومة اندونيسيا لبقاء تيمور الشرقية تحت سيطرتها تلك الحكو مة التي قامت خلال العقدين الماضيين بعمليات توطين ودمج للاندونيسيين المسلمين في تيمور, لتغيير الديموجرافية السكانية للبلد, وهو الأمر الذي سيعيق بصورة كبيرة امكانية انفصال تيمور الشرقية عن اندونيسيا, لتأثير التركيبة السكانية بصورة كبيرة في الحيلولة دون هذا الانفصال رغم ان هؤلاء المسلمين لا يشكلون اكثر من 20% من سكان تيمور الشرقية, لكن لن يكون هذا هو المعوق الوحيد بل احد اسبابه. * اذا كان الأمر كذلك فلماذا يسود عدم التفاؤل توقعاتكم لسير الاستفتاء؟ ــ على الرغم من ان الخطة الاندونيسية هي خطوة ايجابية جدا في نجاح الاستفتاء بالمقارنة بتصرفات الجيش الاندونيسي في تيمور الشرقية بعد ضمها في ,1976 الا ان المعيار الأساسي لمسار عملية الاستفتاء يتوقف على جنرالات الجيش الاندونيسي القادم من جاكرتا لتيمور الشرقية في اغسطس المقبل, وقيامه بواجباته لتحجيم الميليشيات العسكرية التي ترفض الاستقلال, فقط في هذه الحالة سيتم تلاشي حدوث مزيد من حمامات الدم, وانا لا انكر ان الرئيس الاندونيسي يوسف حبيبي قد أعلن ان حكومته ستحترم نتائج الاستفتاء, ولم يمانع في قدوم مراقبين دوليين لهذا الاستفتاء من بريطانيا, أمريكا, استراليا, اليابان, المانيا, الفلبين, وذلك تحت علم الأمم المتحدة لمراقبة سلامة سير الاستفتاء, وهي الخطوة التي لاقت ترحيبا كبيرا من مؤيدي استقلال تيمور الشرقية, وستشهد الأيام المقبلة وصول مجموعات شرطية من البلاد السالف ذكرها, وستعمل الى جنب قوات الجيش الاندونيسي, لكن في دور استشاري فقط للحفاظ على الاستقرار في اطار عمل الأمم المتحدة, لكن كل هذه الاجراءات وحسن النوايا التي تظهرها حكومة حبيبي ليست الضمان الوحيد لانهاء المشكلة بصورة جيدة, فتأكيد حبيبي الالتزام بوعوده لا يقطع الطريق امام تفجر أعمال العنف من قبل الميليشيات المسلحة التي تعارض الاستقلال, كما لايمكن الجزم بان محاولات نزع السلاح التي ستقوم بها حكومة حبيبي بمساعدة الأمم المتحدة ستنجح تماما للامكانيات الواسعة لتخبئة السلاح في أماكن لا تصل اليها القوات المختصة بنزعها, وهو الأمر الذي اكده (دافيد اكسيمانس) بحركة لجنة المقاومة الشعبية لتحرير تيمور الشرقية حيث أعرب عن مخاوفه من عدم نجاح فريق البوليس الدولي التابع للأمم المتحدة ــ والذي سيقوم بالعملية الاستشارية ــ من امتلاك القوات الفعالة لانهاء عمليات العنف المتوقعة من قبل الميليشيات الاندونيسية المعارضة للاستقلال, وان ارسال قوات دولية مسلحة هو الضمان الوحيد لسير الاستفتاء بالشكل المطلوب. * ما هي الأحداث المتوقعة منذ الآن وحتى موعد الاستفتاء وما بعده؟ ــ اتوقع مزيدا من احداث العنف, وسقوط مئات الضحايا من الطرفين, التيموريين المطالبين بالاستقلال, وكذلك الميليشيات المعارضة لهذا الاستقلال وذلك قبل اجراء الاستفتاء, وتجدر الاشارة هنا ان الانتخابات التشريعية للبرلمان الاندونيسي سوف تتم في السابع من يونيو المقبل, وهو البرلمان الذي ستعلن أمامه نتيجة الاستفتاء في الاجتماع الأول له, وعلى هذا البرلمان تتوقف مسألة تنفيذ نتيجة الاستفتاء, هل سينفذ تلك النتيجة في حالة تأييد الاستفتاء للاستقلال أم سيرفض التنفيذ, ولا يمكن التكهن بصورة دقيقة لموقف البرلمان الجديد لأن المعالم السياسية لم تتضح تماما بعد. أجرى الحوار : سعيد السبكي