ربما كان الاهتمام الباكستاني الراهن ازاء حالة اللااستقرار في الهند هذه الايام والمتمثلة في السيناريو المتكرر لحل البرلمان وانهيار الحكومة المركزية, ربما كان ذلك اكثر مدعاة لخيبة الامل في اسلام اباد هذه المرة (وهي مفارقة غريبة بالفعل) فعلى عكس ما هو مفترض قياسا على طبيعة العلاقة التاريخية المأزومة بين البلدين والمحكومة بالسلاح النووي والصواريخ البالستية بأطوالها المختلفة, كان يتوقع ان تهلل اسلام اباد لما يجرى في الهند كما اعتدنا ان نرى سابقا والشيء نفسه ينطبق على نيودلهي في تعاملها مع حالات مماثلة في باكستان, لكن السلوك السياسي لاسلام اباد بدا مختلفا هذه المرة على الاقل, والسؤال هنا عن الدواعي السياسية التي دعت اسلام اباد من تغيير نهجها التقليدي في التعامل مع الهند خاصة اذا ما اخذنا في الاعتبار مرة اخرى وفضلا عما سبق ذكره نمطية النظام الحاكم في نيودلهي (حتى قبل ايام قلائل) والذي شكل حزب بهارتيا جناتا الهندوسي المتطرف العمود الفقري لذلك النظام الذي لايزال بعض انصاره يطالبون باستعادة باكستان الى الوطن الام الهند.. وقبل ان نبحث عن مبررات الموقف الباكستاني الراهن ازاء ما يجرى في الهند حاليا ينبغي العودة قليلا الى الوراء وتحديدا الانتخابات البرلمانية التي جرت في الهند العام الماضي. شعارات استفزازية عدد من الشعارات التي رفعها حزب بهارتيا جناتا الهندوسي الذي يتزعمه فاجبايي خلال الحملة الانتخابية الاخيرة كانت تدعو الى استعادة الجزء الكشميري الذي يخضع للسيطرة الباكستانية واجراء تفجيرات نووية جديدة وتجارب على صواريخ اكثر مدى كأجنى الذي يبلغ مداه 2500كم. هذه الشعارات هيجت حكومة نواز شريف التي سارعت الى الكشف عن قدراتها الصاروخية باجراء تجارب ناجحة على صاروخ غوري الذي يبلغ مداه 1500كم ويستطيع حمل طن من الرؤوس النووية وهو ما اعتبر في ذلك الوقت رسالة لحكومة فاجبايي الذي جاء ببرنامج انتخابي اعتبرته باكستان استفزازيا, وهنا تصاعد وتيرة التوتر بين اسلام اباد ودلهي بصورة مخيفة بلغت ذروتها في مايو من العام الماضي عندما اقدمت حكومة حزب بهارتيا الهندوسي الحاكم (وكما تعهدت في حملتها الانتخابية) على اجراء خمس تجارب نووية احدها هيدروجيني كما تردد, الامر الذي احدث خللا هائلا في ميزان القوى العسكري لصالح الهند على حساب جارتها باكستان التي تنازعها العداء حول اقليم كشمير منذ 50 عاما, هذا التطور العسكري غير التقليدي الذي حققته الهند جعلها تغير من لهجة خطابها السياسي والاعلامي نحو باكستان مهددة اياها بعواقب وخيمة ما لم تكف عن التدخل في كشمير ويأخذ هذا التهديد في جانب منه خطوات عملية عندما تتعرض القرى الكشميرية في الجانب الباكستاني للقصف الصاروخي اليومي المركز. القنبلة النووية الباكستانية تراكم العداء التقليدي الذي يختلج في صدور الباكستانيين نحو الهند بحكم ما بينهم من عداء كان دائم الحضور في مختلف مرافق الحياة في باكستان كل يعبر عنه على طريقته. هيئة الطاقة النووية كانت تعمل في صمت منذ سنوات طويلة مكنتها من تحقيق تقدم كبير في مجال التكنولوجيا النووية ولم يبقى لها الا التعبير عن ذلك عمليا. القيادة السياسية كانت تبحث عن دور بطولي يكرس لها موقعا سياسيا متميزا امام شعبها الذي شعر بالاهانة امام التحدي الهندي الجديد ومن ثم تتقاطع كل الاسباب التي تدفع باتجاه التجارب النووية الباكستانية التي جرت في نفس الشهر الذي جرت فيه التجارب النووية الهندية, والغريب في الامر ان باكستان تعمدت اجراء 6 تفجيرات نووية في ذلك الوقت في اشارة الى التجربة النووية التي اجرتها الهند عام 74 اضافة الى التجارب النووية الخمسة الاخيرة, وكأن باكستان لا تكتفي بتحقيق عنصر الردع فحسب بل والتأكيد على انها قادرة على اجراء اي عدد من التجارب النووية تماما مثل الهند. نتائج الرادع النووي الباكستاني كان من الطبيعي ان تتغير لهجة الخطاب السياسي للقيادة الهندية بعد التفجير النووي الباكستاني ليأخذ نهجا اكثر برجماتية يتواءم والمتغير الجديد الذي افرزه الموقف الباكستاني النووي, اذ ان اي سلوك اخر مغاير لذلك من شأنه ان يحول المنطقة الى جحيم مستعر, ويجر دولا اخرى مجاورة للعبة الصراع في جنوب اسيا التي يسكنها اكثر من مليار من البشر ومن ثم تتواصل عملية سباق التسلح بكلفته الباهظة على حساب عملية التنمية التي تعد من الاهمية بمكان نظرا لتدني المستوى المعيشي لشعوب هذه المنطقة التي تعد الافقر في العالم من هنا يعلو صوت المنطق والعقل على حساب التشدد والتطرف الذي عرف عن حزب بهارتيا جناتا الهندوسي. هنا ايضا يبرز القلق الدولي ازاء الواقع المتفجر في جنوب اسيا ليترجم هذا القلق الى ضغوط على الهند وباكستان للبحث عن خيارات بديلة لحسم خلافاتها ومن ثم نرى في الافق الاسيوي اطيافا اخرى اكثر تفاؤلا بالحل السلمي للخلافات المزمنة بين البلدين. دبلوماسية الباصات كانت ابرز مظاهر توتير العلاقات بين الهند وباكستان والتي كانت تظهر بين الحين والاخر ولا ندري هل تعود ام لا حرب الدبلوماسيين اذ كان لايمر شهر او شهرين الا ونفاجأ بطرد الهند لدبلوماسي باكستاني او ملاحقته بالضرب بدعوى التجسس فترد باكستان بالمثل وفي نفس اليوم احيانا. اليوم الصورة اختلفت لحد كبير ففي عهد حكومة حزب بهارتيا الهندوسي المتشدد عرف ما يسمى بدبلوماسية الباصات كأحد صور بناء الثقة بين البلدين فقد جرى ولاول مرة تسيير باصات تربط العاصمة نيودلهي بمدينة لاهور القريبة من الحدود الهندية وقد استهل رئيس الحكومة الهندية اتال بهاري فاجبايي باصا من الهند وتوجه به الى مدينة لاهور ليعقد قمة تاريخية مع رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف اعتبرت مقدمة لعمل سياسي اوسع يستهدف تناول المسائل المتنازع عليها بواقعية وجرأة تتواءم مع المستجدات التي شهدتها المنطقة ومما يكتنف العالم اليوم من تطورات. حوارات البرلمانيين الهنود والباكستانيين كان من المستحيل قبل عام مضى ان يفترض احد مجرد افتراض ان وفدا برلمانيا هنديا يضم اكثر من 50 عضوا يزور العاصمة الباكستانية اسلام اباد ويلتقي بنظرائه من الباكستانيين في مناخ سياسي مفتوح يناقش فيه الجانبان اعقد المسائل بين الدولتين وفي مقدمتها النزاع الكشميري وهي خطوة اعتبرت مقدمة للقاءات مماثلة قد تكون احد الوسائط المساعدة في البحث عن حلول عملية للنزاعات العديدة بين البلدين. القوة صمام أمان السلام مثلما اسهم الرادع النووي الذي حققته باكستان بما كان له من اثر حاسم على الموقف الهندي وخاصة ذلك المتمثل في التحول الكبير في مواقف حزب بهارتيا جناتا الهندوسي الذي حكم البلاد حتى قبل ايام خلت, فان اقدام الهند على اجراء تجارب جديدة على صاروخ اجني الذي يبلغ مداة 2500كم ربما بهدف تعزيز حزب بهارتيا جناتا لشعبيته الاخذة في التراجع بسبب الازمة الاقتصادية, هذا الاجراء كانت اسلام اباد مستعدة له باجرائها تجارب جديدة على نموذج اخر من صواريخ متوسطة المدى والمعروف بشاهين والاخر المعروف بغوري 2 ومداه 2200 كم. هذا السلوك الباكستاني جاء ضمن منطق السياسة الباكستانية الذي يرى ان السلام خيار استراتيجي لكن تحقيقة مرهون بقوة مكافئة لحمايته. وهذا في تقديري المسار الواقعي الذي يجبر الاخر دائما حتى لو كان حزب بهارتيا جناتا للاذعان لحقوق الاخرين وهو درس نحن العرب اجدر ما نكون في حاجة اليه في تعاملنا مع النظام الاسرائيلي. قلق باكستاني على انهيار حكومة حزب بهارتيا, رغم التطور الاخير الذي تمثل في التجارب التي اجرتها الهند على صاروخ اجني وما تبع ذلك من تجارب على صاروخي غوري وشاهين الباكستانيين الا ان اسلام اباد ظلت تعتقد ان الخطوات التي قطعتها مع اكثر القوى السياسية تطرفا في الهند كانت كفيلة بأن توصل نحو حل شامل في المدى البعيد لمختلف المشاكل بين البلدين غير ان الانهيار المبكر لحكومة حزب بهارتيا التي لم تدم في السلطة اكثر من 13 شهرا عطل هذه العملية الجادة وبقي الامل في ان تكون الحكومة الهندية القادمة اكثر ادراكا بأهمية الحوار الجاد كخيار وحيد لاحلال السلام في هذه المنطقة الاكثر تفجرا في العالم.