منذ ان منيت الحكومة الائتلافية الهندية بالهزيمة في التصويت على منح الثقة في البرلمان وبفارق صوت واحد, والاحداث السياسية تتوالى في الهند لتضرب الاخماس في الاسداس عن مستقبل التجربة الديمقراطية وشكل الحكومة القادمة, فحزب المؤتمر الذي تراجع دوره التاريخي كان يأمل برئاسة (سونيا غاندي) في تشكيل حكومة بديلة عن حكومة (اتال بيهاري) التي سقطت يوم 16 ابريل الماضي, غير انه فشل بسبب رفض الحزب الاشتراكي دعم حكومة يرأسها حزب المؤتمر, وحزب الشعب الذي يتمتع بأغلبية في البرلمان وبقوة رئيسية في البلاد كان يأمل في العودة للحكم اذا ما فشل حزب المؤتمر في تشكيل الحكومة, وقد افرز كل هذا نتيجة سياسية اكيدة وهي اجراء انتخابات جديدة بالهند قبل موعدها المحدد بأربعة اعوام, لتكون ثالث انتخابات عامة تجرى منذ عام 96, فما هي الاحتمالات القائمة لنتائج الانتخابات المقبلة وشكل الحكومة الجديد؟ وهل تنتهي بهذه الانتخابات حلقات الصراع المشتعل على الساحة الهندية؟ واذا كانت الفوضى السياسية تطل برأسها بين حين واخر على الهند فكيف نجحت الهند حتى الان في الحفاظ على تجربتها الديمقراطية بتفاصيلها الخاصة جدا؟ هذه الاسئلة وغيرها توجه بها (الملف السياسي) الى الهولندي (هانس كرويمانس) نائب رئيس مركز المعلومات الاسيوية والدراسات الشرقية بهولندا تمثل التعددية الحزبية اشكالية خاصة بدول العالم الثالث, فكيف يمكن تمييز هذه الاشكالية في الهند كنموذج لدول هذا العالم وما هي ابرز الاحزاب الفاعلة في حياة الهند؟ ــ الهند مثل غيرها من دول العالم الثالث التي كانت واقعة في قبضة الاستعمار, وعند تحررها واستقلالها عام 1947 التف الشعب الهندي رغم انتماءاته المختلفة حول زعيم سياسي واحد, مثل لهم رمزا وطنيا قويا اجتاز بهم المرحلة الانتقالية الصعبة من هيمنة الاستعمار الى الحرية والديمقراطية بمفهومها الخاص لدى دول العالم الثالث, اي تلك الديمقراطية (الطفرة) التي لايسبقها اعداد ولا تأهيل سواء للشعب للنهوض به من الفقر والجهل والتخلف وتثقيفه سياسيا للتعامل مع الديمقراطية باسلوب حقيقي وسوى, او بالنسبة للقيادة السياسية التي عليها تطبيق الديمقراطية بالياتها الفعلية عن طريق ارساء عناصرها من تعددية حزبية وانتخابات حرة وتمثيل شعبي حقيقي, غير ان الزعامة الهندية كانت ملائمة لتلك المرحلة التاريخية الانتقالية التي كانت تحتاج (لكاريزما سياسية) لتنفض عنها اثار الاستعمار, وتسعى لخلق قيادة قوة وطنية, ومن هنا كان لحزب المؤتمر الشعبي الذي توارثته عائلة غاندي تبني اهدافه في الحكومات المتتالية ودور تاريخي في قيادة الهند في اخطر المراحل, غير انه مع التعددية الحزبية وتغير احتياجات المجتمع الهندي وخلاصه من المرحلة الانتقالية, ومطالبة الاقليات بحقوقهم السياسية افرز تراجعا ملحوظا لدور هذا الحزب, لتلعب احزاب اخرى ادوارا اكثر تأثيرا وقوة, الا ان حزب الشعب الهندي من القوميين الهندوس الذي يتمتع بشعبية كبيرة من الهندوس الذين يشكلون غالبية المجتمع الهندي, كما ظهرت ادوار لاحزاب اخرى وان لم يكن لها ذات القوة والتأثير كالحزب الاشتراكي, وتنافس اكثر من 13 حزبا على الساحة السياسية في الهند اثر بصورة كبيرة على دور حزب المؤتمر الشعبي ليتراجع خطوات لم تعد تضعه في مقدمة الاحزاب بالهند. _ وما هو دور القوى العلمانية في الهند؟ ــ الهند كدولة علمانية تعطي للتجربة الديمقراطية ابعادا افضل مما قد يطبق في كثير من بلدان العالم الثالث, وهذه العلمانية تتوائم مع تعددية المجتمع الهندي الذي يضم انتماءات وأديانا متعددة, فـ 82% من الشعب هندوس, 12% مسلمون. 2.3% مسيحيون, 1.9% من السيخ, والباقي من البوذيين والبارسيس, الجاينس وانصار طائفة الطبيعة, رغم ذلك لا يجب ان ننكر من الناحية الحيادية ان معظم الاحزاب السياسية الهندية تقف موقفا عدائيا من الديانة الاسلامية والاقلية التي تمثلها رغم الضخامة النسبية لهذه الاقلية مقارنة بدول اخرى, فالديانة الهندوسية تجد من الدعم والتأييد السياسي ما يتنافى مع رفع شعارات العلمانية والديمقراطية, ومع هذا فان للقوى العلمانية تأثيراتها في المجالات الاخرى من اقتصادية واجتماعية وسياسية, وهي التأثيرات التي انعكست بصورة واضحة على المجتمعات الهندية المتنوعة والتي تنقسم في الغالب الى قسمين, اغنياء في القمة مكدسة خزائنهم بالمال والذهب, وفقراء في قاع المدينة. _ هل يمكن القول ان الكاريزمات السياسية المؤثرة قد انتهت بمقتل كل سلالة غاندي؟ ــ منذ ما يزيد عن نصف قرن من الزمان قاد (المهاتما غاندي) اول حرب تحرير سلمية عرفها التاريخ حتى الان, ضد القوات الاستعمارية البريطانية, فقد اعطى هذا الرجل القصير (العجوز) شعبه دروسا في الكفاح (ليس ضد المستعمر الغريب فقط) بل ضد الحضارة الهندية القديمة عبر القرون, وكان يهدف من وراء ذلك ان يتعلم شعبه عادة التجديد, وكان شخصية سياسية التف حولها الشعب وامن بها, وفي الستينات عندما حاولت حكومة نهرو تحرير الهند من ارتباطها الاقتصادي بالغرب كخطوة جاده على طويق التحرر من التبعية وانتهاج سياسة خاصة للاعتماد على النفس, واعلن نهرو عام 1962 عن رغبته في تقليل المساعدات الخارجية التي تتلقاها الهند الى الحد الادنى قدر المستطاع, وكان الاتحاد السوفيتي يقدم مساعداته للهند في اقامة صرح صناعي حكومي مستقل, وحاول نهرو المحافظة على هذه الاستقلالية, رغم الازمة التي عانى منها ميزان المدفوعات والذي هدد بافلاس الدولة مما دفع البنك الدولي لتشكيل لجنة لانقاذ الهند كانت هولندا واحدة من اعضاءها غير ان نهرو التزم الحذر في علاقاته مع الدول الغربية حتى التي ساعدته, انطلاقا من حرصه على مكانة الهند كمتحدث رسمي لحركة عدم الانحياز حينئذ, وتوجهها بالدرجة الاولى كان لبناء علاقات قوية مع دول العالم الثالث, ولايمانه بان الاستعمار الغربي يأخذ اشكالا واساليبا جديده في التعامل مع الدول التي تحررت من سيطرته وقبضته, من خلال السيطرة الاقتصادية, وجعل المناطق الاستعمارية القديمة تحتاج للغرب بصفة دائمة, وان مساعدات اوروبا وامريكا لباكستان في حينه لم تكن حبا فيها, ولكن ضمانا لعدم عودتها للهند. وحتى بداية الثمانينات كانت حكومة الهند تحت قيادة نهرو, ثم انتقلت السلطة لابنته انديرا غاندي, التي استمرت على نهج سياسة والدها في تنمية البلاد مستعينة بالطاقات الهندية, وتحجيم المساعدات الخارجية حفاظا على استقلالية القرارات الوطنية, وفي هذا الاطار يختلف كثير من المراقبين السياسيين والاقتصادين في العالم على نتائج هذه السياسة فبعضهم يصفها بالنجاح وانها حققت للهند مكاسبا وطنية وركيزة صناعية قومية, كانت اساسا لانطلاقة مقبلة واخرون يرون انها سياسة لم تحقق نجاحا يذكر, فلم تخف حدة الفقر ووطأة الفوارق الطبقية التي استشرت في المجتمع, ولم تتراجع ظاهرة الرشوة والفساد. ورأى ثالث يرى ان الهند تقدمت صناعيا, واصبحت تعتمد على قاعدة وطنية مستقلة الى حد كبير, يمكنها الاعتماد على نفسها والانطلاق لمستقبل سيلحق بمستوى التقدم الصناعي الغربي, وهذا هو سبب خوف الغرب على مصالحه, فالهند سوق كبير. ولعل هذا هو اهم اسباب الضغوط الدولية على الهند لتحرير اقتصادها, واطلاق الحرية للقطاع الخاص حتى تتمكن الشركات الغربية من المنافسة, وكانت انديرا غاندي قد اضطرت للاستعانة بصندوق النقد الدولي لتنفيذ برامج التنمية, وقبلت شروط الصندوق في تحسين التعاون مع الغرب, واللجوء لسياسة دمج بعض الشركات الوطنية مع الشركات الاوروبية في مشروعات مشتركة, وعندما اغتيلت اندير اغاندي وتولى ابنها راجيف عام 84 دفعه ولاؤه لسياسة والدته الى التوجه لسياسة الخصخصة, وتشجيع القطاع الخاص, وتقليص دور القطاع الحكومي في حركة الاقتصاد في الهند, الامر الذي اعطى فرصا اكبر لوجود تعاون غربي هندي مشترك, كما ان سياسته ادت لخلق منافسة حرة بين الشركات الصناعية, وقد اطلق الاعلام الغربي عليه في حينه اسم (مستر كلين ــ والسياسي صاحب الايدي النظيفة), لانه لم يتورط في قضية فساد او رشوة, كما انه لم يلوث بالافكار الايدلوجية للاشتراكية, وكانت اوروبا تنظر اليه على انه الرجل الذي سيوصل الهند بنجاح للقرن الواحد والعشرين. وعلى الرغم ان الفوضى والصراعات في الهند كانت تطل برأسها من وقت لاخر خلال هذه الفترات, وتهدد النظام الديمقراطي, الا ان الحقائق تؤكد بأن الخيار الهندي في التمسك بعجلة قيادة وطنية للتقدم اعتمادا على النفس اولا, ادى لنتائج مثمرة وايجابية لهذه السياسة القومية, حيث ان النظام الديمقراطي لم ينهار, وتراجعت العنصرية والضغوط التي كانت تمارس على فئة بعينها او جماعة من المواطنين بنسبة كبيرة, كما تراجعت ايضا نسبة المواطنين الذين يعيشون تحت خط الفقر, وادت الزيادة في انتاج المحاصيل الزراعية وتصنيعها الى المساهمة في نهاية مرحلة المجاعة, كما شهد الانتاج الصناعي تقدما ملحوظا. _ لو عدنا الى الصراع الدائر على الساحة الهندية الان, هل من المتوقع ان تؤدي الانتخابات القادمة الى حل للازمة السياسية القائمة, وما هو تصوركم حول مستقبل التجربة الديمقراطية؟ ــ لا يمكن التكهن الآن بنتائج الانتخابات المقبلة وان امكن استقراء بعض احتمالاتها بحصول حزب الشعب الهندي على الفوز باغلبية الاصوات رغم سقوط الحكومة التي كان يرأسها الحزب, ويرجع هذا بالطبع الى تمتع الحزب بتأييد الاغلبية الهندوسية في الهند والتي تشكل اكثر من 82% من الشعب, واتصور ان تأتي الانتخابات الجديدة بنتائج مقاربة لنتائج الانتخابات التي اجريت في فبراير الماضي, وستكون حكومة ائتلافية, لان الحكومة الائتلافية هي الحل الوحيد لتجنب مزيد من تفجر الصراعات الطائفية وانقساماتها, وان كانت لا تقضي تماما على هذه الصراعات لكنها تضع غطاءا قويا فوق فوهة هذا البركان القابل للانفجار في اية لحظة, اما مستقبل التجربة الديمقراطية في الهند فاري رغم هذه الفوضى السياسية التي اطاحت بست حكومات خلال ثلاث سنوات فقط إلا انها مؤشرات صحية في طريق التطور الديمقراطي الذي سيفرز ان اجلا او عاجلا نوعا من النضج في هذه التجربة الديمقراطية المتميزة واستقرارا للبلاد, اذ لا يجب ان ننسى ان الخيار الديمقراطي بالهند لم يسبقه تطور طبيعي او نمو يتم فيه تجاوز امراض الطفولة لتجربة الديمقراطية ولذلك ارى ان ما تمر به الهند الآن انما نوع من الخلاص من امراض الطفولة الديمقراطية للوصل الى نتاج صحي وسليم, رغم ان الخيار الهندي للديمقراطية يعود الان الى نصف قرن واكثر من الزمان, إلا ان هذا لا يمنع ان تجربتها الديمقراطية لم تكتمل تماما,و ولعل التعددية في المجتمع الهندي من حيث الانتماءات والديات والتي سلف ان اشرنا لها تلعب دورا كبيرا في اعاقة نضوج هذه التجربة بصورة تامة. *لو تناولنا العلاقات الهندية مع العرب من حيث التوجهات والتأثير, كيف تصف هذه العلاقة؟ ـ معروف ان العلاقات الهندية لم تتسم بالعمق والتبادلية من حيث المصلحة, على الرغم من الحاجة العربية الكبيرة الى الهند, وعلى الرغم ايضا من وجود عوامل مشتركة بين العرب والهند كانت تعد عوامل لدعامات اساسية للعلاقات والتعاون, فكل من الدول العربية والهند كانوا فريسة للاستعمار, وكان خلاصهم من قبضته في تزامن واحد, وعندما ظهر مشروع (عدم الانحياز) لنهرو وتيتو وجمال عبدالناصر, كان هذا ادعى لتلاصق وتوثيق في العلاقات العربية الهندية وتكتيلها ضد الغرب, إلا ان ما حدث غير ذلك, فالعرب قد كثفوا اهتماماتهم عبر المراحل التاريخية للهند على تدعيم علاقتهم بالغرب, واهملوا علاقتهم بالشرق ومنها الهند, وعلى الرغم من ان الهند كان يجب ان تمثل اهتماما عربيا خاصا عقب اعترافها بالدولة اليهودية عام 1950, حيث كانت من اوليات الدول الشرقية التي اعترفت بتلك الدولة, إلا ان العرب اسقطوا الهند واهميتها من حساباتهم, واقتصرت العلاقات على نواحي اقتصادية دون الاهتمام بالتوجهات السياسية او الاجتماعية او الثقافية, واقتصر اهتمام الهند بالمنطقة العربية والخليج على العلاقات البترولية, فتدعمت العلاقات بين الهند واسرائيل منذ ذلك التاريخ وامتد الى تعاون عسكري عام 63 بتوقيع اتفاق سري لامداد اسرائيل بالاسلحة, بجانب التدريب المتبادل للطاقات العسكرية وتأهيلها, وابان هزيمة العرب في 67 حصلت الهند على صفقة طائرات غربية واشادت بانتصار اسرائيل وقدرات جنودها القتالية, وليس خفيا ان بناء القوة النووية الهندية اعتمدت على اسرائيل منذ البداية وحتى التفجيرات النووية الاخيرة فقد امدتها اسرائيل بالخبرة والمعلومات, واستفادت في المقابل التجارب النووية الهندية للحصول على نتائج هامة لهذه التجارب, دون تكليف نفسها اجراء تجارب خاصة وتجنبا للوقوع في مشاكل بمنطقة الشرق الاوسط, ومن هنا يتضح ان العرب هم الخاسرون في تطور وتدعيم العلاقات الهندية الاسرائيلية وان اسقاط الهند من خارطة السياسة العربية لهو امر شديد الخطورة خاصة على منطقة الخليج العربي. ومن هنا فإن خروج العلاقات العربية الهندية من نطاق المصالح الاقتصادية المحدودة الى خارطة التوجهات السياسية ودعم هذه العلاقات لهو مكسب هام للعرب في وقت تعد فيه قضية اسرائيل والشرق الاوسط هي الهاجس الاكبر بالمنطقة العربية. اجرى الحوار: سعيد السبكي