انتصار سياسة وثقافة التغيير والتجدد التي ينادي بها الاصلاحيون في ايران على التطرف والائتلاف الذي يقر عليه المتشددون من المحافظين, هذه هي العبارة التي رددها التيار الداعي للاصلاح والذي أشاد بالخطاب البارع والعميق الذي القاه وزير الثقافة والاعلام الدكتور مهاجراني امام نواب البرلمان واقناعهم بافشال مشروع حجب الثقة الذي طرحه المتشددون في مجلس الشورى لعزل ابرز وزير لدى خاتمي في حكومته الائتلافية. ولكن حتى الان يتساءل معظم المراقبين عن حقيقة ما جرى وراء الكواليس السياسية وليس على رواق البرلمان المفتوح والذي نقل جلسة الاستجواب الفاشلة على الهواء مباشرة. فكيف تمكن مهاجراني ذو الرؤية الانفتاحية والذي وصفه بعض المتشددين بأنه لا يملك صلاحية تصدي وزارة الثقافة والاعلام ونعته آخرون بقلة الايمان وعدم التدين من الانعتاق من ضغط المتشددين الذين كانوا حتى لحظات قبل جلسة الاستجواب يؤكدون رحيل مهاجراني من وزارة الاعلام ويشيرون الى ما وصفوه بالقرار الحازم والمقرر مسبقاً لاقصاء مهاجراني مهما كلف الأمر؟. المحافظون كانوا ومازالوا يدعون أنهم يسيطرون على ثلثي مقاعد البرلمان الايراني البالع عدد اعضائه 270 نائباً, أي انهم يمتلكون حوالي 180 صوتاً امام 90 صوتاً لتيار اليسار وكوادر البناء وغيرهم من التيارات الصغيرة والاقليات الدينية, غير ان المحافظين لم يتمكنوا من جمع سوى 121 صوتاً من مجموع 263 صوتاً للمطالبة بحجب الثقة عن مهاجراني. هذا التقسيم لا يقنع العديد من المراقبين وخبراء السياسة الايرانية وحتى القيادة العليا في ايران لا تعترف اساساً بوجود تيارات يمينية أو يسارية في البرلمان, بل تشير الى أذواق سياسية مختلفة وأن نواب البرلمان الذين يمثلون مختلف قطاعات الشعب والمدن يتناقشون في اجواء بعيدة عن الضغط الفئوي للخروج بقرارات حسب ظروف المجتمع ومتطلبات الأمة. ومع هذا فقد أكدت قضية استجواب مهاجراني مدى تأثير الرأي العام الداخلي على المعادلات السياسية التي تسيطر على البرلمان ويشير هؤلاء المراقبون الى بروز نهج أو تيار ثالث لا يتبع قرارات المحافظين والاصلاحيين (اليساريين), وهو تيار المستقلين الذي أخذ ينمو في الحقيقة على حساب المحافظين فقط, مقتطع منه بعض من تكتله المتماسك في السلطة التشريعية. ويدعي بعض النواب المتشددين في البرلمان أن تيار المستقلين نكث بهم وكانوا يعتقدون ان المستقلين لا يؤيدون سياسة مهاجراني وانهم كانوا يمتلكون احصائية دقيقة لكسب الاراء اللازمة لاقالة وزير الاعلام والاعلان عما يصفوه بالانتصار السياسي والثقافي على الاصلاحيين بعد موجة من الاعداد والتخطيط لمشروع الاستجواب واحداث ضجة كبرى لضياع ما اسموها بالقيم الثورية والاصولية بعد مجيء خاتمي الى سدة الحكم. التفسير الخاص بالقوى الاصلاحية لما جرى في هذا الصدد, يختلف تماماً عما أشير اليه, حيث تدعي هذه القوى ان بعض نواب المحافظين من الذين يخشون على مصيرهم البرلماني والسياسي تعمدوا عدم الدخول في مواجهة مفتوحة ومستمرة مع سياسة الرئيس خاتمي لكي يضمنوا على الأقل دورة اخرى في الانتخابات البرلمانية المقبلة. هذه الاستنتاجات وان كان بعضها قد يكون أقرب الى الواقع السياسي الذي يعصف بأجواء البرلمان, إلا انه يشير في الوقت ذاته الى وجود (أقطاب حكيمة ذات رؤية بعيدة) لدى المحافظين, تدرك عدم جدوى المعارضة الفوضوية لسياسة خاتمي في مجال التنمية السياسية والثقافية في ظل هذه الظروف وضرورة الحفاظ على اجواء الهدوء في المجتمع والابتعاد عن اظهار المحافظين بأنهم يعارضون سياسة خاتمي بصورة دائمة ويضعون العراقيل في طريق مسيرته الاصلاحية.. ومع هذا فإن النصر الذي حققه مهاجراني من خلال (سحر) كلامه في البرمان لا يمكن الجزم به على انه نصر كامل وشامل على الأفكار المتشددة ذلك ان الاستجواب وان كان قد انتهى لصالح مهاجراني إلا أنه اثبت مدى ابعاد المعارضة المتشددة لبرامجه الثقافية والاعلامية التي وصلت الى المؤسسات الدينية الكبرى في مدينة قم ومعارضة العديد من المراجع وعلماء الدين لهذه السياسة. طهران ــ البيان