تمر الهند هذه الايام بأزمة سياسية عقب سقوط حكومة حزب بهارتيا جاناتا اليميني المتطرف بزعامة فاجبايي وحل البرلمان والدعوة لانتخابات جديدة, وهذه الازمات ليست بجديدة على الساحة الهندية التي تشهد سيناريوهات متكررة من وقت لآخر في ظل الصراع السياسي والحزبي الذي يعتمل في هذا البلد ذي التلاوين المتعددة في تركيبته الاجتماعية والطائفية والعرقية والاثنية, وهو الامر الذي يعكس نفسه بلاشك في الصراع السياسي الدائر ضمن اللعبة الديمقراطية. والشاهد ان التجربة الديمقراطية في الهند من التجارب النموذجية في العالم الثالث وان كانت مدرسة متميزة تعكس التكوين الاجتماعي والديمغرافي للهند الا انها تجربة يمتد عمرها لخمسين عاما, وخلال هذه الفترة تقلد حزب المؤتمر غالبية الحكومات في السنوات الماضية بحكم رصيده الشعبي وبصماته التي خلفها زعماء الهند البارزين امثال غاندي, نهرو, انديرا غاندي. ويفسر غير قليل من المراقبين والمحللين السياسيين تكرار الازمات السياسية التي واجهت الهند خلال السنوات القليلة الماضية بغياب الزعامات الكاريزمية على صعيد النخبة السياسية وقيادات الاحزاب وهو الامر الذي ينعكس على وتيرة العمل السياسي وعدم الاستقرار الحكومي, وضعف الاداء الاقتصادي واضطراب العلاقات الخارجية سيما بعد الفترات الذهبية التي عاشتها نيودلهي عقب الاستقلال وحتى مقتل انديرا غاندي اخر عمالقة الهند التي اكتسبت شهرتها ولعبت ادوارا عالمية بحجم الهند كقارة. ورغم كل الازمات والخضات التي تمر بها الهند فان الديمقراطية كفيلة باستيعاب كل التناقضات والتجربة كفيلة بغربلة بعض الشوائب التي تظهر من وقت لآخر, ومادام الملايين يحتكمون لصناديق الاقتراع وليس للسلاح فستظل لغة الاختلاف حضارية بل ان الاختلافات والتباينات هي سمة الديمقراطية وجوهرها, ولاشك ان تجربة خمسة عقود من الزمان كفيلة بترسيخ التقاليد الديمقراطية التي تتيح للجميع العمل بعيدا عن روح الغاء الآخر. ومادامت المؤسسة العسكرية بعيدة عن اللعبة السياسية فان ذلك من شأنه ان يتيح الفرصة لنمو مؤسسات المجتمع المدني وتعزيز المشاركة الشعبية. ان اية حكومة هندية قادمة ستواجه جملة من الاستحقاقات الداخلية والخارجية اهمها على الصعيد الداخلي التصدي للمعضلة الاقتصادية والعمل على تحسين الموارد وتخفيض نسبة البطالة وزيادة معدل النمو الاقتصادي وتخفيض المديونية الخارجية واستكمال برامج الاصلاحات الاقتصادية والمواءمة بين الدخل القومي وحجم النفقات, اما على صعيد العلاقات الخارجية فان الهند تواجه ازمات متكررة مع جارتها اللدودة باكستان وتخوض معها سباق تسلح نووي وتشهد العلاقات بينهما توترات مستمرة تصل في احايين كثيرة الى احتكاكات عسكرية على الحدود, بيد ان هذه العلاقات قد ولجت عصرا جديدا بعد قيام البلدين بتفجيرات نووية خلقت ما يسمى في علم الاستراتيجيا ونظريات العلاقات الدولية ما يسمى بتوازن الرعب النووي وهي المرحلة التي تفضي الى خلق حالة توازن وتمثل صمام امان للسلام في المنطقة علاوة على ان هناك تحركات جديدة تقوم بها روسيا سعيا وراء تشكيل حلف يضم الهند والصين في مواجهة التحالفات الغربية والاستهداف الامريكي المنفرد بالعالم. الملف