تعود الازمة السياسية في الهند في احد جوانبها الى حالة الفراغ السياسي الذي احدثه غياب الكاريزما المرتبطة بتاريخ البلاد في ادق واصعب المواقف , فغياب صورة هذا القائد الزعيم او حتى امتداده الذي اعتادته دولة يقترب عدد سكانها من المليار نسمة احدث فراغا واسعا اثبتت التجربة العملية خلال السنوات التي اعقبت وفاة جواهر لال نهرو وابنته انديرا غاندي وحتى راجيف غاندي الحفيد ــ ابن اندير غاندي خلف حالة من النكوص عن الالتفاف حول القضايا الكبرى التي كرسها المهاتما غاندي الزعيم التاريخي الذي قاد حركة المقاومة السلمية لاستقلال الهند بما تنطوي من قيم وخصوصيات تنبذ صورة الصراع والعنف, وحتى عن مبدأ العلمانية الذي ارساه حزب المؤتمر خلال ما يزيد عن نصف قرن من الحكم المتواصل للبلاد والذي لم تقطعه غير فترات محدودة من السبعينات واوائل الثمانينات. غابت القضايا القومية الكبرى اذن, وفي غيبة هذه النوعية المرتبطة باسماء اشخاص قد رحلوا تصعد قضايا اخرى بديلة على النقيض منها في مجتمع مؤهل لقبولها لاسيما وان تركيبته العرقية واللغوية والدينية الشديدة التعقيد والتنوع تسمح بظهور تيارات طائفية او قومية, كامنة وتعدت حالات الحوادث الفردية المتناثرة الى شكل الظاهرة بل الى تيارات وقوى سياسية متطرفة قوميا او دينيا تطرح نفسها كبديل سياسي للقيادة ولادارة دفة الحكم وجدت طريقها وبالتدريج معبدا في ظل انتكاسة حزب المؤتمر وقيادته الكارزمية التي جسدت اهم الحلقات التاريخية للبلاد في اصعب مراحلها. وامام ضعف القيادات (العجوزة) لحزب المؤتمر الذي مني بانتكاسة وهزيمة غير مسبوقة في انتخابات ابريل عام 1996 جاء الصعود التدريجي للتيار القومي الهندوسي المتطرف ممثلا في حزب بهارتيا جناتا الذي حقق اغلبية نسبية في هذه الانتخابات مكنته من تشكيل حكومة ائتلافية قصيرة العمر. فطن حزب المؤتمر الى ازمته وتراجع شعبيته التي بدت واضحة في الانتخابات العامة التي جرت في فبراير عام 1998 وقد رأى المؤتمر ان تدني شعبيته تعود الى غياب الزعامة الكارزمية فحاول ان يتلمسها في شخص ارملة راجيف غاندي الايطالية ــ سونيا غاندي ــ عله يبعث اسم العائلة من جديد. وامام الحاح قيادات الحزب خرجت سونيا او ابو الهول الهندي حسبما اطلقوا عليها عن صمتها الطويل الذي ساهم في حماية اسم العائلة الى الناخب الهندي محاولة كسب صوته, عمدت سونيا الى تقمص شخصية حماتها ــ انديرا غاندي في الخسية والابتسامة, وركزت في خطابها السياسي على التضحيات التي قدمتها عائلة غاندي للهند ممثلة في اغتيال زوجها راجيف وحماتها انديرا عام 1984. واستشعارا منها بالخطر الذي يمثل خصمها الرئيسي في التنافس على اصوات الناخبين استمرت سونيا في التحذير من وصول حزب بهارتيا جناتا الى الحكم مؤكدة ان هذا يمثل اكبر تهديد لاهم انجاز حققه غاندي ونهرو وهو الصيغة العلمانية في الحكم والتي تذيب النعرات الطائفية المختلفة. وامام التحرك الايجابي في شعبية المؤتمر بدأ بهارتيا جناتا يشن حملة على سونيا ولم يجد امامه وسيلة غير تذكير الناخبين بأن سونيا اجنبية وليست هندية وان لبست الساري باتقان وتكلمت لغة اهل الهند بطلاقة. وتعدت محاولات اخماد صوت سونيا التذكير بكونها اجنبية والدعوة للوقوف في وجهها وسد الطريق امامها لتكون رئيسة للوزراء الى المطالبة بتعديل الدستور لمنعها من الوصول الى هذا المنصب. تتجاهل سونيا غاندي الرد على منتقديها وتعمد الى احياء صورة المؤتمر بقدر ما تستطيع لذلك لم تقف امام محاولات الصاق تهم الفساد للعائلة وتلقي عملات في صفقات اسلحة, ويبدو ان اسلوبها في التعامل مع منتقديها بالتجاهل قد حجم هذه الاتهامات في حينها ولم يجعل منها اتهاما عاما يلطخ اسم العائلة وشخص زوجها الراحل الذي عرف في الاوساط الغربية بالسيد النظيف (مستر كلين) حيث لم تعرف عنه اية وقائع فساد خلال فترة رئاسته للوزارة. ومع سقوط الحكومة التي شكلها حزب بهارتيا جناتا الهندوسي مؤخرا طرح اسم سونيا من جديد, ولكن يبدو ان خسارة المؤتمر في انتخابات عام 1998 ــ واستشعاره بأن اصل سونيا غاندي الايطالي والتي لجأ الحزب اليها سيحول هذه المرة دون فوزه في الانتخابات او اعادة الحزب الى شيء من المكانة التي احتلها في نفوس الناخبين من قبل, واذا كانت سونيا قد اسهمت في تحريك شعبية الحزب نسبيا الا ان هذا ليس مضمونا على طول الخط, ومن المتوقع ان يبالغ القوميون الهندوس في اعادة هذا السلاح مرة اخرى في صدر المؤتمر ومن ثم اتجاه المؤتمر نحو اعادة بعث اسم العائلة التي ارتبطت به الى شخصية اخرى هندية هذه المرة وليست اجنبية لتلافي اية انتقادات بآثار عكسية. واستعدادا للحملة الانتخابية الجديدة هذا العام بدت مقدماتها تؤكد ان اصل سونيا غاندي سيكون محور الدعاية المضادة لحزب بهارتيا جناتا الذي يطرح نفسه كحزب قومي ومدافع عن النظافة الهندوسية المحلية ومن غير المقبول في نظره ان تأتي ايطالية حصلت على الجنسية الهندية في الثمانينات لتحكم البلاد بل تجاوز حزب بهارتيا جناتا ذلك الى الدعوة بأن البلاد لم تعد في حاجة الى سلالة لتحكمها فالبلاد في نظره اكبر من اية سلالة بل هي في حاجة الى برنامج وخطط للدخول الى القرن الحادي والعشرين. لكن قيادة المؤتمر لاتزال اسيرة فكرة الكاريزما وما بقي منه لذلك يرى خبراء في الحزب ان بريانكا غاندي ابنة سونيا من راجيف مؤهلة لان تكون فرس رهان انتخابي في الحملة المقبلة وسلاحا قويا في وجه المنافسين فهي مولودة في الهند ولايستطيع احد ان يطعن في جنسيتها ومتزوجة من احد كبار رجال الاعمال الهنود وصاحبة نشاط اجتماعي واسع, ولها خبرة انتخابية سابقة حيث شاركت في حملة امها الانتخابية العام الماضي والتي جابت خلالها مختلف الولايات الهندية. ويرى خبراء المؤتمر ان بريانكا افضل من شقيقها راهول ومن ثم استبعده من حساباته لعزوفة عن العمل السياسي حيث تلقى تعليمه في الخارج ويرى ان عالم الاقتصاد والاعمال افضل من عالم السياسة. ويراهن المؤتمر في حملته المقبلة على اصوات النساء في الهند اللائي تزايدت معدلات مشاركتهن في الانتخابات بصورة ملحوظة, ويعتقد ان بريانكا مؤهلة لكسب اصوات المرأة الهندية الساعية للعب دور اكبر على الساحة السياسية وتمرير مشروع القانون المعطل امام البرلمان الهندي بتخصيص ثلث المقاعد البرلمانية للمرأة.