كشف الرئيس الاريتري اسياسي افورقي عن رغبة بلاده في تطبيع العلاقات مع السودان وتجاوز الأزمة الأخيرة بين البلدين مهما كانت أخطاء الماضي.. وقال في حوار صريح وشامل أجرته معه (البيان) في الدوحة التي يزورها حاليا , انه لا يمانع من لقاء الرئيس السوداني عمر البشير مشترطا ان يكون اللقاء مثمرا ورفض من جهة أخرى مقايضة المعارضة السودانية الموجودة في اريتريا بأي حل يصب في جهة التطبيع مع الخرطوم قائلا انها موجودة قبل مجيء حكومة الانقاذ. وتناول كذلك في حواره حرب بلاده مع اثيوبيا وتطرق إلى العلاقات الاريترية العربية في مقابل العلاقات مع اسرائيل واصفا الاتهامات لبلاده بالتحالف مع اسرائيل ضد العرب انها مزايدات وقال ان الحديث عن الموقف العربي الموحد (كلام فارغ) ولا وجود له على الواقع. وفيما يلي نص الحوار: سيادة الرئيس .. لعل أول ما يتبادر للذهن مع وجودكم في الدوحة هو السؤال عن أحوال الوساطة القطرية بين اريتريا والسودان .. فما هي آخر أخبار هذه الوساطة؟ ــ القضية بيننا وبين السودان ليست قضية وساطة, لأن ذلك يحيل الى الذهن طرفن متخاصمين, وطرفا ثالثا يتوسط بينهما .. فالمسألة تتعلق بعلاقات آلية, واستراتيجية بين الشعبين .. وخلال عشر سنوات مضت, ضاعت فرص عديدة عن السودان وعن اريتريا. الآن الحديث يدور حول اعادة الأمور الى مجراها الصحيح بين البلدين, وليس التوسط لايجاد حل معين لخلاف محدد .. لان في اعتقادي ان المسألة تتجاوز المحاولات الدبلوماسية لحل هذه المشكلة, ونحن نتباحث مع الاخوة القطريين حول جدوى هذه العملية, وأريد القول ان جدوى أي مبادرة من أي طرف يجب أن تنظر للأمور من زاوية تاريخية ومن زاوية مصالح استراتيجية لا تقتصر فقط على مصالح الحكومتين القائمتين اليوم. سياسة فاشلة الم يطرأ أي تغيير على المشهد العام بين أسمرة والخرطوم؟ ــ أعتقد أن هناك تغييرا ناتجا عن عدم نجاح المشروع الحضاري الذي بشر به النظام السوداني عندما قامت الجبهة القومية الاسلامية بالانقلاب, فقد كان مشروعا كبيرا جدا يخلط بين القضايا المحلية والاقليمية والدولية, واليوم عندما ننظر الى العشر سنوات الفائتة سنجد هذه الاستراتيجية وهذه الأجندة التي قام عليها انقلاب ,1989 قد فشلت .. اضافة الى انها سبب المشاكل التي قامت في المنطقة, مع الجيران وسواهم مما أدى إلى عزل السودان دوليا .. وهو ما مؤداه ان هذه السياسات لم تنجح. وهل تعتقدون على ضوء ما قلتم: (ان السودان بات مستعدا لتغيير استراتيجيته في التعامل الخارجي؟ مثلما اسلفت فقد ثبت فشل هذه الاستراتيجية سواء كانت عن قناعة او عن ضرورة قبول الامر الواقع. وبالتالي فإنه من الاكيد ان يكون هناك تغيير وهذا انطلاقا مما تمت ملاحظته على مدى العشر سنوات الماضية فهذه التيارات المتطرفة والمشاريع الايديولوجية والفكرية المبنية على توظيف الديانات لتحقيق غايات سياسية اصبحت موضة فاشلة, الان يسود التفكير في اسلوب ناجح لخلق علاقات اقليمية ودولية فعالة ناهيك عن عن ضرورة حل المشاكل الداخلية بذات الاسلوب. واعتقد ان المناخ الان مهيأ للتغيير, ليس من منطلق قناعة الجبهة القومية الاسلامية بذلك بل لان الواقع السوداني رفض ذلك التوجه السياسي كما تم رفضه في كل انحاء الدنيا. واعود للقول انه بعد عشر سنوات استفادت كل المجتمعات من تجربة التطرف التي طرأت عليها بعد نهاية الحرب الباردة نتيجة الاحباطات السياسية وبالتالي فإن اسباب التطرف لم تعد موجودة الان ودعم ذلك تجربة هذه المجتمعات وبعض الحكومات والقوى السياسية التي لابد انها وصلت الان الى قناعة بفشل توجهها ذاك.. وبأن ذلك النهج غير واقعي, وغير منسجم مع ظروف اقليمية ودولية, فضلا عن انه عاجز عن حل المشاكل الداخلية. لامانع من تقابله مع البشير دائما في اطار الخلاف الاريتري السوداني هل يمكن ان نتوقع قريبا لقاء اخر حاسما بينكم وبين الرئيس السوداني عمر البشير؟ ــ نحن ليس لدينا حساسية تجاه هذا الموضوع فقد حدثت قبل الان لقاءات غير رسمية وتقابلت مع الرئيس البشير مرة في العاصمة الليبية طرابلس, ومرة اخرى في مدينة (سرت) بمناسبة اجتماعات تجمع الساحل والصحراء والمهم ليس اللقاء في حد ذاته بل ان يكون اللقاء مثمرا .. وسواء تم ذلك بين الرئيسين او على مستوى وزاري, او بين الخبراء, فالهدف دائما هو خلق ارضية جديدة وصلبة لعلاقات مستقبلية بين الشعبين لا تتأثر بالخلافات السياسية للحكومات. مقايضة مرفوضة هناك نقطة مهمة لعلها عقدة الحل واقصد وجود المعارضة السودانية بكثافة في اريتريا .. ودعمها الكامل لها .. ماذا سيكون مصير هذه المعارضة اذا توصلتم مع النظام السوداني الى ارضية الحل التي تحدثتم عنها؟ ــ هذه قضية ثانوية بالنسبة لنا ... فمشاكل جنوب السودان موجودة منذ الاستقلال الى الآن بدون ان تجد لها أية حكومة سودانية الحل المناسب .. وان تكون المعارضة الجنوبية موجودة في اسمرة او في كامبلا او في اديس ابابا او القاهرة .. فليس ذلك مهما, بقدر اهمية ايجاد حل لمشكلة الجنوب السوداني .. فلا علاقة لوجود هذه المعارضة بطبيعة العلاقات التي يجب ان تكون قائمة بين الدولتين. اما بالنسبة للمعارضة الشمالية .. فهي ايضا موجودة من قبل وجود الجبهة القومية الاسلامية في السودان .. ولايمكن لاي كان ان ينكر هذه الحقيقة .. لكن الموقف تأزم نتيجة السياسات المغلوطة التي يتبعها النظام السوداني الحالي, والتي ادت الى فشله الداخلي والخارجي. والآن لانرى علاقة مباشرة بين تطبيع العلاقات الاريتيرية السودانية وبين وجود هذه المعارضة في اسمرة .. فلا يمكن ان نقايض هذه بتلك لان هذه تعتبر قضايا داخلية .. كما ان المهم الآن هو تغيير الاوضاع في المنطقة لصالح شعوبها, مع أخذ الاعتبار ان لكل دولة الحق في معالجة قضاياها الداخلية بالاسلوب الذي تراه مناسبا لها .. واذا فانه لايمكن ان تكون هناك حلول سياسية من خلال مقايضة المواقف من المعارضة وفضلا عن ذلك فان المعارضة موجودة في القاهرة, وفي كثير من البلدان العربية .. وبالتالي فلا معنى لتغطية المشاكل الحقيقية بالتستر وراء هذا المطلب .. يجب أن يكون هناك حل جاد للمشاكل في السودان .. وهذا شأن سوداني .. أما ان تكون هناك لقاءات وحوارات بين أسمرة والخرطوم .. فهذا يجب عدم ربطه بمقايضة المعارضة .. لأنه غير وارد بالنسبة لنا. موجودة من قبل الإنقاذ هل تعنون بأنه يمكن اقامة علاقات طبيعية مع نظام الخرطوم في نفس الوقت الذي تقيمون فيه علاقات مع المعارضة السودانية؟ ــ العلاقات مع الأحزاب الشمالية السودانية سبقت مرحلة تحرير اريتريا .. ثم تواصلت مع بعضها بعد الاستقلال, اضافة الى هناك علاقات أسرية تتجاوز الحدود بين البلدين. كما أشير الى انه كانت هناك ايضا علاقات بين أحزاب المعارضة الشمالية, والجبهة القومية الاسلامية في السودان, لكن انقلاب سنة 1989 هو الذي عقد الوضع, لكن علاقات هذه الأحزاب ببعضها استمرت بصرف النظر عن تحولها الى علاقات بين معارضة وحكومة .. ونحن نأمل ان يتمكن السودانيون من حل مشاكلهم حتى لا تنعكس هذه المشاكل على جيرانهم .. وأعود للقول هنا, بأن الذي دفع السودان الى مشاكل خارجية مع جيرانه ومع سواهم, هو المشاكل الداخلية .. ومن هنا فإن الأهم هو استقرار السودان سياسيا من خلال ايجاد حلول واقعية لكل مشاكله. اتهام ومفارقات أنتم تنتقدون السودان باعتباره أصبح مصدر إزعاج لجيرانه .. لكن نفس التهمة تواجهها اريتريا البلد الفتي الذي ما انفك يثير المشاكل مع جواره من حين لآخر .. فكيف تشرحون هذه المفارقة؟ ـ هذه مقارنة بسيطة تخل بالحقيقة .. وكل من يعمد اليها يحاول تبرير خطأ بشيء غير قابل للمقارنة .. فنحن لم ندع امتلاك ايديولوجيا ولم نحاول تصديرها الى الخارج .. وليس لدينا مطامح سياسية, ولا أخرى جغرافية... فقد أمضينا ثلاثين سنة من الثورة من أجل ايجاد بقعة صغيرة في القرن الافريقي, نحاول أن تحيا بسيادتها الكاملة. مشاكلنا مع الجيران هي مشاكل طبيعية في رأيي.. فمشاكل الحدود موجودة في كل افريقيا من زمن طويل.. وبعضها قامت من أجله حروب شرسة, وما زالت... ولذلك فمن الخطأ المقارنة بين شيئين غير قابلين للمقارنة. الخلاف مع اثيوبيا حسنا.. وخلافكم مع اثيوبيا في أي اطار تضعونه؟ الاطار الحدودي أم الاقتصادي أم ماذا؟ نحن نعتقد ان قضيتنا مع اثيوبيا قضية حدودية.. وفي اطار حل هذه المشكلة طرحت منظمة الوحدة الافريقية مشروعا مقبولا على المستوى الدولة. وقد اتهمتنا اثيوبيا برفض المشروع في حين اننا اقتصرنا على تقديم تفسيراتنا لبعض النقاط التي وردت فيه.. والآن بعد قبولنا لمشروع منظمة الوحدة الافريقية, أصبحت اثيوبيا ترفضه.. وهي تقدم شروطا تعجيزية.. وقد أصبح بيّنا للعالم من يريد حلا, ومن يعترض سبيل هذا الحل. لكن.. ربما ان الوضع الاريتري على الميدان العسكري, هو الذي حتم قبول الخطة الافريقية.. على أساس الانتصار الذي استعادت على اثره اثيوبيا للأراضي التي كنتم تسيطرون عليها.. أم ان لكم رأيا آخر؟ ــ حسب معلومات, فإن الوضع العسكري على الأرض لا يميل لصالح أثيوبيا.. وحتى ما تحدثت عنه من ان الاثيوبيين استعادوا أرضا كنا نسيطر عليها.. فهو لا يتعدى قطعة بسيطة لا تعني شيئا بالنسبة لنا. إذن.. هل تم تضخيم الانتصارات الاريترية, ثم الانتصارات الاثيوبية.. أم ماذا؟ ـ لا.. كانت هناك تغطية صحيحة لفشل المخططات العسكرية للنظام الاثيوبي كما يمكن ان العالم استغرب وصول خسائر اثيوبيا الى عشرات آلاف الضحايا خلال شهرين. وأؤكد لك بأن الخسائر الاثيوبية في هذه الحرب, تعتبر من أعلى الخسائر في كل الحروب التي اندلعت في افريقيا بعد سقوط نظام (منجستو) ويكفي ان أقول لك بأنهم خسروا أكثر من 45 ألف جندي في معركتين فقط. الآن هناك هدوء نسبي على جبهات المعارك, ونحن نتمنى ان يهتدي الجميع الى حل سلمي, لأن اريتريا لا تبغي انتصارا أو احتلالا من وراء هذه الحرب, لكن الدفاع عن سيادة الوطن أمر واجب. في موضوع آخر.. هناك شبه اصرار على اتهام اريتريا بأنها شوكة مغروسة في الخصر العربي.. وتردد ذلك بالخصوص وسط اتهامكم شخصيا باقامة علاقات مع اسرائيل.. فهل من توضيح لهذا الأمر؟ ــ المشكلة الآن في تعريف العالم العربي.. من هو العالم العربي الذي يشتكي من علاقة اريتريا باسرائيل.. ومن لا يشتكي! فاذا كان الفلسطينيون وهم طليعة المواجهة العربية لاسرائيل قد دخلوا في اتفاقات معها, واذا كانت مصر والاردن وسواهما قد أقاموا علاقات دبلوماسية مع اسرائيل.. وأكثر من دولة عربية أقامت مصالح معها, واذا كانت هناك مواقف عربية تتبدل كل يوم, فأين هو العالم العربي الموحد ذو الموقف الواحد والذي نكون نحن في أسمرا قد خناه؟! دعني أقول لك بأن هذا كلام عاطفي لا ينسجم مع تطورات واقع العالم اليوم, فنحن مقبلون على القرن الحادي والعشرين, والحديث عن الموقف العربي الموحد وعن العالم العربي الموحد, كلام فارغ, لأنه غير موجود, والحديث عن اريتريا وكأنها تنتمي الى الجبهة الاسرائيلية, مقابل جبهة عربية, هو ايضا كلام يرفضه الواقع الدولي اليوم... ويعيش على ذكرى الخمسينات والستينات, عندما كانت هذه الجبهات حقيقة. كل هذه مزايدات لا معنى لها في تقديري... فهناك الآن واقع دولي وواقع اقليمي, تتعامل معهما الحكومات والقوى السياسية بالكيفية التي تناسب مصالحها, والتي تتماشى مع الاستقرار والأمن في موقع معين. واذا كان هناك من يصر على هذا الكلام, فإنني اراه تعبيرا عن احباط سياسي. الدوحة ــ حوار فيصل البعطوط