لم يكن جمال عبدالناصر قيادة عادية مثل كل القيادات التي عرفها العالم, لكنه أضفى على شخصيته كاريزمية لأن الجماهير في مصر والعالم العربي آمنت بأنه صادق في أحلامه حتى اذا لاحقه الفشل في تحقيق العديد من هذه الأحلام .. هذا ما استهل به الكاتب والخبير السياسي الفرنسي جون لاكوتور ندوته بالمركز الثقافي الفرنسي في القاهرة مساء أمس الأول والتي انعقدت تحت عنوان (فن كتابة السيرة الذاتية) . ويعد لاكوتور أحد أشهر كتاب السير الذاتية للزعماء والقيادات السياسية في العالم, وقام بكتابة السيرة الذاتية الخاصة للزعيم الفرنسي الراحل شارل ديجول, كما أعد مؤلفا تاريخيا هاما حول السيرة الذاتية للعالم الفرنسي شامبليون الذي يحظى بشهرة واسعة في مصر باعتباره مكتشف اللغة الهيروغليفية التي استخدمها الفراعنة في كتابة تاريخهم على جدران المعابد, كما كتب لاكوتور السيرة الذاتية للزعيم الفيتنامي هوشي منه, الى جانب قيامه باعداد عدد من الدراسات التاريخية التي تتضمن سير ذاتية لملوك وزعماء شمال افريقيا, وبصفة خاصة المغرب والجزائر. وكانت السيرة الذاتية للزعيم جمال عبدالناصر أحد أهم المؤلفات التي أصدرها الكتاب الفرنسي, وقال لاكوتور في الندوة التي شارك فيها عدد من خبراء التاريخ والسياسة المصريين في مقر المركز الثقافي الفرنسي, انه بدأ يعد لكتابة السيرة الذاتية للزعيم جمال عبدالناصر منذ التقى به عقب خطابه الشهير في مدينة الاسكندرية والذي أعلن خلاله تأميم قناة السويس شركة مساهمة مصرية, وطرد الخبراء الفرنسيين الذين كانوا يتولون ادارة حركة الملاحة في القناة, ويؤكد لاكوتور انه برغم خروج بلاده (فرنسا) من حادث العدوان الثلاثي عام 1956 بهزيمة سياسية, وعدم قدرتها على الاحتفاظ بقناة السويس, الا انه أدرك حجم القوة التي يحظى بها جمال عبدالناصر بين الجماهير في مصر, ومدى خبرته بالتوازنات الدولية التي مكنته من تأميم القناة دون ان يخسر حكمه, رغم انه كان يقف في مواجهة اثنين من أعظم دول الغرب بالاضافة الى اسرائيل. وقال لاكوتور ان القوة الحقيقية التي تمتع بها عبدالناصر جاءت من كونه هو المصري الأول الذي يحكم بلاده, منذ عهد الفراعنة تقريبا, وكان لايمانه بعدالة قضاياه أثر كبير على النفوذ الذي تمتع به في أوساط الجماهير, ورغم الكثير من الخسائر والمشكلات الاقتصادية التي واجهت المجتمع المصري, الا ان ذلك كله لم يمنع الجماهير والنخب المثقفة على اختلافاتها من دعم وتأييد سياساته الوطنية. وأضاف لاكوتور انه بدأ كتابة السيرة الذاتية فعليا بعد رحيل جمال عبدالناصر عام 1970 وعمل على استقاء جانب كبير من المعلومات حول شخصية عبدالناصر خلال لقاءاته وحواراته مع بعض الرموز التي عاصرت حكمه, وأهمها الكاتب السياسي الكبير محمد حسنين هيكل الذي يملك ثروة نادرة من الوثائق والمعلومات عن هذه الفترة التي تمتد الى ما يقرب من 18 عاما, والتقى بزكريا محيي الدين أحد ابرز أعضاء مجلس قيادة الثورة والشريك الأساسي في ادارة البلاد خلال حكم جمال عبدالناصر. وينفي الكاتب الفرنسي ان يكون المنهج الادبي قد دفعه الى التحيز ضد عبدالناصر أو معه, لكنه كان يسعى الى تسجيل الحوادث كما جرت فعلا على أرض الواقع ونقل الاستجابة الجماهيرية على الاحداث دون تدخل في الوصف الذي ينقل هذه الحالة بدقة, واضاف لاكوتور انه واجه صعوبات كثيرة عند تسجيل العديد من المحطات البارزة في حياة عبدالناصر, مثل مدى التأثير الذي حققه خطابه الشهير في جامع الازهر خلال الهجوم الفرنسي البريطاني الاسرائيلي على بلاده عام ,1956 كما ان عدم معرفته باللغة العربية حرمه من بيان مدى القوة التي تحملها بعض الخطابات الهامة لعبد الناصر أو الفرق بين الهتافات الصاخبة التي كانت ترددها الجماهير في الشوارع. القاهرة ــ مكتب البيان