ادت الموافقة الاندونيسية ـ التي تمت اوائل هذا الشهر ـ على اجراء استفتاء لسكان اقليم تيمور الشرقية لتحديد مدى قبولهم بفكرة الحكم الذاتي الموسع الذي طرحته حكومة جاكرتا مؤخرا , الى وضع قضية تيمور الشرقية في بؤرة الاهتمام العالمي, وفتحت الباب امام الخلافات والصراعات الداخلية بين نظام حبيبي والقوى المعارضة الاندونيسية, حيث هاجمت المعارضة هذه الخطوة ورأت انها ستؤدي الى مشاكل كبيرة قد تتفاقم وتدفع بالبلاد الى حالة من عدم الاستقرار, وخاصة ان اندونيسيا تكون من مجموعة هائلة من الجزر, وقد عبرت زعيمة المعارضة الاندونيسية عن هذا الامر وادانت هذه الخطوة, وحذرت من اندلاع حرب اهلية في الجزيرة اذا ما قررت جاكرتا التخلي عنها, واشارت الى ان مشكلة تيمور الحقيقية تكمن في سوء ادارتها من جانب الحكومة.. كما ادت هذه الموافقة الى وجود صراع وخلاف آخر بين النظام الاندونيسي من جهة, والامم المتحدة ومعها بعض الاطراف الدولية من جهة اخرى حول الصورة التي سيكون عليها الاستفتاء المنتظر حدوثه اوائل شهر اغسطس المقبل ـ ففي الوقت الذي تراه حكومة جاكرتا مجرد استطلاع رأي لن تسمح لان يترتب عليه اية تغييرات جذرية في وضعية الاقليم, تطالب على الجانب الآخر الامم المتحدة ومعها بعض الاطراف الدولية بإشراف كامل وحقيقي على الاستفتاء وبالتزام اندونيسي كامل بنتائجه حتى لو جاءت في غير صالح النظام الاندونيسي, واذا كانت الدلائل كلها تشير الى ان هناك محاولات تتم حاليا في اندونيسيا للبحث عن صيغ وسطية للمشكلة التيمورية وخاصة ان حكومة جاكرتا قد اظهرت جدية كبيرة في اتجاه اجراء الاستفتاء على الاقليم الذي قامت بالاستيلاء عليه عام 75, فإن هذا لم يمنع استمرار حالة الخوف والقلق على مستقبل الاقليم وكثرة التساؤلات حول حجم المخاطرة في هذه الخطوة, والدور الذي تلعبه الاطراف الدولية فيها, وحول النتيجة المنتظرة من الاستفتاء ومدى قبول النظام الاندونيسي لها, ودور التركيبة العرقية لسكان الاقليم في حدوث المشكلة. مجازفة كبيرة بداية يؤكد الدكتور محمد السيد سعيد نائب مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالاهرام, ان موافقة اندونيسيا على اجراء استفتاء لسكان اقليم تيمور الشرقية من اجل تحديد مدى قبولهم لفكرة الحكم الذاتي لا يعد مجازفة كبيرة, فحتى لو رفض سكان الاقليم الحكم الذاتي وطالبوا بالاستقلال فماذا ستخسر اندونيسيا من جراء ذلك, فهي تتكون من آلاف الجزر ولن يضيرها لو استقلت جزيرة أو اكثر, هذا الكلام عن المجازفة يعد جمودا فكريا.. المطلوب ان تكون هناك مرونة كبيرة في التعامل مع قضية تيمور الشرقية بحيث لو جاء الاستفتاء في غير صالح حكومة جاكرتا فيجب على النظام الاندونيسي ان يمنح الاقليم الاستقلال, دون الاخذ في الاعتبار بما تقول به المعارضة الاندونيسية التي ترى عدم منح الاقليم الاستقلال فهذه ورقة سياسية تمارس المعارضة بها ضغوطا في الانتخابات المقبلة, ويجب على النظام الحاكم في اندونيسيا ألا يهتم كثيرا بما تقوله المعارضة, فمعروف ان احد الاطراف غالبا يتشدد. وفي المقابل يبدي الطرف الثاني بعض المرونة, والنظام الاندونيسي في حالة تيمور الشرقية عليه ان يقدم بعض التنازلات لان المجتمع الدولي يرى أحقية هذا الاقليم في تقرير مصيره, ولن يتراجع عن ذلك وسوف يمارس بعض الضغوط على اندونيسيا من اجل تحقيق هذا الهدف. يتعارض مع المصالح العليا واشار الدكتور محمد السيد سعيد الى نقطة هامة تؤثر في المشكلة التيمورية وهي ان هناك البعض من سكان تيمور لايرحبون بالاستقلال التام عن اندونيسيا لان ذلك يتعارض مع مصالحهم العليا مثل الاقلية المسلمة هناك, هذه الاقلية من المؤكد انها لا ترحب على الاطلاق بالاستقلال عن اندونيسيا الدولة الام ذات الاغلبية المسلمة فهناك ارتباط وانتماء قوي بها ولانه في حالة الحصول على الاستقلال فسوف يصبح غالبية سكان اقليم تيمور الشرقية من المسيحيين ويصبح المسلمون اقلية ضئيلة, ولذلك ترى الاقلية المسلمة ان وجودها داخل الاطار العام لدولة اندونيسيا افضل لانهم بذلك يصبحون جزءا من الاغلبية المسلمة في اندونيسيا, ونوه الى انه لا توجد فوارق قومية كبيرة بين الجزر الاندونيسية ولكن الفرق الواضح بالنسبة لتيمور الشرقية هو فرق في الوضع التاريخي حيث خضعت الجزيرة للاستعمار البرتغالي لفترة طويلة عن بقية الجزر امتدت حتى عام 75. ومن وجهة نظر الدكتور محمد السيد سعيد ان الحل الامثل بالنسبة لمشكلة اقليم تيمور الشرقية هو منحهم اوسع قدر ممكن من الحكم الذاتي, ونترك لهم الامر بحيث يمارسون اعمالهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية, وبصورة تساعد بمرور الوقت على تذويب الفوارق بينهم وبين بقية الجزر وتنشأ هوية مشتركة بين سكان الاقليم وسكان الدولة الام, ومن المؤكد انه بمرور الوقت سيحدث ذلك وتذوب جزيرة تيمور الشرقية في المجتمع ككل وتقل تدريجيا الرغبة في الحصول على الاستقلال. أثرت تأثير مباشرا ويقول ايمن عبدالوهاب الخبير بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالاهرام لكي نتحدث عن التطورات الاخيرة فيما يتعلق بموضوع اقليم تيمور الشرقية لابد ان نشير اولا الى ان هناك مجموعة من العوامل قد اثرت في الفترة الاخيرة على الاوضاع الاندونيسية بشكل عام منها سقوط سوهارتو, والمشكلات الاقتصادية في حالة الفراغ السياسي التي حدثت في اعقاب سقوط سوهارتو, واخيرا البعد الدولي المتمثل في وجود علاقات ومصالح تربط اندونيسيا بالاطراف الدولية وخاصة الولايات المتحدة الامريكية وبعض دول اوروبا الغربية, هذه العوامل اثرت تأثيرا مباشرا على عدد من القضايا والمشكلات الكامنة في اندونيسيا وفي مقدمتها قضية تيمور الشرقية, وخاصة ان هذه القضية تمتزج بها الابعاد الداخلية والدولية التي اثرت على الاوضاع في اندونيسيا, فمعروف ان النظام الدولي الجديد الذي اتى بعد الحرب الباردة ضمن اجندته الدفاع عن تقرير المصير وحقوق الانسان ـ ومعروف ايضا ان تيمور الشرقية كانت احدى الاوراق الدولية التي استفادت منها الولايات المتحدة الامريكية وبعض دول اوروبا الغربية للضغط على نظام الرئيس الاندونيسي السابق سوهارتو قبل سقوطه, وبالتالي كان سقوطه مدعاة لطرح القضية او المشكلة التيمورية بشكل يضعها في دائرة الضوء. وحول رأيه فيما يقال من ان اقدام النظام الاندونيسي على اجراء استفتاء في تيمور الشرقية حول موافقة السكان هناك على اقتراح الحكم الذاتي الموسع يعتبر مجازفة يقوم بها النظام يضيف ايمن عبدالوهاب: في تقديري ان هذا الموقف وهذا الامر لا يعد مجازفة على الاطلاق لان المتابع لما يحدث في اندونيسيا في الفترة الاخيرة يلاحظ شيئين الاول ان النظام الاندونيسية يعتمد على وجود قواعد شعبية ومؤيدة له داخل اقليم تيمور الشرقية, والثاني ان النظام يحاول في المرحلة الحالية احداث نوع من الخلخلة السكانية بمعنى وضع سكان مؤيدين لفكرة الحكم الذاتي الموسع الذي ينادي به قد يبدو هذا من الناحية الظاهرية به نسبة مجازفة إلا انني اعتقد انها مجازفة ومخاطرة محسوبة من جانب نظام حبيبي, وخصوصا ان هناك قبولا بفكرة الحكم الذاتي بصلاحيات معينة, اما فكرة الاستقلال بشكل تام فهذا شيء لا يمكن تصوره بالنسبة للنظام لانه يخشى ان يمتد الى بعض الجزر الاندونيسية الاخرى وخصوصا ان اندونيسيا تعاني حاليا من حالة من عدم الاستقرار قد تشجع هذه الجزر على القيام بذلك, فما زال ينظر حتى الآن لنظام الرئيس الجديد حبيبي على انه مجرد فترة انتقالية وامتداد لمرحلة سوهارتو, وبالتالي سيظل هناك تساؤل لن يحسم إلا بعد الانتخابات الاندونيسية المقبلة حول هل سيستمر نظام حبيبي في السير على انه مجرد مرحلة انتقالية, ام ان نتيجة الانتخابات سترسخ وجوده وفي هذه الحالة سينعكس ذلك على كيفية تعامله مع المشكلات ومنها مشكلة تيمور الشرقية في حالة فوزه في الانتخابات, وخصوصا ان المؤسسة العسكرية هي التي تتولى مقاليد الامور في اندونيسيا ومعروف ان حبيبي يحظى بدعمها وهذا سوف يساعده على حسم وحل هذه المشكلة. نقطة ضعف واشار الى ان المعارضة الاندونيسية لا تزال تتعامل مع حبيبي حتى الآن على انه مجرد امتداد لسوهارتو وتنظر الى موضوع تيمور الشرقية على انه نقطة ضعف اخرى تؤخذ على حبيبي في انه لايستطيع التعامل مع القضايا الاساسية والملحة وبالتالي فإن تيمور الشرقية هي احدى اوراق الضغط التي ستمارسها المعارضة على الحكومة الاندونيسية في الانتخابات المقبلة مثلها مثل الصراع الطائفي وورقة المؤسسة العسكرية ودورها في الحياة السياسية, والصعوبات الاقتصادية المتمثلة في عدم القدرة على تجاوز المشكلة الاقتصادية, ومن هنا يمكن القول ان هناك صعوبة بالغة في القبول باستقلال الاقليم من جانب المعارضة او النظام, لان نتيجة الاستفتاء اذا جاءت في صالح الاستقلال فإن الحكومة ستكون في مأزق لانها امام استفتاء دولي, في الوقت نفسه ستكون هناك ضغوط داخلية كبيرة عليها تحول دون قبول مثل هذه النتيجة لذلك فمن المنتظر ان تشهد المرحلة المقبلة نوعا من التصعيد في ورقة تيمور الشرقية, وذلك من خلال محاولات جذب للعديد من الاطراف في الاقليم للتوافق مع فكرة اعطاء حكم ذاتي للاقليم وسوف تمارس الكثير من الضغوط في هذا الشأن.. وأوضح ان هناك بعض الاطراف الخارجية التي تهتم بمشكلة تيمور الشرقية منها البرتغال التي كانت تحتل الاقليم لفترة طويلة ومازالت هناك علاقات ثقافية تربطها بسكانه وهناك الكثير من اللاجئين التيمورين موجودين في البرتغال, واستراليا التي ترتبط ببعض المصالح الاقتصادية مع الاقليم, كما يجب الاشارة هنا الى دور الامم الامتحدة المتمثل في الاشراف على الاستفتاء الذي يراه النظام الاندونيسي مجرد استطلاع رأي, في الوقت الذي تمارس فيه الاطراف الدولية ضغوطا كبيرة على الجانب الاندونيسي لكي يكون هناك اشراف كامل وحقيقي على الاستفتاء, وهذا جعل نظام الحكم في اندونيسيا يشعر بالمأزق, لان نتيجة الاستفتاء اذا جاءت ضد فكرة الحكم الذاتي ومع الاستقلال فإن نظام حبيبي سيجد نفسه مضطرا لرفضه وهذا لا يعجب الاطراف الدولية ومن المؤكد انها ستمارس عليه ضغوطا لكي يقبل بهذه النتيجة وقد تتطور هذه الضغوط الى نوع من العقوبات ولكن هذا يتوقف على شخصية الرئيس الذي يحكم في اندونيسيا فمثلا لو استمر حبيبي في السلطة لن تمارس عليه ضغوط قوية تصل الى حد العقوبات لان الاطراف الدولية تدعم نظام حبيبي ولا تريد احداث قلاقل قد تؤدي الى حدوث فوضى في اندونيسيا لان ذلك سيعرض مصالحها في منطقة آسيا كلها للخطر.. ولذلك فالواضح انه سيتم التعامل مع ملف تيمور الشرقية من منظور البحث عن الحلول الوسط والاكثر ملاءمة لجميع الاطراف.. وهذا سيتوقف على النظام الاندونيسي في المرحلة الحالية على الوصول لصياغات وسط مع قيادات ورموز المعارضة داخل اقليم تيمور الشرقية التي تطالب بالاستقلال حتى لا تجيء نتائج الاستفتاء في غير صالح النظام الاندونيسي, واعتقد انه يمكن الوصول الى هذه الصياغات الوسط لان الكثير من الاطراف المرتبطة بهذه المشكلة حريصة على ألا تصل الامور الى نقطة اللاعودة, وبالتالي يمكن تصور قبول سكان الاقليم بحكم ذاتي ولكن بصلاحيات واسعة ترضي طموحهم. الاستقلال رغبة قديمة واستبعد ايمن عبدالوهاب ان يكون للتركيبة العرقية لسكان تيمور الشرقية دور كبير في المشكلة التيمورية فهو يرى ان التركيبة العرقية داخل الاقليم شأنها شأن التعقيد العرقي على المستوى الاندونيسي ككل, ولكنها ليست بعدا ضاغطا فالرغبة في الاستقلال هي رغبة قديمة لسكان الاقليم, والبعد الطائفي ليس بارزا في هذا الشأن.. ولكن نستطيع ان نقول ان هناك بعدا مصلحيا يساعد على ظهور المشكلة التيمورية يتمثل في وجود قطاعات سكانية داخل الاقليم ترتبط بمصالح ومستفيدة من النظام الاندونيسي وهذه لا تحبذ فكرة الاستقلال لانها مستفيدة من الوضع الحالي, في نفس الوقت هناك اطراف لا تتمتع بمثل هذه الميزة وهذه لاتمانع من حدوث الاستقلال.. بمعنى ان جزءا من المسألة هو علاقات مصالح مع المؤسسة العسكرية, اما البعد الطائفي فلا اعتقد ان له دورا كبيرا في هذه المسألة. تحقيق ـ صالح الفتياني