كان الزعيم الهندي الراحل جواهر لال نهرو يردد دائما انه لديه في الهند 600 مليون مشكلة (أي بعدد سكانها حينذاك) ولكنها كلها مشاكل قابلة للحل طالما كل الهنود متمسكون بالديمقراطية. ولقد ارتفع عدد سكان الهند اليوم الى ما يقرب من الف مليون نسمة . ولازالت الهند تعتبر اكبر البلدان الديمقراطية في العالم, ولا يوجد ما يشير الى ان الهنود مستعدون للتخلي عن الديمقراطية.. حيث لا يتصور احد امكانية وقوع انقلاب عسكري في نيودلهي ـ مثلا ـ تنتقل معه السلطة الى العسكر وتلغى به الحياة النيابية والاحزاب السياسية وتداول الحكم.. الى آخر الصور التي عاشتها الهند منذ حصولها على الاستقلال. ولكن هذا لا يعني ان ديمقراطية الهند الآن تعاني من ازمة غير هينة فقد سقطت الحكومة التي يقودها حزب الشعب (بهاراتيا جاناتا) بأغلبية صوت واحد وفشل حزب المؤتمر بقيادة سونيا غاندي ارملة راجيف غاندي في تشكيل حكومة ائتلافية تحظى بثقة البرلمان, فلم يكن هناك من بديل سوى الدعوة الى انتخابات جديدة. ومن المستبعد جدا ان تسفر الانتخابات المقبلة عن فوز حزب المؤتمر, او منافسه الاساسي حزب الشعب بأغلبية مطلقة تؤهله لتشكيل الحكومة ومن ثم فلن يكون هناك بديل سوى سعي الحزب الفائز بأغلبية نسبية الى التآلف مع بعض احزاب الاقلية ليضمن الاغلبية المطلوبة للبقاء في الحكم. اي ـ باختصار ـ العودة الى نفس النقطة التي كان عليها الوضع عند حل البرلمان والدعوة الى الانتخابات. ولو كانت الديمقراطية سليمة مائة في المائة بحيث تسفر نتيجة الانتخابات عن التوجهات الحقيقية للناخبين لكان من الطبيعي ان يفوز حزب المؤتمر حزب غاندي ونهرو على الاغلبية الساحقة, ليس فقط بسبب تاريخه الذي ارتبط بالنضال العظيم من اجل الاستقلال, ولكن ايضا بسبب برنامجه التقليدي الذي يترجم انحيازا واضحا لجمهور الفقراء.. وهم السواد الاعظم للناخبين في المدن والقرى على حد سواء. ولكن الذي حدث هو ان خطط التنمية في الهند على مدى خمسين عاما منذ الاستقلال اسفرت عن نشأة ونمو طبقة متوسطة قوية قوامها ما بين 200 و250 مليون نسمة, يتطلعون دائما الى (فوق) ولا يرحبون بأية تضحيات من اجل الطبقات الادنى سواء على شكل خدمات او تعديلات في الاجور والمعاشات. وفي مقابل هؤلاء يوجد اكثر من 270 مليون هندي تحت خط الفقر. وفيما بين اولئك وهؤلاء توجد الاغلبية الساحقة من الذين يسهل التأثير على صوتهم الانتخابي بالمال او بالتخويف والارهاب على حد سواء. ايا كان الامر فإن نتيجة الانتخابات لن تؤثر على السباق النووي الصاروخي مع باكستان. فالواقع ان الهند لا تعتبر نفسها في سباق نووي مع باكستان بقدر ما هي تنظر الى الصين, ولقد كانت نيودلهي دائما تتوجس من بكين وتعتبرها الخطر الاساسي الذي يتهددها من الشمال. وفي الثلث الاول من الستينات نشبت بين الدولتين حرب حدودية, ومع ان الاتحاد السوفييتي حينذاك تدخل لانهاء النزاع ونجح فعلا في تسوية مؤقتة عبر عنها بما يسمى اعلان طشقند في ذلك الحين إلا ان الهند ظلت تعتبر هذه التسوية مجحفة بحقوقها المشروعة ولم ترض عنها ابدا. من ناحية اخرى فإن بكين كانت دائما تتهم الهند بالتدخل في شؤونها الداخلية ومساندتها للدالاي لاما والحركة الانفصالية للتبت, فضلا عن ان الصين تعتبر ان كل تقارب بين نيودلهي وموسكو انما هو على حسابها وبقصد محاصرتها. الواقع ان الهند بدأت برنامجها النووي منذ الاربعينات وهي في ظل الاستعمار البريطاني حيث بدأت في بناء سلسلة من المفاعلات الذرية بمساعدات امريكية وكندية وفي سنة 1956 انتجت اولى هذه المفاعلات واعلنت رئيسة الوزراء انديرا غاندي انها لن تستخدم الطاقة النووية إلا للاهداف السلمية. وقادت الهند حملة عالمية من اجل حظر الاسلحة النووية ووضع برنامج زمني لازالة الترسانات النووية لدى الدول الكبرى ولكن هذه الحملة لم تكلل بالنجاح الامر الذي دفع الهند الى عدم التوقيع على المعاهدة الدولية لحظر انتشار الاسلحة النووية من ناحية واستكمال برنامجها الخاص للتسلح النووي. ووجهة نظر الهند في هذا الشأن هو ان الخلل في التوازن النووي, اي وجود سلاح نووي لدى طرف واحد من طرفي اي مشكلة دون الطرف الآخر, هو الذي يشكل تهديدا للسلام العالمي, اما وجود السلاح النووي لدى الطرفين المتخاصمين او المتعارضين فإنه يشكل ضمانا للسلام على اساس توازن الرعب النووي. وعلى هذا الاساس فإن وجود السلاح النووي لدى اسرائيل دون ان يكون له مقابل لدى العرب يشكل تهديدا خطيرا لسلام المنطقة بل لسلام العالم كله, بينما وجود السلاح النووي لدى الهند وباكستان معا يضمن حدا ادنى من السلام وممكن ان يفتح الباب لتسويات سلمية للمشاكل المتراكمة بين البلدين. اما لماذا عجلت الهند تفجيرها النووي الاخير فإن ذلك يرجع الى المعاهدة الدولية لحظر التجارب النووية التي سوف تدخل دور التطبيق اعتبارا من شهر سبتمبر المقبل وهي معاهدة ملزمة لكل دول العالم ابتداء من ذلك التاريخ سواء وقع عليه ام لم يوقع وإلا تعرضت الدولة المعنية لعقوبات دولية من جانب كل الدول الاعضاء في الامم المتحدة. بالاضافة الى ذلك يحتج الزعماء الهنود بأن بلادهم بالذات لم يحدث ابدا ان بدأت حربا مع احد وانما كل الحروب التي خاضتها الهند كانت ردا على عدوان وقع على اراضيها من الغير وقد خاضت الهند اربع حروب من استقلالها واحدة منها مع الصين والتي انتهت باعلان طشقند وقد خسرت فيه الهند بمقتضاه مساحة من اراضيها ضمت الى الصين, كما خاضت ثلاث حروب ضد باكستان في سنوات 1947 (الحرب الانفصالية) ثم 1965 ثم في عام 1971, ومع ذلك فإن ميزانية الانفاق العسكري في الهند لا تزيد على 5,2% من اجمالي ناتجها القومي بينما هي في الصين 5,7% وفي باكستان 7%. ان المشكلة الاساسية التي تهدد بانفجار الموقف بين الهند وباكستان هي مشكلة كشمير والاصل في هذه المشكلة ان كشمير ولاية اغلبية سكانها مسلمون ولكنها عند التقسيم ادرجت ضمن الولايات الهندية, وقد استطاعت باكستان في البداية الحاق جزء من كشمير لاراضيها, الامر الذي تعتبره الهند امرا غير شرعي وتطالب باكستان برده بينما تطالب باكستان بباقي الولاية كلها كجزء من مكونات دولة باكستان الاسلامية. والذي لا نزاع فيه ان التوازن النووي بين البلدين يتيح لهما الآن الجلوس الى مائدة المفاوضات في جو من الثقة وعدم الخوف من محاولة احد الطرفين ابتزاز الطرف الآخر. غير ان مشكلة كشمير ليست هي السبب الوحيد للعداء بين دولتي شبه القارة الهندية وقد يقول كثيرون ان الاستعمار البريطاني, الذي دام قرنين ونصف قرن في شبه القارة الهندية, هو الذي دبر وغذى الصراعات الدينية بين الهندوس والمسلمين وسواء كان هذا القول صحيحا او غير صحيح فإن الذي لا نزاع فيه ان هناك جذورا قوية وعميقة للعنف الطائفي بين المسلمين والهندوس بشكل عام بحيث يمكن تفجيره في اية لحظة ليس فقط على مستوى الحكومتين ولكن ايضا في داخل الهند ذاتها حيث لازال يوجد هناك 160 مليون مسلم يعيشون في ارجائها وهو رقم يزيد على تعداد سجل دولة باكستان ذاتها, ولا يكاد يمر اسبوع دون وقوع مصادمات طائفية في الهند ولكن ينبغي ان يكون مفهوما ان وراء هذه المصادمات الطائفية في ظاهرها صراعات طبقية في الاساس ترجع الى التفاوت الواسع جدا بين الذين يملكون والذين لا يملكون, وحالة السخط المهددة بالانفجار لدى معظم ابناء الشعب الهندي هندوسا او مسلمين على حد سواء. فمن ناحية اخرى فإن كلا الطرفين ليسا مستعدين بالمرة لتناسي المأساة الرهيبة التي صاحبت عملية انفصال باكستان عن الهند سنة 1947 ـ 1948 والتي كانت اشبه بعملية جراحية شديدة القسوة راح ضحيتها اكثر من مليون نسمة من الطرفين وشرد اكثر من عشرة ملايين مازالت سلالتهم مشردة حتى اليوم, ويحتج القادة الهنود بأن انفصال كشمير ـ لو حدث سيكون سببا في تجديد هذه المآسي. وللعلم فإن للامم المتحدة قرارا قديما لتسوية مشكلة كشمير عن طريق اجراء استفتاء عام ولكن الهند رغم اعلانها اكثر من مرة عن استعدادها للجلوس الى مائدة المفاوضات لحل مشكلة كشمير وغيرها من المشاكل المعقلة بين البلدين إلا انها تصمم على ان يكون ذلك بدون شروط مسبقة وهي تعتبر قرار الامم المتحدة المشار اليه مسبقا غير ذي موضوع. خلاصة القول ان استحواذ دولتين من دول العالم الثالث هما الهند وباكستان على السلاح النووي يمكن ان ينطوي على نقطة ايجابية واحدة هي كسر احتكار الدول الكبرى واسرائيل لسلاح الدمار الشامل, غير ان هذا له جوانبه السلبية التي لا يمكن انكارها, فالعالم لن يكون اكثر امنا مع زيادة مراكز الرعب النووي وما من شك في ان ضرورات التنمية ورفع مستوى المعيشة في كل من الهند وباكستان اكثر احتياجا لما ينفق على السباق النووي الصاروخي. ومع ذلك فإن الفرصة سانحة لتشديد الحملة العالمية من اجل ازالة اسلحة الدمار الشامل من العالم كله حيث ان البديل الوحيد هو مزيد من سباقات تسلح ومزيد من ترنح العالم على حافة الفناء.