لاتزال كواليس المجلس المركزي الفلسطيني الذي أقر تأجيل اعلان الدولة المستقلة تزخر بأسرار في غاية الغرابة يشير أبرزها الى اصرار الرئيس ياسر عرفات على شطب بند في بيان أعدته لجنة الصياغة قبل بدء الاجتماعات يشير الى انتهاء المرحلة الانتقالية بضغوط أمريكية , حيث رفض الاستماع لوجهة نظر أمين الرئاسة الطيب عبدالرحيم الخاصة بالتمديد للهيئات الفلسطينية وتأكيد انتهاء الانتقالية ما أدخله بمشادة مع كبير المفاوضين صائب عريقات, غير ان الأكثر غرابة كان نجاح السلطة الفلسطينية ببلورة معسكرين في حماس (حمائم) و(صقور) اعتمدت علي المعسكر الأول في اقناع مؤسس الحركة الشيخ احمد ياسين بحضور الاجتماعات دون علم الثاني فيما صدم ياسين بتجاهل عرفات له خلال هذه الاجتماعات وأساء استقباله. المعلومات التي حصلت عليها (البيان) بشأن اجتماعات المجلس المركزي تفيد بأن لجنة الصياغة أعدت تقريرا مساء يوم الاربعاء 28 ابريل 1999 لعرضه على المجلس والتصويت عليه اليوم التالي, حيث تضمن البيان النقاط التالية: تأكيد انتهاء المرحلة الانتقالية. ابقاء جلسات المجلس المركزي مفتوحة. تشكيل لجان لوضع الاجراءات الضرورية لتجسيد السيادة, اضافة الى لجنة الحوار الوطني ولجنة صياغة دستور مؤقت. عودة المجلس بكامل هيئته للانعقاد في النصف الأول من شهر يونيو المقبل لاتخاذ القرار النهائي. ياسر عرفات رئيس السلطة الفلسطينية وبعد اطلاعه على هذا البيان طلب سحبه من التداول خشية ان يتسرب الى الصحافة وطلب رفع جلسة المجلس المركزي من صباح اليوم التالي. ومورست بعد ذلك العديد من الضغوطات الامريكية المكثفة على المجلس بما في ذلك الضغوط التي مارسها محمود عباس (أبو مازن) الموجود في واشنطن, حيث طلبت منه الادارة الامريكية بشكل مباشر ألا يصدر بيان المجلس المركزي متضمنا النقطة التي تؤكد على انتهاء المرحلة الانتقالية. وبعد ذلك دعا عرفات الى اجتماع للجنة الصياغة بمشاركة صائب عريقات وزير الحكم المحلي ونبيل شعث وزير التعاون الدولي حيث دار نقاش صريح طرحت فيه الامور على حقيقتها. في هذا اللقاء قال عرفات انه لا يقبل على انتهاء المرحلة الانتقالية لأن ذلك يعني انتهاء مؤسسات الحكم الذاتي. وقال: هكذا أكون مضطرا لتقديم البديل عن هذه المؤسسات وانتخابات لهيئات الحكم والمجلس الوطني, وهذا الأمر غير جائز لأننا غير مستعدين له الآن. الطيب عبدالرحيم أمين عام السلطة وعضو لجنة الصياغة قيس عبدالكريم قالا لعرفات: انت رئيس السلطة ورئيس اللجنة التنفيذية للمنظمة وبامكانك وبموجب صلاحياتك ان تحل الموضوع بمرسوم من خلال التمديد للمجلس التشريعي الى حين وضع دستور الدولة وبناء مؤسساتها. وتدخل صائب عريقات متكلما بصراحة, حيث قال ان اعلان انتهاء المرحلة الانتقالية لا يعني فقط انتهاء المؤسسات المنبثقة عن أوسلو, بل يتناقض مع ضرورات التشاور مع الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي وبالتحديد مع الدول التي طلبت التمديد لمدة ستة أشهر مثل مصر أو تسعة أشهر مثل الاتحاد الاوروبي أو سنة مثل الولايات المتحدة. ان الدول التي أيدت اعلان الدولة وهذا لا يعني الولايات المتحدة التي تتشاور معها حول كيفية التغلب على سياسة الاستيطان. نبيل شعث تحدث بنفس المضمون ايضا وطال النقاش ودخل الطيب عبدالرحيم في مشادة مع صائب عريقات, هنا اقترح عرفات ما يلي كحل لانهاء الخلاف: يرحل النص حول انتهاء المرحلة الانتقالية الى الديباجة ولا يرد في القرارات. ينعقد المجلس المركزي في شهر يونيو وليس في النصف الأول منه, وهذا يعني عمليا تأجيل الاجتماع الى النصف الثاني من يونيو. خلال الفترة التي تفصل المجلس المركزي عن جلسته المقبلة تنجز اللجان المعنية أعمالها حول ترتيبات تجسيد السيادة والحوار الوطني واعداد الدستور بحيث تتقدم بها الى المجلس المركزي في النصف الثاني من يونيو, وبالتالي يرد قرار واحد في البيان الصادر عن المجلس المركزي وينص على ابقاء جلسات المجلس مفتوحة. أما على صعيد مشاركة الشيخ احمد ياسين في اجتماعات المجلس المركزي فقد أدت هذه المشاركة الى هزة سياسية عنيفة في صفوف حركة حماس. هذه الهزة انعكست في صورة ارتباك وتعارض اعلامي حاد بين قيادات حماس في الداخل والخارج, ولكن هذه الهزة لم تسفر عن أزمة دائمة, وذلك بفضل الجهد الذي بذله ومازال يبذله خالد مشعل رئيس المكتب السياسي للحركة الذي عاد الى عمان من ليبيا سريعا لتطويق ذيول هذه الهزة والحيلولة دون تحولها الى أزمة. عماد الفالوجي الوزير في السلطة الفلسطينية والقريب من قيادة حاس زار العاصمة الاردنية بعد اجتماعات المجلس المركزي وتحدث في جلسات خاصة مع أصدقائه عن أسرار وخلفيات وملابسات الاجراء الذي أقدمت عليه قيادة حماس في غزة بالمشاركة في اجتماعات المجلس المركزي الفلسطيني. ويكشف الفالوجي ان السلطة الفلسطينية تدخلت منذ سنتين في التركيبة القيادية الداخلية لحركة حماس في غزة حيث عمدت الى اعتقال صقور الحركة امثال عبد العزيز الرنتيسي وابراهيم المقادمة واحمد نمر , كما عمدت الى محاولة احتواء حمائم الحركة امثال محمود الزهار, اسماعيل هنية, سيد ابو مسامح. ويضيف انه وبالنظر الى صلابة الشيخ احمد ياسين وعناده وفشل السلطة في تدجينه من خلال فرض الاقامة الجبرية عليه في منزله قبل عدة شهور فقد عمدت السلطة عن طريق أمينها العام الطيب عبدالرحيم الى الاتفاق مع الثلاثي الحمائمي (الزهار وأبوشنب وهنية) حول ضرورة تطويق الشيخ ياسين وديا وعزله عن قيادة حماس بالخارج تدريجيا وإثارة النزعات القيادية الفردية في ذاته باعتباره مؤسس الحركة ورمزها وقائدها الاول والاوحد. وحين قرر عرفات دعوة المجلس المركزي لايجاد مخرج من ورطة اعلان الدولة اهتدى الطيب عبدالرحيم الى فكرة استدراج قيادة حماس في غزة لحضور اجتماعات المجلس وهو ما تحمس له عرفات. وبعد اجتماعين مطولين بين عبدالرحيم وثلاثي حماس الحمائمي في غزة قصد الثلاثي منزل الشيخ ياسين وباشر مهمة اقناعه بحضور الاجتماعات وبعد حوار مطول مع الشيخ وافق على الحضور لقاء شرطين الاول ان يتم توجيه الدعوات له ولهم بوصفهم ممثلي حركة حماس وليس بصفة شخصية والثاني مشاورة رئيس وأعضاء المكتب السياسي للحركة في الاردن. الثلاثي الحمائمي وكما يقول الفالوجي حمل البشرى الى الطيب عبدالرحيم الذي كاد لا يصدق ان الشيخ ياسين وافق على المشاركة في حل احد أصعب مآزق اوسلو وسرعان ما ابلغ عرفات سليم الزعنون بضرورة توجيه الدعوات للشيخ ياسين والزهار وهنية وأبو شنب لحضور الاجتماعات بصفة مراجعين وبوصفهم ممثلين لحركة حماس. اما بشأن مشاورة رئىس المكتب السياسي فقد كان هذا الثلاثي على علم بوجود خالد مشعل وموسى أبو مرزوق وعماد العلمي عضوي المكتب في ليبيا وليس الاردن ولذلك فقد اجرى اتصالا هاتفيا مع عمان للسؤال على مشعل وابو مرزوق بينما لم يسأل عن ابراهيم غوشة أو محمد نزال عضوي المكتب السياسي الاخرين الموجودين في العاصمة الاردنية. وقام الثلاثي بابلاغ الشيخ ياسين بان اعضاء المكتب السياسي للحركة ليسوا في عمان وان عليك يا قائد حماس ومؤسسها ان تتخذ القرار المناسب وهنا قال الشيخ حرفيا (نحضر على بركة الله) . ويقول الفالوجي ان الشيخ ياسين وعند حضوره فوجىء بل صدم بأمرين مثيرين: الاول ان عرفات اساء استقباله لدى وصوله وتجاهل حضوره لم يمنحه مجرد نظرة ودية واحدة اضافة الى ان دعوته لالقاء كلمة تأخرت كثيرا ولم تحظ بأية أولوية أو اهتمام بالاضافة الى معرفة الشيخ ياسين فيما بعد ان عرفات اصدر اوامره الى هشام مكي مدير التلفزيون الفلسطيني بتجاهل الشيخ ياسين ومنحه مساحة صغيرة جدا في التصوير. اما الامر الآخر الذي صدم به الشيخ ياسين حال عودته من الاجتماع الاول فهو تصريح ابراهيم غوشة المعترض على حضور الشيخ لاجتماعات المركزي حيث ادرك الشيخ ان غوشة في الاردن وليس خارجه كما ابلغه الحمائم وهنا بادر الشيخ ياسين الى تسجيل خطوة كبيرة الى الوراء. وأعلن ان قرار الحضور كان محليا كما قال غوشة وليس قرارا مركزيا كما قال ابو شنب كما اعلن الشيخ امتناعه عن العودة لحضور اجتماعات اليوم التالي خاصة وان صقور الحركة في الضفة الغربية وقطاع غزة ابلغوا زعيمهم الروحي بانهم فجعوا في حضوره لانهم يعارضون بشدة هذا الاجراء الذي كان يجب التشاور معهم حوله وبالذات قيادات الضفة الغربية وهم حسن يوسف, جمال سليم, عبدالخالق انتشه الذين كان احتجاجهم هو الاكثر عنفا. وفي هذا الاطار يقول الفالوجي ان محمد دحلان رئىس جهاز الامن الوقائي في غزة ابلغ قيادة السلطة بمخاوفه ومخاوف الامن الاسرائىلي من لجوء قيادة حماس في الخارج التي شعرت ان عرفات يريد سحب البساط من تحت اقدامها الى تنفيذ عمليات عسكرية وشيكة ضد اهداف اسرائىلية ردا على مناورات السلطة وخلطا لاوراق الانتخابات الاسرائيلية. واشار دحلان في تقريره لعرفات الى ان المكتب السياسي لحماس الموجود في الاردن هو القوة الفعلية والمركزية بين قيادات حماس في الداخل وفي السجون وانه ممسك بكل خيوط التنظيم في الساحتين. وكان ابراهيم غوشة ومحمد نزال عضوي المكتب السياسي لحماس قاما وفور علمهما بقرار حضور الاجتماعات باصدار بيان رافض لهذا الحضور واتصلا بخالد مشعل في ليبيا لوضعه في صورة هذا الاجراء. خالد مشعل اضطر للعودة الى عمان فورا واتصل مباشرة بالشيخ ياسين لتطويق الهزة سريعا قبل ان تستفحل وتتحول الى ازمة تهدد وحدة الحركة وبرنامجها. عمان ــ خليل خرمة