ربما كانت صورة التسامح الديني والعرقي في الهند هي الاقرب الى اذهان الكثيرين منا رغم المجازر التي تعرض لها المسلمون تحديدا في بدايات هذا القرن على يد المتطرفين الهندوس وما نجم عن ذلك من سقوط اكثر من مليون مسلم قتيلا خلافا للدمار الاقتصادي الذي لحق بهم ليقود ذلك في النهاية الى قيام دولة باكستان عام 1947. ربما كانت هذه الصورة من التسامح عن الهند مرتبطة في الاساس بقادة الهند التاريخيين من امثال المهاتما غاندي وجواهر لال نهرو هذا الاخير الذي ارتبط اسمه بمنظمة عدم الانحياز ومواقفه المؤيدة للقضايا العربية كذلك سياساته الداخلية التي ارتكزت الى العلمانية في مجتمع شديد التنوع عرقيا ودينيا وهو ما اكسبه, اي نهرو وكذلك حزبه (المؤتمر الوطني) شعبية جارفة حتى بعد وفاته لفترة من الوقت ليست بالقصيرة. لكن هذه الصورة ما لبثت ان تغيرت في العقد الاخير من هذا القرن مع بروز قوى يمينية متطرفة تتبنى نهجا مغايرا لقادة الهند التاريخيين ومغايرا ايضا للاساس العلماني الذي اعتمده الدستور الهندي للحفاظ على وحدة البلاد, وقد ارتبط ذلك في الاساس بحزب بهارتيا جناتا الهندوسي والميليشيات المتطرفة التي ارتبطت به وساهمت في الاساس بهدم مسجد بابرى عام 92 وماتلا ذلك من مجازر للمسلمين في بومباي واوتر برادش وغيرها من المدن والولايات الهندية الاخرى ورفع الحزب شعارات استفزازية لمختلف الاقليات الهندية من سيخ ومسيحيين ومسلمين وغيرهم. تأسيس الحزب اذا كان عام 1980 هو البداية الرسمية لاعلان تأسيس الحزب الا انه كان متواجدا على الساحة الهندية منذ فترة مبكرة من خلال ميليشيات هندوسية متطرفة وخاصة ما يعرف بمنظمة أر إس التي يرى بعض انصارها ان المسلمين غزاة احتلوا بلادهم ودمروا معابدهم وحولوا الملايين من اخوانهم الهندوس قهرا الى الاسلام ومن ثم يجب ان تجند كل الامكانات لاعادة المسلمين الهنود الى الهندوسية او التخلص منهم بالقائهم في البحر او ارسالهم الى باكستان, ودعا هذا التنظيم المتطرف الى هدم الالاف من مساجد المسلمين بدعو انها تأسست على معابد الهندوس. هذه الافكار الشاذة ما لبثت ان تحولت الى برامج سياسية لحزب بهارتيا جناتا الذي رأسه ولايزال لال ادفاني وزير الداخلية في حكومة حزب بهارتيا التي حلت قبل ايام. روج ادفاني ورفاقه من قادة الحزب لهذه الافكار وسط المجتمع الهندي الذي يعاني القطاع الاكبر منه الامية والجهل والتخلف ويفلح ادفاني في استقطاب مئات الالاف من الانصار ويقودهم في مسيرة بلغت عدة آلاف من الكيلومترات لهدم مسجد بابري في شمال البلاد بدعوى بنائه على احد المعابد الهندوسية المقدسة. يصل ادفاني على رأس 300 ألف هندوسي متطرف وعلى مرأى ومسمع من العالم صباح السادس من ديسمبر 92 الى مدينة ايوديا حيث يوجد مسجد بابري التاريخي الذي بناه احد السلاطين المسلمين الذين حكموا الهند قرابة الف عام وفي لحظة واحدة يتسلق المتطرفون الهندوس مسجد بابرى بفؤوسهم ليحولوا المسجد الى كومة من الرماد معتبرين ذلك انتصارا مجيدا لآلهتم الهندوسية التي اهانها المسلمون الغزاة دونما استناد الى اي دليل او مسوغ قانوني او تاريخي يسوق هذا الفكر الضال اللهم الا الرغبة الشاذة في ازالة كل ما له اثر مرتبط بالحضارة الاسلامية في جنوب اسيا. انقسام المجتمع الهندي على نفسه كان حادث تدمير مسجد بابري بداية مرحلة جديدة خطيرة اصل لها اليمينيون المتطرفون الهندوس في الهند, بعد ان لاقت افكار الحزب التي تدعوا الى استعادة الهند لهويتها التاريخية والتخلص من كل ما يمت بصلة للمستعمر الاسلامي وبقاياه لاقت قبولا حتى بين شريحة كبيرة من المثقفين الهنود الذي فقدوا الثقة في حزب المؤتمر الذي اصيب بالترهل السياسي والفساد الاقتصادي وبات غير قادر على تطوير نفسه, ومن ثم كانت نتائج الانتخابات منذ عام 91 تسير في اتجاه تصاعدي لصالح حزب بهارتيا على حساب حزب المؤتمر الوطني الى ان جاء برتيبة في المرحلة الثانية خلال الانتخابات البرلمانية الاخيرة ليقفز حزب بهارتيا الى رأس القائمة العام الماضي ويفلح في تشكيل حكومة بالتحالف مع بعض الاحزاب الصغيرة. اداء حكومة حزب بهارتيا جناتا اعتمدت حكومة حزب بهارتيا جناتا سياسة اقرب ما تكون بالصدمات الكهرومغناطيسية التي هيأت لها شعبية كبيرة في بداية حكمها التي استهلته بانها لن تتخذ مواقف دفاعية من الان فصاعدا ازاء ما يجرى في كشمير وان الخيار الانسب لوقف العنف هناك هو نقل المعركة خارج الاراضي الهندية اي في باكستان وقد حدث شيء من هذا ولكن في اطار من المناوشات المحدودة التي ردت عليها باكستان بالمثل. الخطوة التالية لذلك والتي ارجأتها لاحقا كانت العودة الى تطبيق ما تسميه بعقيدة الهندوتوفا اي تجريد المجتمع الهندي من كل ماليس له صلة بالهندوسية ويعني ذلك في الاساس الغاء القوانين الشخصية للاقليات الدينية الاخرى من مسلمين وهندوس ومسيحيين وطمس ثقافاتهم الخاصة بهم على اعتبار ان مثل هذه الثقافات شكلت ولاتزال مصدر خطر على الثقافة الهندوسية لكن هذه السياسة لاقت معارضة واسعة من مختلف الشرائح الهندية بما في ذلك الهندوس انفسهم الذين رأوا في مثل هذه السياسة خطرا على النسيج الاجتماعي للهند لكن التخلي عنها اليوم لا يعني بالضرورة محوها من عقلية قيادات ذلك الحزب التي ترى في الهندوتوفا اساسا لنهضة الهندوس وتقدمهم. كانت المرحلة التالية لذلك هامة للغاية وتمثلت في التجارب النووية التي نفذتها الحكومة ضمن ما تراه جزءا من المجد الهندوسي الذي لا يقل عن الصينيين او الغربيين. مثل هذه السياسة كانت جزءا من رؤية اشمل للحزب تقتضي توسيع القدرات العسكرية الهندية وتطويرها بما يضع الهند في مصاف الدول الكبرى في العالم وهو ما لاقى هوا كبيرا في الشارع الهندي الذي تفاعل مع هذا التوجه وايده بشدة لكن الازمة الاقتصادية التي اخذت تتفاقم بعد ذلك اثرت سلبا على شعبية الحزب الذي فاجأتة احزاب الاقلية المتحالفة معه بالانفصال عنه ليخرج من موكب السلطة ويتهيأ لانتخابات جيدة قد تعيده مرة الى الحكم وعندها لاندري هل سيتراجع عن برامجه المتشددة مثل قوى راديكالية اخرى في العالم ام انه سيكون اكثر تشددا؟ دعنا ننتظر.